يُعتقد أننا نتعامل يوميا مع عشرات الآلاف من الأفكار: الكبيرة والصغيرة، العاجلة والعادية، وهذه هي فقط الأفكار التي ندركها، أما في الخلفية، في اللاوعي، يواصل الدماغ تصفية سيل من المحفزات: الضوضاء المحيطة والفوضى على مكاتبنا، بل وحتى مجرد وجود هواتفنا، بحسب تقرير لموقع “غارديان” البريطاني.
وفي كل ثانية، يتعرض الدماغ لنحو 11 مليون معلومة، يمر منها 0.0004% إلى عقلنا الواعي، مما يظهر مدى الجهد الذي يبذله الدماغ لتحليلها واختيار ما له علاقة ويستحق أن نهتم به. لذا لا عجب أن نشعر بالتشتت وعدم التركيز.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
فقدرات أدمغتنا على معالجة المعلومات وتحليلها، رغم قدراتها الهائلة، لا تواكب سرعة إيقاع العالم الحديث، والتنبيهات المستمرة التي تصدر عن أجهزتنا ومصادر التشتت الأخرى؛ مما يشعر الكثير منا بالإرهاق ويعانون من أجل التركيز على ما يجب أن ينجز.
لكن كتابا جديدا، بحسب “غارديان”، يقول إن القيام بذلك ربما يكون أسهل مما نعتقد. ويوضح الخبيران الهولنديان مارك تيغلار وأوسكار دي بوس في كتابهما “التركيز.. تشغيل وإيقاف”، أنه يمكننا تحسين قدراتنا على الانتباه من خلال فهم أدمغتنا بشكل أفضل، وأن نتعلم كيفية التعامل مع “التسريبات” الشائعة المتعلقة بالتركيز.

ونقل التقرير عن دي بوس، مدير شركة فوكس أكاديمي للتدريب، أننا نفضل إلقاء اللوم على عدم التركيز، لكنه أوضح أنه يمكننا حل الكثير من الصعوبات الشائعة بأنفسنا.
وفيما يلي الأخطاء الشائعة التي نقع فيها جميعا عندما يتعلق الأمر بالتركيز، وكيف يمكن أن نتعامل بشكل أفضل مع عقولنا.
الخرافة: التركيز أمر صعب
يوضح بوس أن الكثير منا لا يجد صعوبة في التركيز على الأمور التي نهتم بها. أما ما نعتبره “تشتتا”، فما هو إلا تعبير عن أن أدمغتنا تعطي الأولوية لما تراه أهم في تلك اللحظة عن أمور أخرى. على سبيل المثال، ربما تصل إلى نتيجة أن إمضاء الوقت وأنت تطالع إنستغرام لم يكن الاستخدام الأفضل للوقت، لكن دماغك لم يجد صعوبة في الاستجابة لرغبتك في فتح التطبيق والاستمتاع بمشاهدة صور أصدقائك أو حتى قطط الغرباء.
ويقول دي بوس إن هذا يوضح أن التركيز ليس أمرا صعبا، ولكن المشكلة أننا نحاول مقاومة أدمغتنا، ونحملها المسؤولية لأنها تقوم بما صممت من أجل القيام به، مضيفا أننا عادة ما نقلل من مدى الجهد الذي تبذله أدمغتنا في استيعاب كل ما حولنا ثم تنظيمه. فعلى سبيل المثال، يوضح دي بوس: “إذا كنت في حفل تتحدث مع أحد الأشخاص، ثم سمعت أحدا يذكر اسمك فجأة، فستشعر بالتشتت دون وعي”. ويشرح ما حدث قائلا إن كل الكلمات التي حولك كانت تدخل أذنك، وتتم معالجتها داخل دماغك، وفجأة يقرر دماغك: “انتظر، هذا مهم – دعنا نحول انتباهنا”.
وبدلا من محاولة مقاومة الميل العقلي للتنقل بين الأفكار، يمكننا تعلم إدارته. فعلى سبيل المثال، إذا وجدت أن العمل المكلف به ممل، اجعله أكثر إثارة للاهتمام. وإذا كانت بيئة العمل بها الكثير من الأمور التي تشتت الانتباه، انتقل إلى مكان أكثر هدوءا. إذا كان ذهنك مشغولا، يمكنك تفريغ مساحة من خلال تدوين أفكارك. إذا كنت مرهقا، امنح دماغك استراحة.

الخرافة: وقف التنبيهات للتركيز
يعمد الكثير منا إلى وقف التنبيهات للحد من المقاطعات التي تتسبب فيها هواتفنا، لكن وجود الهواتف أمامنا هو في حد ذاته يستنزف تركيزنا بشكل غير ملموس. ووجدت دراسة لجامعة تكساس عام 2017 أن أداء المشاركين في المهام المعرفية المعقدة كان أفضل عندما كانت هواتفهم في غرفة أخرى، مقارنة بأدائهم في وجود أجهزتهم أمامهم أو في جيوبهم وحقائبهم.
ووجدت الدراسة أن مجرد وجود الهاتف يؤثر بالسلب على الذاكرة العاملة المتاحة والذكاء الوظيفي السائل (المتعلق بالقدرة على حل المشاكل والتفكير المنطقي)، حتى بين الأشخاص الذين لا يواجهون صعوبة في التركيز.
وينصح دي بوس بوضع الهاتف في مكان آخر أو إيقاف تشغيله عند الحاجة إلى إنجاز عمل يحتاج تركيزا، كما أن الحفاظ على نظافة مكتبك وإخلائه من الأشياء غير الضرورية بل وحتى تقليل صفحات الإنترنت المفتوحة يمكن أن تعزز من القدرة المعرفية للشخص.
الخرافة: يجب أن نسعى لحالة “التدفق”
على عكس تقلب حالات الذهن، هناك حالة “التدفق”، عندما نندمج فيما نقوم به بتركيز تام وانتباه لدرجة اننا لا نشعر بمرور الوقت.
ويقول دي بوس إنه أمر جيد أن تصل إلى هذه الحالة، لكنه يوضح أنه ليس من الواقعية أن تسعى إلى ذلك دائما. فالوصول إلى “حالة التدفق” يعتمد على توازن دقيق بين التحدي والمهارة، إذ يجب أن تكون المهمة صعبة بما يكفي لتصبح مستغرقا فيها، وفي نفس الوقت قابلة للإنجاز. وعادة يستغرق الأمر ما بين 10 إلى 15 دقيقة من العمل المتواصل دون انقطاع حتى يبدأ الدخول في حالة “التدفق”. لذا فمن غير المرجح أن يدخل المرء في حالة “التدفق” بينما يتصفح رسائل البريد الإلكتروني.
ويقول دي بوس إننا اعتدنا على التنقل بين المهام بسرعة، لذا أصبح الأمر شبه مستحيل بالنسبة للشخص العادي في الوقت الحاضر الدخول في “حالة التدفق”، وينصح بالتوقف عن السعي لتحقيق ذلك عندما لا تكون هناك فرصة. ويمكنك بدلا من ذلك، تحديد هدف أقل صعوبة: “التركيز لبضع ثوان فقط عند القيام بنفس الشيء”.

الخرافة: إنها مجرد رسالة بريد إلكتروني سريعة
“التنقل بين المهام” هو أكثر ما يشتت تركيزنا، وأحيانا ما يفرض علينا هذا التنقل لأمور لا علاقة لنا بها، مثل سؤال من زميل أو رنة هاتف، أو أمر داخلي، مثل أن تخطر فكرة ببالنا فننفذها فورا دون تفكير تقريبا. وربما تقول لنفسك: “لن يستغرق الأمر سوى ثانية واحدة”، ولكن في كل مرة تنتقل فيها إلى مهمة جديدة، يبقى جزء من دماغك معلقا بما كنت تفعله للتو، مما يشتت انتباهك ويبطئك ويقلل فعاليتك.
فعلى سبيل المثال، يحدث تراجع مؤقت في مستوى الذكاء عند فحص الهاتف أو البريد الإلكتروني قد يستمر لدقيقة واحدة على الأقل، وإذا كانت المهمة الأصلية أو الأمر الذي قمت به أكثر تعقيدا، قد تستغرق فترة التعافي وقتا أطول. لذا من الأفضل تقليل عمليات التنقل بين المهام من أجل تحسين تركيزك.
وينصح دي بوس بعدم مراجعة بريدك الإلكتروني قبل أو أثناء الاجتماعات على سبيل المثال، وإغلاقه أثناء القيام بأعمال معقدة وعدم بدء مهام لا تملك وقتا كافيا لإنجازها. ويمكنك توزيع المهام والمشاريع على الأيام وربما الأسابيع، إذ يتيح هذا الأمر الفرصة للدماغ على أن يصبح أقوى مما يجعل التركيز أسهل.
وإذا شعرت برغبة مفاجئة في مراجعة هاتفك أو بريدك الإلكتروني، انتظر خمس دقائق، من أجل التدريب على زيادة مدى الانتباه.

الخرافة: إنجاز الأمور يتطلب هدوءا
ربما يعتقد البعض أننا بحاجة إلى هدوء تام من أجل التركيز، لكن “أحيانا لا تكون هناك محفزات كافية”، كما يقول دي بوس. وعندما تكون المهمة المطلوب إنجازها مملة أو سهلة، يصبح كل شيء آخر أكثر إثارة للدماغ، ويبدأ في التفكير في أمر آخر.
وينصح دي بوس بزيادة مستوى التحدي الذهني، فإذا كنت تبذل مجهودا كبيرا لقراءة وثيقة معقدة بينما يناقش الزملاء برنامجا تلفزيونيا، حاول أن تزيد من سرعة القراءة. وربما يساعدك الاستماع إلى موسيقى تعرفها (ومن غير المرجح أن تشتتك) على الاندماج مع عمل لا تجده مثيرا. يمكن للاستراتيجيتين السابقتين أن يساعدا الدماغ على العمل بشكل أقوى والتركيز بشكل أكثر فعالية على المهمة التي تقوم بها. ويقول دي بوس: “تحدى نفسك، خاصة إذا كانت المهمة عملا تقوم به كل يوم، حاول أن تصبح أسرع أو أن تجعل المهمة أصعب”.
الخرافة: الانتصارات السهلة
قد يكون من المغري إضافة إنجازات سهلة إلى قائمة المهام من أجل تحفيز نفسك على القيام بالمزيد، لكن دي بوس يحذر من هذا الأمر قائلا إن هذا الأمر ربما ينجح مع أشخاص، مثل المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، الذين يواجهون صعوبة في ترتيب الأولويات وتنظيم المهام. لكن هذه الانتصارات السهلة، بحسب دي بوس، قد تعمل ضدك من خلال استنزاف القدرات الذهنية المحدودة، مفضلا التعامل مع العمل الأهم أولا. إذ يتعب الدماغ من الجهد خلال اليوم، مما يقلل الفاعلية. وأظهرت دراسة أجراها باحثون في معهد باريس للدماغ عام 2022، أنه أثناء انشغالنا في عمل يتطلب تركيزا شديدا، يتراكم “الغلوتامات”، وهو حمض أميني وناقل عصبي، تدريجيا في منطقة من القشرة الجبهية الأمامية، مما يعيق الأداء الوظيفي.
ويقول دي بوس إن فترات الراحة القصيرة لا تزيل تراكم “الغلوتامات” بسهولة، بل يحتاج الدماغ إلى نوم جيد خلال الليل ليشعر بالانتعاش الكامل، مما يعني أنه ينبغي مراعاة أن لديك كمًّا معينا من التركيز يوميا. لذا من المنطقي الاستفادة من هذا الكم والبدء بالأهم أولا، إذ لا تعرف كم التركيز الذي سيتبقى لك في النصف الثاني من اليوم.

الخرافة: متابعة منصات التواصل الاجتماعي خلال الاستراحات فقط
إن الفصل بين الأنشطة الذهنية المرهقة، وأخذ استراحات بين العمل يساعدان على تنظيم مستويات “الغلوتامات”، لكن ما نقوم به خلال هذه الاستراحات مهم أيضا. إذ قد يكون تصفح منصات التواصل الاجتماعي والقراءة والعديد من الأنشطة الأخرى التي نعتبرها ممتعة أو منعشة أقل إجهادا من العمل، لكنها تتضمن استقبال معلومات جديدة، ويوضح دي بوس إن الدماغ في هذه الحالة لا يعيد شحن طاقته، وبدون إتاحة الفرصة أمام الدماغ للتوقف و”عدم القيام بأي شيء” تقريبا، يمكن أن يؤدي تراكم “الغلوتامات” إلى التوتر ومشاكل في النوم وربما الاحتراق النفسي.
ومن بين أكثر الأمور التي تعيد النشاط للدماغ، هي تلك التي تتطلب القليل جدا، مثل المشي أو التنظيف أو حتى التحديق من النافذة، بل أن مشاهدة برنامج تلفزيوني سبق لك مشاهدته أفضل من مشاهدة برنامج جديد، وبالتأكيد لا يتطلب عمل الدماغ مثل مطالعة منصات التواصل الاجتماعي. ويوضح دي بوس أن مثل هذه الأمور تمنح الدماغ الفرصة للتعافي والوقت اللازم “لتنظيف” ذكريات اليوم.
الخرافة: توزيع المهام على ساعات محددة مسبقا
يؤمن الكثير من خبراء الإنتاجية بالفائدة الكبيرة لتخطيط اليوم ساعة بساعة وتخصيص ساعات أو دقائق لإنجاز مهمة أو نشاط ما. ويقول دي بوس إن الأمر سيكون رائعا لو ناسبتك هذه الطريقة، لكنه ينصح بألا تستخدم أيضا قائمة للمهام، حتى لا يحدث تضارب بين الطريقتين، وحتى لا تقضي وقتا أطول في إدارة الإنتاجية أكثر من أن تكون منتجا بالفعل.
ويضيف دي بوس أنه بالنسبة للكثير من الناس، يمثل تقسيم الوقت أمرا مزعجا، وأحيانا ما يكون ضد الإنتاجية، نظرا لأنه يعتمد على القدرة لتوقع الوقت اللازم لإنجاز مهمة ما، وغالبا ما لا ننجح في ذلك. ويوضح: “نحن نبالغ في تقدير ما يمكننا فعله في يوم، ونقلل من تقدير ما يمكننا فعله في ساعة”.
ويقول دي بوس إن قدراتنا المحدودة على التركيز تعني أن هناك حدا لعدد المهام أو المسؤوليات التي يمكننا قبولها.

الخرافة: استبدال الاجتماعات برسائل البريد الإلكتروني
يقول دي بوس إنه في الوقت الذي لا يحب فيه أحد الاجتماعات، لا يساعد التوجه لتقصير مدتها أو استبدالها برسائل البريد الإلكتروني على تحسين قدرتنا على التركيز. إذ يتطلب الأمر ما لا يقل عن 10 دقائق للتفاعل الحقيقي مع أمر ما، مما يعني أن العديد من الاجتماعات القصيرة تنتهي بمجرد أن تبدأ، مما يؤدي إلى عقد المزيد من الاجتماعات. لكن التعامل مع رسائل البريد الإلكتروني وإرسالها والرد عليها يمثل استنزافا أكبر لقدرتنا على التركيز، ويضيف: “إذا كان الأمر مهما، أفضل أن يكون الاجتماع جيدا وطويلا وينته الأمر”.
لكنه يشير إلى أننا أصبحنا نبالغ في التواصل، ليس فقط على حساب وقتنا بل وقت الآخرين أيضا، ويقول: “لم يعد هناك وقت للعمل، فقط البريد الإلكتروني”.
وينصح دي بوس بأن يكون المرء ذكيا في تعامله وأن يتريث عند التواصل مع الآخرين، وألا يستخدم الزملاء كأداة للتذكير وتسجيل المعلومات، ويقول “إذا كنت ترسل الكثير من رسائل البريد الإلكتروني، فأنت جزء من المشكلة”.
الخرافة: لا يمكننا التغلب على شركات التكنولوجيا الكبرى
يبدو دي بوس متفائلا رغم سيطرة شركات التكنولوجيا الكبرى والتقارير عن الإدمان الرقمي وما تسبب فيه من تقليل فترات الانتباه. ويقول إن الوقت قد حان لاتخاذ بعض القرارات، فبدلا من إغلاق هاتفك ووضعه في الدرج، أسأل نفسك: كيف ستمضي الوقت الذي كنت ستقضيه في التصفح بلا هدف؟ ربما تكمن الصعوبة التي تواجهها في التركيز في أنك تطالب نفسك بالكثير، وكما يقول دي بوس: “نصاب بالتوتر الشديد خشية ألا نكون منتجين”، لكن أدمغتنا بحاجة إلى أوقات للراحة والتعافي، كما أجسامنا تماما.
المصدر: الجزيرة