أوروبا في مواجهة ستارلينك.. هل تنجح مساعيها في غزو الإنترنت الفضائي؟

سرعت أوروبا في الآونة الأخيرة من جهودها للخروج من عباءة التقنيات الأمريكية وتحقيق السيادة الوطنية على المنتجات التقنية التي تستخدمها بدءا من تقنيات الذكاء الاصطناعي وحتى التطبيقات وأنظمة تشغيل الحواسيب، ومن بين هذه المساعي، يأتي طموحها لتقديم شبكة اتصال بالإنترنت تنافس ستارلينك .

ولكن، لن تبدأ خطة أوروبا لتقديم الشبكة الجديدة التابعة لشركة وان ويب حتى عام 2029 مع خطط لاكتمالها في عام 2032، وذلك رغم أنها بدأت في إطلاق أقمارها الصناعية منخفضة المدار مؤخرا.

وتأتي شركة وان ويب كشركة فرعية تابعة لشركة الأقمار الصناعية الأوروبية يوتلسات التي استحوذت عليها في عام 2023 بصفقة وصلت قيمتها إلى 3.4 مليارات دولار وفق تقرير وكالة سي إن بي سي الأمريكية.

وأفاد التقرير أن الهدف الرئيسي من صفقة الاستحواذ هو منافسة شركة سبيس إكس المسؤولة عن خدمات ستارلينك والمملوكة لرجل الأعمال الأمريكي إيلون ماسك.

وتجدر الإشارة إلى أن سبيس إكس دخلت البورصة الأمريكية مؤخرا في طرح أيقوني رفع قيمتها الكلية بما يتجاوز 1.8 تريليون دولار متخطية بذلك شركات مثل تي إس إم سي التايوانية لصناعة الشرائح و أرامكو السعودية وحتى ميتا وشركة إيلون ماسك الأخرى تسلا ، وفق تقرير منفصل من صحيفة نيويورك تايمز .

Illustration concept of a fleet of Internet Starlink satellites in orbit above planet Earth. A line of communication satellites with the sun in the horizon.
تملك شركة ستارلينك حاليا نحو 10 آلاف قمر صناعي منخفض المدار (شترستوك)

وتضم شبكة ستارلينك نحو 10 آلاف قمر صناعي منخفض المدار، مما يجعلها قادرة على تقديم خدماتها وتغطيتها لأماكن مختلفة حول العالم، وذلك في مواجهة نحو 560 قمرا صناعيا تملكها شركة وان ويب الأوروبية مما يزيد صعوبة مهمتها في تقويض سيطرة سبيس إكس على السوق الأوروبية.

الخوف من سيطرة رجل واحد

تكشف المقابلة التي أجراها الرئيس التنفيذي لشركة يوتلسات جان فرانسوا فالاشيه مع صحيفة صنداي تايمز البريطانية عن المخاوف الأوروبية من سيطرة إيلون ماسك على شبكة ستارلينك بمفرده، فضلا عن حجم هذه السيطرة.

إعلان

وساهمت تعليقات ماسك في مطلع العام الماضي بزيادة حجم هذه المخاوف، إذ قال إن خط الدفاع الأمامي لأوكرانيا سينهار إذا قرر إغلاق ستارلينك ، حسب التقرير.

View of the installations and antennas by company Eutelsat Oneweb on the sidelines of a visit by the President of the European Commission, Greenland's head of government and Denmark's Prime Minister in Nuuk, Greenland, on September 7, 2026. (Photo by Mads Claus Rasmussen / Ritzau Scanpix / AFP) / DENMARK OUT
مجموعة أقمار شركة يوتلسات ستصل إلى نحو 1300 قمر بحلول عام 2034 (الفرنسية)

وأشار فالاشيه أيضا إلى المخاوف من قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب التي قد تمنع ستارلينك في أي وقت من الأوقات من تقديم خدماتها إلى الهيئات الخارجية، وذلك مثلما حدث مع شركة أنثروبيك الأمريكية للذكاء الاصطناعي، عندما قررت الحكومة أن تحظر طرح نموذجها الأكثر تقدما فابل 5 آنذاك للمستخدمين خارج الولايات المتحدة.

وفي حالة ستارلينك ، فإن منع الحكومات والكيانات الخارجية من الوصول إلى خدماتها يعني فقدان اتصالها بالإنترنت تماما، وهو ما يحمل خطورة كبيرة في العصر الحديث.

البيع للحكومات بدلا من الجماهير

وعلى عكس ستارلينك، فإن شبكة وان ويب تهدف في المقام الأول لبيع خدماتها إلى الحكومات الأوروبية، لذلك لن تحتاج إلى عدد كبير من الأقمار الصناعية منخفضة المدار مثل ستارلينك التي تقدم خدماتها بشكل تجاري لأي شخص في الأماكن المدعومة، وفق تقرير موقع إنغادجيت التقني الأمريكي.

وأوضح التقرير أن الهدف الرئيسي هو استخدام الشبكة في اللحظات الحرجة أو أثناء الأزمات التي تعطل شبكات الاتصال التقليدية، وهو ما يضمن لشبكة وان ويب عددا مستقرا من العملاء والعقود طويلة الأجل.

FILE PHOTO: Elon Musk, CEO of Tesla and SpaceX, gestures as he attends the Viva Technology conference dedicated to innovation and startups at the Porte de Versailles exhibition centre in Paris, France, June 16, 2023. REUTERS/Gonzalo Fuentes/File Photo
تصريحات إيلون ماسك في العام الماضي حول اعتماد أوكرانيا على شبكات ستار لينك أثارت المخاوف الأوروبية (رويترز)

كما يتيح لها هذا الاستهداف الاعتماد على عدد أقل من الأقمار الصناعية منخفضة المدار، وذلك دون التضحية بالتقنية المستخدمة في صناعة هذه الأقمار.

وأفاد تقرير إنغادجيت بأن الشركة تسعى لإطلاق مجموعة جديدة من الأقمار الصناعية قريبا تحت اسم آيرس-2 لتقدم شبكة اتصال حديثة ومتوافقة مع أحدث المعايير العالمية وهي تضم نحو 440 قمرا صناعيا، ثم تنوي إطلاق 229 قمرا آخر بحلول عام 2034 ليصل بذلك إجمالي الأقمار الصناعية في الشبكة إلى نحو 1319 قمرا صناعيا منخفض المدار.

اشتعال المنافسة في مدار الأرض المنخفض

ويشهد مدار الأرض المنخفض في الآونة الأخيرة اشتعال المنافسة بين الشركات التي تقدم خدمات الإنترنت الفضائي، فإلى جانب وان ويب تسعى أمازون الأمريكية للدخول في القطاع ذاته.

وتخطط أمازون لإطلاق نحو 5 آلاف قمر صناعي منخفض المدار ضمن مشروع كايبر الخاص بها والذي يقدم شبكة إنترنت فضائي تجارية تنافس ستارلينك حسب تقرير صنداي تايمز .

ورغم أن الهدف الرئيسي لشركة وان ويب حاليا هو تقديم الخدمة للشركات والحكومات المختلفة حول العالم، إلا أنها تدرس أيضا تقديم الخدمة بشكل تجاري في المستقبل القريب، حسب التقرير.

LONDON, ENGLAND - SEPTEMBER 10: A display for Amazon's "Kuiper" low Earth orbit satellite broadband network is seen on day two of the Defence and Security Equipment International (DSEI) on September 10, 2025 in London, England. The DSEI hosts defence equipment manufacturers from around the world at a 4-day exhibition in London. During the event, anti-war protesters gathered outside the perimeter, in the hope of disrupting proceedings. (Photo by Leon Neal/Getty Images)
أمازون تنوي منافسة ستارلينك عبر مشروع كايبر الخاص بها  (غيتي)

وأفاد فالاشيه أن مثل هذه الخطوة لن تأتي بالاعتماد على شبكات الأقمار الصناعية المتاحة حاليا، وستحتاج الشركة للانتقال إلى أجيال أحدث وهو ما سيحدث بعد عام 2030.

ويتوقع أيضا أن يتضاعف حجم سوق شبكات الإنترنت الفضائي خمس مرات بحلول عام 2033، وهو ما سيجعل الدخول إلى القطاع مغريا لكافة الشركات.

هل تنجح أوروبا في منافسة ستارلينك؟

تمتع خدمات ستارلينك بمجموعة من المزايا التي ساهمت في سيطرتها على سوق شبكات الإنترنت منخفضة المدار، بما فيها الدعم السريع والانتشار الواسع حول العالم، فضلا عن أسعار الخدمات التي تقدمها.

إعلان

ورغم وجود العديد من الحكومات والشركات التي تعتمد على خدمات ستارلينك، إلا أنها ليست خدمة مصممة لها من البداية، وهو الأمر الذي تراهن عليه وان ويب .

فعبر التركيز على عدد أقل من العملاء متمثلا في الشركات والحكومات الأوروبية، ستتمكن وان ويب من تقديم خدمات ذات جودة مرتفعة، فضلا عن توفير اتصال أكثر سرعة واستقرارا بفضل عدد المستخدمين المنخفض.

ولكن في الوقت الحالي، ما تزال وان ويب بعيدة عن منافسة ستارلينك ، وستحتاج لتقديم باقات مناسبة للأفراد إن قررت الدخول لقطاع إنترنت المستهلكين.

ويعود السبب وراء ذلك إلى سعر الباقات التي تقدمها وان ويب حاليا مقارنة مع ستارلينك ، إذ يتجاوز سعرها ألف دولار شهريا مع وجود كلفة مبدئية تصل إلى 10 آلاف دولار، مقارنة مع ستارلينك التي تقدم باقة شهرية بكلفة 110 دولارات وكلفة أولية تصل إلى 600 دولار تقريبا، وفق تقرير موقع أوربيتال رادار المختص بخدمات الإنترنت الفضائي.

لذلك أمام وان ويب منافسة شرسة إن كانت تفكر في الدخول إلى قطاع المستخدمين، وهو الأمر الذي أقره فالاشيه في بداية حديثه مع صنداي تايمز .

 

المصدر: الجزيرة