خلال حملته الانتخابية التي انتهت بوصوله لمنصب المستشار في ألمانيا العام الماضي، تحدث فريدريش ميرتس لمجلة إيكونوميست البريطانية وأخبرها بأن التفاوض مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سيكون سهلا للغاية، لكن تطورات الأيام الماضية ربما تؤكد أن الرجل الذي سبق له العمل كقاض ثم محام، لمن يكن على حق.
فالأمر يبدو في طريقه لتجاوز الشخصين: ترمب وميرتس، ليترك صداه على الدولتين: الولايات المتحدة وألمانيا، بل وربما تمتد آثاره الثقيلة إلى القارة العجوز: أوروبا.
قبل نحو أسبوع كان ميرتس يزور إحدى المدارس بوسط البلاد ويتحدث لمجموعة من تلاميذها ضمن برنامج للتعريف بالسياسات الأوروبية، عندما تطرق إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتداعياتها، حيث أشاد بقدرة الإيرانيين على التفاوض مقابل غياب استراتيجية أمريكية واضحة للخروج.
ميرتس بدا وكأنه تأثر ببراءة التلاميذ الذين يتحدث لهم، حيث واصل بأريحية قائلا: “من الواضح أن الإيرانيين بارعون جدًا في التفاوض، أو بالأحرى، في عدم التفاوض، حيث سمحوا للأمريكيين بالذهاب إلى إسلام آباد ثم غادروا مرة أخرى دون أي نتيجة”.
لكن المستشار الألماني البالغ من العمر سبعين عاما واصل الذهاب بعيدا في انتقاد الموقف الأمريكي، فبعد أن لام ما اعتبره دخولا للحرب دون أي استراتيجية وضرب مثلا بما جرى من قبل في العراق وافغانستان، ثما ما رآه ضعفا لقدرات التفاوض لدى الأمريكيين، ألقى الرجل بقنبلته الصوتية قائلا إن: “أمة بأسرها تتعرض للإذلال على يد القيادة الإيرانية”.
سريعا وجد ميرتس نفسه في مرمى نيران ترمب، الذي قال في إحدى تغريداته المتكررة على مواقع التواصل الاجتماعي إن على السيد ميرتس “أن يقضي وقتًا أطول في إصلاح بلاده الممزقة… ووقتًا أقل في التدخل في شؤون أولئك الذين يقضون على التهديد النووي الإيراني”.
لكن القصف المضاد لم يكن لفظيا فحسب، حيث أعلنت واشنطن عن خطة لسحب 5000 من جنودها من ألمانيا، قبل أن يخرج ترمب ليؤكد أن هذه مجرد بداية مشيرا إلى أنه قد يدرس سحب قوات بلاده أيضا من إسبانيا وإيطاليا.
أهمية ألمانيا
قبل أن نستطرد في وصف ما جرى، نحتاج لوصف العلاقة بين البلدين وبالتالي معرفة ماذا يعني تحولهما من التحالف إلى الخلاف..
الولايات المتحدة هي الدولة الأقوى في حلف شمال الأطلسي بل وفي العالم أجمع، لا شك في ذلك.
لكن ألمانيا ليست رقما هينا، فهي الدولة صاحبة الاقتصاد الأكبر في أوروبا وكذلك الرصيد البشري الأكبر في الاتحاد الأوروبي (83 مليون نسمة) فضلا عن عن الموقع الاستراتيجي في وسط أوروبا.
ورغم انتشار القوات الأمريكية في ربوع أوروبا إلا أن الثقل الأكبر يبقى في ألمانيا حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج البلاد وهي قاعدة رامشتاين قرب كايزرسلاوترنبجنوب غرب ألمانيا، فضلا عن مراكز قيادة وتدريب في بافاريا وشتوتغارت.
من حيث العدد، تستضيف ألمانيا ما بين 35 ألفا و40 ألف جندي أمريكي، لكن أهميتها لا تقتصر على عدد الجنود، بل تشمل كونها مركز قيادة للعمليات الأمريكية في أوروبا وخارجها، حيث يدير البنتاغون اثنين من مراكزه العسكرية الرئيسية وهما القيادة الأوروبية الأمريكية والقيادة الأفريقية الأمريكية، وكلتاهما في شتوتغارت، بالإضافة إلى أكبر مستشفى له خارج الأراضي الأمريكية.

ردود أفعال
نعود إلى تطورات الأيام الأخيرة وما صدر من ردود أفعال على التراشق بين ترمب وميرتس
ميرتس نفسه حرص على تهدئة الأجواء، حيث خرج بعد يوم واحد ليؤكد أن علاقته بترمب لا تزال جيدة على الرغم من الخلاف بينهما بشأن الحرب على إيران، لكنه عبر مجددا عن قلقه إزاء التبعات الاقتصادية لهذا الصراع، كما حرص على التأكيد بالآثار السلبية التي تتحملها ألمانيا وأوروبا جراء الحرب خصوصا إغلاق مضيق هرمز.
وانتقد ميرتس الرسوم الجمركية المرتفعة التي يعتزم ترمب فرضها على واردات السيارات من الاتحاد الأوروبي وقال إنها تستهدف الاتحاد ككل وليس ألمانيا بشكل خاص.
بدوره، رد وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بهدوء على أنباء سحب جزء من القوات الأمريكية في بلاده، وقال إن ألمانيا تسير على الطريق الصحيح، وما حدث يجب أن يحفز الأوروبيين على تعزيز دفاعاتهم، في الوقت الذي تسعى فيه القارة جاهدة لتعزيز الردع ضد روسيا.
وسار قادة أوروبيون على النهج نفسه واختاروا الرد الهادئ مؤكدين أن قرار ترمب وإن كان مفاجئا إلا أنه يقدم مؤشرا جديدا على أن أوروبا يجب أن تتولى شؤون أمنها بنفسها.
وشدد وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول اليوم الاثنين على أن برلين ترغب بـ”الدخول في مشاورات مكثفة” مع الولايات المتحدة بعد قرارها سحب الجنود، “من أجل استيضاح طبيعة القرار الذي تم اتخاذه والإمكانيات المتاحة لنا لممارسة التأثير”.
في الاثناء، قالت وزارة الدفاع الألمانية إن واشنطن لم تلغ بعد بشكل نهائي خطة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن لنشر كتيبة مزودة بصواريخ توماهوك بعيدة المدى في ألمانيا.
وحسب موقع دويتش فيله الألماني فإن الخبراء يعتقدون أن تقليص الوجود العسكري في ألمانيا لا يمثل خطرا كبيرا عليه بقدر ما يمثله احتمال إلغاء نشر صواريخ توما هوك التي تهدف إلى تعزيز الردع في مواجهة روسيا.
أما حلف شمال الأطلسي “ناتو” الذي اتهمه ترمب مرار بالتقاعس عن دعم بلاده في حربها على إيران، فقد أكد متحدث باسمه أن التكتل يعمل مع الولايات المتحدة لفهم تفاصيل القرار.
وانتقد ترمب مرارا دولا رئيسية في الحلف بعدما رفضت فرنسا وإسبانيا وبريطانيا منح القوات الأمريكية حرية استخدام القواعد على أراضيها لمهاجمة إيران. كما منعتهم إسبانيا من استخدام مجالها الجوي وقواعدها الموجودة هناك للحرب.

اعتراضات أمريكية
المثير أن قرار ترمب لقي اعتراضات في الداخل الأمريكي، فقد عبر اثنان من كبار المشرعين الجمهوريين الأمريكيين عن قلقهما، قائلين إنه لا ينبغي للقوات الأمريكية مغادرة أوروبا.
وفي بيان مشترك صدر عن السناتور روجر ويكر والنائب مايك روجرز، رئيسا لجنتي القوات المسلحة في مجلسي الشيوخ والنواب على التوالي، أكدا أن “تقليص الوجود الأمريكي المتقدم في أوروبا قبل الأوان، وقبل استغلال تلك القدرات على نحو كامل، ينذر بتقويض الردع، ويرسل إشارة خاطئة إلى (الرئيس الروسي) فلاديمير بوتين”.
وقال المشرعان: “لقد استجابت ألمانيا لدعوة السيد ترامب إلى تقاسم أكبر للأعباء، حيث زادت الإنفاق الدفاعي بشكل ملحوظ ووفرت وصولاً سلساً وقواعد عسكرية وتغطية جوية للقوات الأمريكية في عملية الغضب الملحمي” وذلك في إشارة للحرب على إيران التي انطلقت في 28 فبراير الماضي.
هل الأمر شخصي؟
الوضع غير المعتاد جعل الصحافة الألمانية تبدو وكأنها في حيرة من أمرها، حيث خلت تقريبا من مقالات التحليل لما يجري واكتفت في المجمل بالمتابعة الإخبارية كما يقول مراسل الجزيرة نت هناك ناصر جبارة.
الصحيفة المحافظة (فرانكفورتر ألغمانينه) عبرت عن اعتقادها بأنه مهما كانت أسباب هذا التصعيد الكلامي يجب على الطرفين التحلي بالواقعية وعدم تجميل الصورة لأن “العلاقات عبر الأطلسي تشهد تغيرًا جذريًا وأبعد من أي وقت مضى من الشراكة التي يتحدث عنها ميرتس”.
واختارت صحيفة هاندلسبلات الإشارة إلى ما اعتبرته وضعا متشابها لترمب وميرتس، فكلاهما ضعيف وفقا للصحيفة ذات التوجه الليبرالي، فترمب يخشى خسارة حزبه لانتخابات الكونغرس في الخريف المقبل وتأثيره يبدو متجها نحو التراجع.
أما ميرتس فيرأس ائتلافا مثقلا بالنزاعات وقد يسقط قبل حلول الخريف في حين أن حزب “البديل” اليميني الشعبوي يقترب في استطلاعات الرأي من نسبة 30 في المئة.
ومع ذلك تستبعد الصحيفة حدوث قطيعة حقيقية بين الجانبين، وتقول إن خلاصة الأمر تتمثل في التالي:
“علينا أن نثبت أن الولايات المتحدة تحتاج لنا ونحن نحتاج لها ولكن بدرجة أقل”.
صحيفة زود دويتشه اليسارية اختارت هي الأخرى النظر للأمر من زاوية الرجلين: ترمب وميرتس، واعتبرت أن هناك صفة تجمع بينهما هي أن أفكارهما لا تخضع دائمًا للتمحيص قبل التحول إلى تصريحات أو تغريدات.
تضيف الصحيفة أن ميرتس يبدو وكأنه يتباهى بأن شخصيته تفرض عليه قول ما يراه صحيحًا حتى لو أثار بذلك الرأي العام، غير أن هذا الأسلوب لا يبدو حكيمًا عند التعامل مع رئيس “نرجسي” تعتمد ألمانيا على دعم بلاده لها بشكل كبير.
وترى الصحيفة أن المسؤولية تقع بالدرجة الأولى على ترمب الذي يميل إلى معاملة الحلفاء كتابعين له ويبحث باستمرار عن أدلة تدعم شكوكه بأن الأوروبيين يستفيدون من العلاقة مع بلاده دون مقابل.
المثير أن مواقف ميرتس من الولايات المتحدة تبدو حافلة بالتناقض، فقبل أقل من عام وخلال مقابلة مع قناة (زي دي إف) أعرب الرجل عن تأييده للحرب على إيران آنذاك، قبل أن يضيف قائلا: “أنا ممتن لأن إسرائيل تقوم بأعمال قذرة نيابة عنا جميعا.. إيران جلبت الموت والدمار إلى العالم من خلال تنفيذ الهجمات والقتل وسفك الدماء ومن خلال دعم حزب الله وحماس.. الهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول لم يكن ليحدث بدون النظام الإيراني”.
وفيما يخص الجوانب الشخصية أيضا فالطرفين ليسا في أفضل حالاتهما، فترمب يترقب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس التي قد تذهب بالأغلبية التي يملكها حزبه في مجلسي الشيوخ والنواب وهو ما سيضعفه كثيرا في النصف الثاني من ولايته.
وبالنسبة لميرتس، فالخلاف مع الحليف الأكبر يأتي في وقت عصيب حيث انخفضت نسبة التأييد الشعبي التي يحظى بها إلى 15% فقط، وسط حالة من التوتر بين حزبه، الديمقراطي المسيحي، والحزب الاشتراكي الديمقراطي بشكل خلافات حول الإصلاحات الداخلية.
وفي المقابل يواصل حزب البديل اليميني المتطرف تقدمه في استطلاعات الرأي، كما تنخفض توقعات النمو الاقتصادي بسبب تداعيات الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.

ليس ميرتس وحده
لكن ما تجب الإشارة إليه لإكمال الصورة، أن ميرتس لم يكن وحده الذي تعرض للتعامل الخشن من ترمب، رغم أن الأشهر الماضية شهدت العديد من الخطوات الألمانية نحو مزيد من التقارب ومنها تقدمها لتصبح ثاني أكبر مانح لأوكرانيا بعد واشنطن.
فقد امتدت انتقادات ترمب لحلفائه الغربيين لتطال رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيس الوزراء الإسباني ديفد سانشيز، إضافة إلى الأمين العام لحلف الناتو مارك روته.
بريت بروين، الذي كان مديرا للعلاقات الدولية في عهد إدارة الرئيس باراك أوباما، علق على ذلك معتبرا أن هجمات ترمب على هؤلاء القادة تأتي بنتائج عكسية عليه، لانه يباغتهم بهذه المواقف مثل الحرب ثم يطالبهم بالدعم عندما يتورط.
و في تصريح لموقع ذا هيل الأمريكي، قال بروين إنّه إذا كان ترمب سيطلب المساعدة من الحلفاء، فعليه أن يُتيح لهم “مقعدًا على طاولة المفاوضات”.
والمثير أن ميرتس ليس المستشار الألماني الأول الذي يستهدفه ترمب، فالأخير كان له خلاف شهير خلال ولايته الأولى مع المستشارة أنجيلا ميركل، التي نشرت في عام 2018 صورة لها وهي تحدق في ترامب خلال اجتماع مجموعة الدول السبع في ذلك العام.
وحسب موق ذا هيل، فقد كانت العلاقة بينهما متوترة حتى قبل توليه منصبه. وعندما اختيرت ميركل شخصية العام لمجلة تايم عام 2015، علّق ترامب على ذلك على مواقع التواصل قائلا: “لقد أخبرتكم أن مجلة تايم لن تختارني شخصية العام رغم أنني المرشح الأوفر حظاً. لقد اختاروا شخصاً يدمر ألمانيا”.
صورة لمستشارة ألمانيا السابقة أنجيلا ميركل وهي تحدق نحو ترامب خلال اجتماع مجموعة الدول السبع عام 2018
مراجعة طويلة الأمد
ورغم مؤشرات الخلاف الشخصي، إلا أن الأمر لا يمكن اختزاله في ذلك، حيث يشير أستاذ العلوم السياسية الدولية في جامعة برمنغهام البريطانية، مارك ويبر، إلى أن قرار سحب القوات كان جزءًا من مراجعة طويلة الأمد يجريها البنتاغون لوضع القوات الأمريكية عالميًا.
وأضاف لموقع “آيب يبر” البريطاني: “لا شك أن الانسحاب قد خُطط له بعناية في البنتاغون وبالتنسيق مع القيادات الأمريكية والألمانية المحلية. وستواصل القوات الأمريكية المتبقية أداء مهامها التي تُفيد الولايات المتحدة في انتشارها الأمامي. ولا تُبدي إدارة ترمب أي رغبة في تعريض هذه المهام للخطر”.
مع ذلك، فإن سحب أعداد كبيرة من القوات من قواعدها في أوروبا سيشكل ضربة قوية لقدرة الولايات المتحدة على بسط نفوذها في أجزاء واسعة من العالم، ويقوض مصالحها الاستراتيجية.
جدير بالذكر أن ترمب سبق أن دعا إلى تقليص الوجود العسكري في ألمانيا منذ ولايته الأولى، وحث أوروبا مرارا على تحمّل مسؤولية أمنها.
من جانبه، يعتقد رئيس حزب دافا الألماني تيفيك أوزكا أن الأمر يرجع في جزء منه إلى المنافسة الاقتصادية والقضايا التجارية، حيث يشير إلى أن ألمانيا دولة صناعية ذات صادرات قوية، وهو وضع ترى فيه واشنطن أحيانا إجحافا بحقوقها، خصوصا وأن الفوائض التجارية الألمانية مع الولايات المتحدة تمثل شوكة في خاصرة ترمب.
وردا على سؤال لقسم المقابلات بالجزيرة نت عما إذا كانت ألمانيا هي الشريك الأضعف في هذا التحالف، أكد أوزكا أنه من صميم مصالح الولايات المتحدة ألا تتخلى عن التحالف، مشيرا إلى أن الناتو يفيد الجانب الأمريكي كما يفيد أوروبا، والتخلي عنه سيضعف النفوذ الأمريكي بشكل كبير.
ما خيارات ألمانيا؟
هل ألمانيا جاهزة للقتال؟ يمثل هذا السؤال بؤرة جدل يتصاعد في ألمانيا منذ سنوات، وازداد صخبا في الأشهر الأخيرة..
وزير الدفاع بوريس بستوريوس كشف مؤخرا عن نسخة معدلة للاستراتيجية العسكرية الألمانية، تستهدف تقوية الجيش وزيادة عدد جنوده إلى نصف مليون، في ظل التحذير من خطر روسي محتمل في السنوات المقبلة.
وتنبني الاستراتيجية على ثلاثة محاور هي تعزيز القدرات الدفاعية والصمود، وتحقيق قفزة نوعية من ناحية امتلاك القدرات، إضافة إلى ضمان التفوق التكنولوجي.
بدورها، تشير صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إلى أن ألمانيا في ظل حكومة ميرتس كثفت إنفاقها العسكري وسرّعت وتيرة عمليات الشراء بهدف أن تصبح أكبر قوة عسكرية تقليدية في أوروبا بحلول عام 2029. كما أبرمت اتفاقية مع فرنسا لدعم المظلة النووية الأمريكية.
وقال محللون عسكريون إن برلين تسير بخطى ثابتة نحو تقليل اعتمادها على الحماية العسكرية الأمريكية، لكن الخلاف بين ميرتس وترمب كان بمثابة تذكير ضروري بمدى إلحاح هذا المسعى.
ونعود إلى مقابلة الجزيرة نت مع رئيس حزب دافا الألماني، حيث يعتقد تيفيك أوزكان، أن سحب أمريكا قواتها من ألمانيا سيكون بمثابة منعطف تاريخي – إذ سيتعين على ألمانيا، ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، أن تتعلم كيف تحمي نفسها.
ويضيف أنه على أوروبا أن تتقارب أكثر، وأن تراعي مصالح روسيا بشكل أكبر وتنظر إليها كشريك لا كعدو، كما أن عليها أن تتجه نحو تكثيف التعاون العسكري والاقتصادي مع تركيا.
من العداء إلى التحالف
التطورات المتلاحقة في الحاضر جعلتنا نفضل تأخير الجانب التاريخي إلى نهاية التقرير، لكنه يبقى مهما لتوضيح كيف تطورات علاقة الولايات المتحدة وألمانيا خلال العقود الماضية.
وفي الحقيقة يمكننا إجمال المحطات بين البلدين فيما يلي:
* العداء (1939–1945)
* خلال الحرب العالمية الثانية كانت ألمانيا النازية بقيادة أدولف هتلر في مواجهة مباشرة مع الحلفاء، ومنهم الولايات المتحدة.
* دخول أمريكا الحرب بعد هجوم بيرل هاربر أدى إلى تصعيد المواجهة العسكرية ضد ألمانيا.
* الهزيمة وإعادة التشكيل (1945–1949)
* استسلام ألمانيا عام 1945 وبداية الاحتلال الأمريكي لمناطق في ألمانيا.
* إطلاق خطة مارشال لدعم الاقتصاد الألماني ومنع الانهيار.
* تقسيم ألمانيا إلى شرقية وغربية في ظل التوتر مع الاتحاد السوفيتي.
* بداية التعاون (1949–1955)
* تأسيس ألمانيا الغربية كدولة “ديمقراطية” مدعومة من أمريكا.
* اعتبار ألمانيا الغربية حليفًا استراتيجيًا في مواجهة المعسكر الشرقي خلال الحرب الباردة.
* التحالف العسكري والسياسي (من 1955)
* انضمام ألمانيا الغربية إلى حلف الناتو، ما رسّخ الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة.
* استمرار الوجود العسكري الأمريكي على الأراضي الألمانية كجزء من الردع ضد الاتحاد السوفيتي.
* ما بعد الحرب الباردة (1990–حتى اليوم)
* دعم أمريكي لإعادة توحيد ألمانيا عام 1990.
* تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية تشمل الأمن، الاقتصاد، والتكنولوجيا، وتقود الغرب سياسيا واقتصاديا حيث تمثل أمريكا القوة العسكرية والسياسية وتمثل ألمانيا الثقل الاقتصادي الأوروبي.
* استمرار التعاون داخل الناتو مع بعض الخلافات السياسية أحيانًا، لكن ضمن إطار تحالف مستقر.
تاريخ طويل من التحالف والتعاون الوثيق، لكن بعد نحو 75 عاما يبدو أن المسيرة ربما تأخذ اتجاها آخر، فهل يمضي الأمر إلى منتهاه؟ وإذا حدث ذلك فمن المؤكد أن الأمر لن يقتصر على ألمانيا وإنما سيطال أوروبا كلها، وهو ما يحتاج موضوعا مستقلا نناقش فيه أثر هذه التطورات على القارة العجوز والسيناريوهات المحتملة في هذا الشأن.
المصدر: الجزيرة