أخلاقيات الطب بين الحرية الشخصية والضوابط الدينية

بانر باب حوار

وتتقاطع في هذا المجال المعقد اعتبارات دينية وفلسفية وطبية واجتماعية متشابكة، مما يجعل الوصول إلى توافق شامل أمرا في غاية التعقيد يتطلب حوارا مستمرا ومتعدد الأبعاد بين المختصّين من مختلف التخصصات والخلفيات الثقافية.

وفي هذا السياق، ناقش برنامج “باب حوار” في حلقة (2025/9/21) هذه القضايا من خلال استضافة مجموعة متنوعة من الخبراء والمختصّين الذين قدموا وجهات نظر متباينة حول قضايا محورية مثل الموت الرحيم والإجهاض وحدود التدخل الطبي في حياة الإنسان.

وضمن الآراء المطروحة، برز تيار قوي يؤكد على أولوية الحرية الشخصية للفرد في اتخاذ قرارات مصيرية تخص جسده وحياته.

حيث قدمت الصحفية نورهان شرف الدين رؤية واضحة ومباشرة حين أكدت أن استخدام الطب لممارسة الحرية الشخصية يمثل حقيقة إنسانية أساسية لا يمكن التنازل عنها.

وأوضحت في مداخلتها أن كل إنسان يجب أن يتمتع بالحق الكامل في تقرير ما يريد فعله بجسده، خاصة عندما يجد نفسه في حالة إنسانية صعبة تمنعه من أداء وظائفه الطبيعية أو تجعله عبئا ثقيلا على الآخرين.

ومن ناحية أخرى، قدمت الطبيبة زهراء العطار منظورا طبيا عمليا مستمدا من تجربتها المباشرة في الممارسة الطبية، حيث دعت لمعاملة الحالات بطريقة شخصية أكثر إنسانية ومرونة.

وأشارت العطار إلى ضرورة ملحة لمراجعة وتعديل أخلاقيات الطب السائدة في الوطن العربي لتواكب التطورات العلمية والإنسانية المعاصرة.

وأوضحت من خلال تجربتها اليومية في المستشفى كيف تواجه حالات مؤلمة لمرضى السرطان في المراحل المتأخرة الذين يعانون ألما شديدا ومستمرا رغم استنفاد جميع الطرق العلاجية المتاحة، مؤكدة ضرورة احترام رغبة المريض الصريحة في تخفيف معاناته حتى لو كان ذلك يعني إنهاء حياته بكرامة.

وفي المقابل، قدمت مجموعة أخرى من المختصين رؤية مغايرة تركز على أهمية الضوابط الدينية والأخلاقية الثابتة كمرجعية أساسية لا يمكن تجاوزها، حيث أكدت ممرضة التوليد فرح فوعاني، من خلال تجربتها المهنية المتخصصة، أن التطور العلمي في مجال الطب، مهما بلغ من تقدم وتطور، يجب أن تحكمه التشريعات الدينية الثابتة والمبادئ الأخلاقية الراسخة.

إعلان

وأكدت فوعاني على أن الله وحده له الحق المطلق في قبض الروح، وأن دور الطبيب ينحصر في إنقاذ الحياة والحفاظ عليها وليس في إنهائها تحت أي ظرف من الظروف.

مفهوم القتل الرحيم

من جانبه، طرح أستاذ الأخلاق الطبية والحيوية في الإسلام محمد غالي تحليلا فقهيا مفصلا ودقيقا يفرّق بوضوح بين مفهومي القتل الرحيم المباشر والإجهاض من منظور إسلامي متعمق.

وأوضح غالي أن القتل الرحيم المباشر يواجه رفضا قاطعا وإجماعا في جميع الأديان السماوية التي تؤمن بوجود خالق حكيم.

بينما أشار إلى أن موضوع الإجهاض يتسم بتعقيد أكبر ويتطلب مشاركة أطراف متعددة في عملية اتخاذ القرار، مشيرا إلى أن الفقه الإسلامي، خلافا للتصورات الشائعة، يعطي للمرأة رأيا مهما ومؤثرا في هذه المسألة الحساسة، خاصة في حالات معينة كالخطر على حياة الأم.

ووسط هذا التباين، تبرز أصوات تدعو لمقاربات وسطية، حيث طرحت أخصائية الصحة العامة لارا سرانك منظورا وسطيا متوازنا يؤكد على أهمية إشراك المريض بشكل فعال ومدروس في الخطة العلاجية الخاصة به واحترام استقلاليته في اتخاذ القرارات المتعلقة بعلاجه.

لكنها في الوقت نفسه عارضت بشدة أي إجراء طبي يؤدي مباشرة لقبض الروح، سواء كان ذلك عبر الإجهاض أو ما يُسمى بالقتل الرحيم.

وأكدت سرانك، استنادا لتجربتها المهنية الواسعة، أن توفير الدعم النفسي والاجتماعي المناسب والشامل للمرضى قد يغير جذريا من قراراتهم ويجعلهم في نهاية المطاف يشكرون الله والطبيب على عدم إنهاء حياتهم في لحظات ضعف مؤقتة.

وفي بُعد آخر، أثار الباحث في الفلسفة عبد الصمد بندرعو تساؤلات أخلاقية معقدة وحساسة حول حالات خاصة واستثنائية تتطلب معالجة خاصة، مثل حالات الاغتصاب والحمل لدى القاصرات والمرضى الذين يعانون ألما مزمنا شديدا دون أمل حقيقي في الشفاء أو التحسن.

وأكد بندرعو، من منطلق فلسفي عميق، أن أخلاقيات الطب لا يمكن مناقشتها بشكل مجرد أو نظري دون الحديث بصراحة وعمق عن مبدأين أساسيين لا يمكن تجاهلهما: مبدأ رفع الألم والمعاناة عن الإنسان، ومبدأ حفظ الكرامة الإنسانية في جميع الظروف والأحوال.

 

المصدر: الجزيرة