أصبحنا في العقد الأخير أكثر انشغالا بكميات السكر التي نتناولها، نحاول تجنبه أو استبداله ببدائل “صحية”، ومع ذلك يتسلل إلى أطعمتنا من دون أن ننتبه، فيما تظل بعض الأطعمة الغنية به على قائمة رغباتنا لا نستطيع مقاومتها، فنحاول تناولها بحذر وألا نتجاوز حدا معينا خلال اليوم.
هنا يبرز سؤال عملي: إذا لم يكن من السكر بد، فهل من الأفضل أن نتناوله ضمن الطعام، أم في شكل مشروبات وعصائر؟ وهل ثمة فرق حقيقي بينهما؟
اقرأ أيضا
list of 4 items
end of list
ما الذي يفعله السكر بدماغنا.. ولماذا لا نقاومه؟
يمتص الجسم السكر الطبيعي -مثل الموجود في الفاكهة- ببطء نسبيا بفضل الألياف والعناصر الغذائية المصاحبة له، مما يمنع الارتفاع الحاد في سكر الدم. في المقابل، لا يقدم السكر المضاف أي قيمة غذائية تذكر، ويتسبب في ارتفاع سريع في سكر الدم.
ورغبتنا المتكررة في تناول السكر لا تتعلق بالطعم فقط، فالسكر ينشط نظام المكافأة والتحفيز في الدماغ، ويرفع مستوى “الدوبامين” حتى قبل أن يصل إلى المعدة، فيزيد التوقع والمتعة اللحظية، ويدفعنا إلى تكرار السلوك وتناول المزيد، لتتحول الأطعمة عالية السكر إلى أطعمة مفضلة يصعب الاستغناء عنها.
وبينما توصي منظمة الصحة العالمية بألا يتجاوز استهلاك الفرد 50 غراما من السكر يوميا، يتجاوز الأفراد حول العالم هذا المعدل إلى نحو 90 غراما في المتوسط.

أيهما أسوأ: السكر في الطعام أم في المشروبات؟
من حيث المبدأ، يبقى تقليل كمية السكر اليومية هو الأهم. لكن عند المقارنة، يميل الخبراء إلى اعتبار تناول السكر في الطعام أقل ضررا من استهلاكه في شكل سوائل محلاة.
في دراسة نشرتها مجلة “إنترناشيونال جورنال أوف أوبيسيتي” (International Journal of Obesity)، تناولت مجموعتان من الأشخاص القدر نفسه من السكر، إحداهما في شكل طعام والأخرى في شكل مشروبات.
أظهرت النتائج أن من تناولوا 450 سعرة حرارية من الحلوى أكلوا أقل من المعتاد خلال اليوم، بينما أقبل من تناولوا القدر نفسه من السعرات في شكل مشروبات غازية على تناول طعام أكثر خلال اليوم.
كما تشير دراسة أخرى منشورة في مجلة “ذا لانست” (The Lancet) عام 2014 إلى أن السكر في المشروبات غالبا ما يكون مركزا، ويسهل استهلاكه بكميات كبيرة دون شعور حقيقي بالشبع، فنشرب المزيد من السعرات، ثم نتناول كمية الطعام نفسها تقريبا دون تعويض.

لماذا لا “يعترف” الجسم بالسعرات السائلة؟
المشكلة الأساسية أن الدماغ لا يتعامل مع السعرات الحرارية السائلة كما يتعامل مع السعرات في الطعام الصلب. فتناول تفاحة كاملة، مثلا، يمنح إحساسا أكبر بالشبع مقارنة بكوب من عصير التفاح يضم قدرا مشابها من السكر أو أكثر.
هذه السعرات السائلة تمتاز بأنها تمر دون انتباه، كثيرون لا يحسبون العصائر والمشروبات الغازية ضمن استهلاكهم اليومي، فتتراكم السعرات وتزيد فرص زيادة الوزن.
في المقابل، تستغرق عملية المضغ وقتا أطول، وهو ما يفسح المجال للجسم كي يرسل إشارات الشبع. تشير خبيرة التغذية الأمريكية كاثرين تالمادج إلى أن إشارات الشبع تعتمد على تمدد المعدة وإفراز الهرمونات، وعندها ترسل المعدة رسائل الشبع وينخفض هرمون الجوع. أما في حالة المشروبات المحلاة، فتُشرب سريعا، وتمر في الجهاز الهضمي بسرعة، فلا يحدث التمدد الكافي ولا تُمنح الهرمونات الوقت الكافي لإرسال رسالة “اكتفينا”.
لا ينطبق هذا الكلام على كل السوائل بالطبع، فالحديث هنا عن المشروبات المحلاة بالسكر المضاف، بينما يعد الحليب أو الحساء أكثر إشباعا، بفضل قوامه وقيمته الغذائية العالية.

أضرار المشروبات المحلاة.. تبدأ مبكرا
تأثير المشروبات المحلاة لا يقتصر على الوزن، فهي تحفز أيضا إفراز الدوبامين في الدماغ، فتزيد الرغبة في تناول المزيد من السكر، لكن من دون أي شعور حقيقي بالشبع. لذلك تعد من أبرز أسباب ثبات الوزن لدى من يتبعون حميات غذائية لإنقاصه، كما تشير دراسات نشرتها “ذا لانست” إلى دور كبير للمشروبات المحلاة في انتشار السمنة والأمراض المصاحبة لها.
وحتى إذا نجحنا في ضبط مجموع السعرات الحرارية اليومية، تبقى مشكلة الارتفاع السريع في سكر الدم، إذ تمتص الأمعاء السوائل المحلاة بسرعة لافتة، بسبب خلوها من الألياف التي تبطئ الامتصاص. وهذا الارتفاع الحاد في سكر الدم:
- يزيد من مقاومة الأنسولين.
- يرفع خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.
- يضغط على الكبد ويربك عمليات الأيض.
كما يرتبط الإفراط في المشروبات المحلاة بارتفاع ضغط الدم، واضطراب مستويات الدهون في الدم، وزيادة الدهون الحشوية -التي تحيط بالأعضاء الداخلية- وهي الأخطر صحيا. والمقلق أن هذه التأثيرات تبدأ في سن مبكرة لدى من يعتادون تناول هذه المشروبات منذ الطفولة أو المراهقة.
لكل ذلك، تعد المشروبات الغازية وغيرها من المشروبات المحلاة من أسوأ ما يمكن أن ندخله إلى أجسامنا. وإذا لم ننجح في التخلي عن السكر تماما، فغالبا ما يكون أخف ضررا أن نتناوله في حبة فاكهة أو قطعة حلوى نعي عدد سعراتها، بدلا من كوب من السكر السائل يمر من دون أن يشعر به الجسم أو يحسبه صاحبه.

إذا لم تستطع ترك السكر.. فاحذر شربه
من منظور تغذوي وسلوكي، يمكن تلخيص الفارق في نقطتين:
السكر في الطعام الصلب
- يهضم ببطء أكبر.
- يمنح إحساسا أعلى بالشبع.
- يسهل إدراك كميته وحسابه ضمن استهلاك اليوم.
السكر في المشروبات
- يُستهلك بسرعة وبكميات كبيرة.
- لا يُشبع، ولا تسجله أدمغتنا كـ”وجبة”.
- يرفع سكر الدم بسرعة، ويزيد خطر السمنة والسكري ومقاومة الأنسولين.
لذا، إذا كان لا مفر من السكر، فالأفضل أن يكون محسوبا، ومضغا، وفي طبقك لا في كوبك.
المصدر: الجزيرة