شوارع مغلقة وتعليم عن بعد ومحاكم معلقة، إجراءات مشددة حوّلت العاصمة الباكستانية إسلام آباد إلى “قلعة محصنة” تترقب بشيء من الحذر والقلق انطلاق جولة ثانية من مفاوضات “الفرصة الأخيرة” بين واشنطن وطهران.
فخلف الأسوار الخرسانية للمنطقة الحمراء، وبالتوازي مع شلل شبه تام في مفاصل الحياة اليومية من تعليم وقضاء، تُسابق باكستان الزمن لتوفير بيئة أمنية استثنائية لحوار محفوف بالمخاطر، في مشهد يوحي بأن ما سيجري خلف الأبواب المغلقة لفندق “سيرينا” قد يرسم ملامح الشرق الأوسط الجديد، أو يعلن رسميا فشل لغة التفاوض أمام صوت القنابل.
استنفار أمني لتأمين منطقة التفاوض
شهدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد منذ ساعات الصباح الأولى ليوم الأحد تشديدا أمنيا غير مسبوق، إذ تحوّلت الشوارع الرئيسية والمناطق المحيطة بالمقار الدبلوماسية إلى ما يشبه “الثكنة العسكرية”.
وأفاد مراسلون ميدانيون لوكالة الصحافة الفرنسية بانتشار مكثف لحراس مسلحين وإقامة نقاط تفتيش حديدية وبالسواتر بالقرب من فندقي “ماريوت” و”سيرينا”، اللذين يُعدان أكثر الفنادق تحصينا في العاصمة ومن المتوقع أن يستضيفا الوفود الأجنبية.
ورغم غياب الإعلان الرسمي المسبق عن تفاصيل الجولة، فإن القيود المفروضة على حركة المرور وانتشار القوات الخاصة في التقاطعات الحيوية يعكس حجم الحساسية الأمنية لهذه الجولة الثانية. وقد وجهت السلطات المحلية نداءات عبر منصات التواصل الاجتماعي تطالب فيها المواطنين بضرورة التعاون الجدي مع الأجهزة الأمنية لتسهيل تحركات الوفود الأجنبية وضمان سلامة المنطقة.
عزل المنطقة الحمراء وخرائط مرور بديلة
في إجراء لوجيستي استثنائي، أعلنت شرطة مرور إسلام آباد إغلاق المنطقة الحمراء بالكامل أمام جميع أنواع المركبات. ويشمل هذا الإغلاق الشريان الحيوي المتمثل في الطريق السريع، الذي سيظل مغلقا أمام حركة السير، مع احتمال تعليق الحركة بشكل متقطع على طريق رئيسي آخر تبعا لتحركات الوفود.
ولم تقتصر الإجراءات على السيارات الصغيرة، بل شملت منعا تاما لمرور جميع المركبات الثقيلة المتجهة إلى العاصمة، مع توجيه تعليمات صارمة لسائقي الشاحنات بتجنب السفر باتجاه إسلام آباد طوال فترة المفاوضات. ولتجنب الشلل المروري، حددت السلطات طرقا بديلة لسكان قطاعات من العاصمة في محاولة لموازنة المتطلبات الأمنية مع احتياجات السكان اليومية.

تنسيق سياسي رفيع المستوى
على الصعيد الرسمي، استقبل رئيس الوزراء محمد شهباز شريف وزير الداخلية الاتحادي محسن نقوي، وخلال اللقاء، أطلع الوزير رئيس الوزراء على الوضع الأمني الراهن والترتيبات اللوجيستية المتخذة لاستضافة المفاوضات، بالإضافة إلى تقديم إيجاز حول الجولات الأخيرة والوضع الميداني في العاصمة. ويعكس التنسيق المباشر بين رأس السلطة التنفيذية والمسؤول عن الملف الأمني الأهمية القصوى التي توليها باكستان لنجاح هذه الجولة من المفاوضات.

عمليات تمشيط واعتقالات استباقية
بالتوازي مع الإجراءات المرورية، نفذت شرطة إقليم العاصمة إسلام آباد عمليات تمشيط مشتركة واسعة النطاق لضمان خلو المدينة من أي تهديدات أمنية. وأسفرت هذه العمليات عن احتجاز 85 مشتبها بهم ونقل 47 دراجة نارية إلى مراكز الشرطة للتحقق من هويات أصحابها. وأكدت الشرطة إنشاء نقاط تفتيش خاصة عند مداخل ومخارج المدينة لضمان مراقبة فعالة لكل من يدخل أو يخرج من محيط العاصمة.
دراسة عن بعد وتعليق جلسات المحكمة
لم تكن المؤسسات التعليمية والقضائية بمعزل عن هذه الإجراءات، فقد أعلنت “جامعة قائد أعظم”، وهي كبرى جامعات العاصمة، عن تحويل جميع المحاضرات إلى نظام “التعلم عبر الإنترنت” اعتبارا من اليوم الاثنين 20 أبريل/نيسان وحتى الخميس 23 من الشهر نفسه، نظرا للقيود المفروضة على حركة الشخصيات المهمة. كما تقرر تأجيل كافة الامتحانات المقررة خلال هذه الفترة إلى موعد يُحدد لاحقا.
وفي سياق متصل، اتخذت المحكمة الدستورية الاتحادية قرارا بتعليق جلساتها المقررة اليوم الاثنين 20 أبريل/نيسان بسبب المخاوف والقيود الأمنية المفروضة في المنطقة الحمراء. ودعت المحكمة المحامين والمتقاضين إلى تجنب الحضور للمقر الرئيسي في إسلام آباد، مؤكدة أن سلامة المتقاضين وضمانات الأمن القومي تقتضي هذا الإغلاق المؤقت.

خدمات مؤقتة وانقطاعات مجدولة للكهرباء
من الناحية الخدمية، أعلنت شرطة المرور عن جدول عمل خاص لسيارات “التسهيل” والمراكز المتنقلة خلال الفترة ما بين 20-26 أبريل/نيسان لتقديم الخدمات للمواطنين في مواقع محددة بعيدا عن مناطق الحظر.
أما على صعيد البنية التحتية، فقد أصدرت شركة إسلام آباد لتوزيع الكهرباء (إيسيسكو) جدولا مؤقتا لانقطاع التيار الكهربائي في إسلام آباد تزامنا مع يوم الاثنين. وبررت الشركة هذا الإجراء بتنفيذ أعمال صيانة دورية ضرورية.
العيون صوب إسلام آباد
تأتي هذه الاستعدادات الضخمة بعد جولة أولى وُصفت بـ”المعقدة” في فندق سيرينا، حيث جرت المحادثات في أجنحة منفصلة ومنطقة مشتركة للوسطاء الباكستانيين، ومع وجود ملفات ثقيلة على القائمة مثل مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والعقوبات، تبقى كل السيناريوهات مفتوحة أمام الجولة الثانية من المفاوضات.
المصدر: الجزيرة