بعد أشهر من المواجهة العسكرية والتجاذبات السياسية، والضغوط المتبادلة التي دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة عسكرية أوسع من ذي قبل؛ تتجه الأنظار إلى ما يبدو أنه اختراق دبلوماسي غير مسبوق في مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران.
فالمؤشرات الصادرة من الطرفين -إلى جانب التحركات المكثفة للوسطاء الإقليميين- توحي بأن الجانبين نجحا -على ما يبدو- في تجاوز معظم العُقد التي عطلت المفاوضات طوال الفترة الماضية، وهو تطور قد يشكل -وفق مراقبين- نقطة تحول في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدا في الشرق الأوسط.
فبينما تتحدث إيران عن تفاهم “جاهز تقريبا” بانتظار استكمال إجراءاته النهائية، يؤكد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن الاتفاق بات قريبا، في وقت تشير فيه تسريبات ومواقف متطابقة إلى أن معظم الخلافات الجوهرية بين الطرفين جرى حلها.
وتعزز هذه المؤشرات التقارير التي تتحدث عن حراك دبلوماسي مكثف قادته قطر خلال الأيام الأخيرة، وأسهم في تقريب وجهات النظر بين الجانبين ودفع المفاوضات نحو مراحلها الحاسمة.
تفاؤل أمريكي وحذر إيراني
وبين التفاؤل الأمريكي والحذر الإيراني، تبدو واشنطن وطهران أقرب من أي وقت مضى إلى تفاهم قد لا يقتصر تأثيره على العلاقات الثنائية فحسب، بل يمتد إلى ملفات إقليمية شائكة ظلت لعقود في صلب التوترات بين الطرفين.
وفي أحدث المواقف الرسمية، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن “نص التفاهم جاهز تقريبا”، لكنها شددت على أن الاتفاق مع واشنطن لم يصبح نهائيا بعد، موضحة أن المراجع العليا في البلاد ستدرس جميع بنود أي تفاهم محتمل قبل اتخاذ القرار النهائي بشأنه.
وقالت الوزارة إن معظم بنود الاتفاق كانت قد حُسمت خلال الجولات السابقة من المفاوضات، إلا أن الجانب الأمريكي سعى -في مراحل لاحقة- إلى إضافة مطالب جديدة، مؤكدة أن إيران لم تتراجع عما تعتبره خطوطا حمراء لها في المفاوضات، كما نفت صحة ما يُتداول بشأن موعد أو مكان توقيع الاتفاق، ووصفت تلك المعلومات بأنها مجرد تكهنات إعلامية.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن الوسطاء يواصلون جهودهم بين الجانبين، مشيرة إلى دور فاعل لكل من قطر وباكستان في تقريب وجهات النظر، وكشفت كذلك أنها ناقشت مع وفد قطري زار طهران مؤخرا عددا من النقاط المتعلقة بمسار التفاوض.
وفي المقابل، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكثر تفاؤلا، معلنا أن الولايات المتحدة توصلت إلى “تسوية عظيمة” مع إيران، ومعربا عن اعتقاده أن المرشد الإيراني (مجتبى خامنئي) وافق على التفاهم المطروح بين الجانبين، وأن التوقيع على الاتفاق سيكون قريبا.
وقال إن مذكرة تفاهم مفصلة جرى التوصل إليها وإن إيران ترغب في توقيعها، معتبرا أن الاتفاق سيكون مفيدا للولايات المتحدة والشرق الأوسط وإيران على حد سواء. وأضاف ترمب أن إيران وافقت على عدم امتلاك أسلحة نووية، وأن مضيق هرمز سيُفتح بعد توقيع الاتفاق.
وتقاطعت هذه التصريحات مع ما أورده موقع “أكسيوس” الأمريكي نقلا عن مصادر مطلعة، إذ أفاد بأن الخلافات الرئيسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران جرى حلها خلال محادثات أجراها مسؤولون إيرانيون مع وسطاء قطريين.

اتفاق بمراحله النهائية
وبحسب المصادر، فإن الجانب القطري والإيراني توصلا إلى صيغة نص يُرجح أن تحظى بقبول الإدارة الأمريكية، وهو ما وضع المفاوضات على أعتاب مرحلتها النهائية.
وأضاف الموقع أن المحادثات شملت آلية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب ترتيبات تتعلق بفتح مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار، وهي ملفات كانت تُعد من أبرز القضايا العالقة بين الطرفين.
الموقف الإسرائيلي
وفي إسرائيل بدا الأمر مختلفا، فقد كشفت التطورات الأخيرة عن تباينات بشأن مستوى الاطلاع الإسرائيلي على مجريات التفاوض، حيث نقل “أكسيوس” عن مصدر مطلع قوله إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يكن على علم مسبق بالتطورات الأخيرة المتعلقة بالاتفاق، وإنه فوجئ عندما أصدر ترمب بيانه الأولي بشأن التفاهم مع إيران.
وجاء ذلك رغم إعلان ديوان نتنياهو أن الرئيس الأمريكي أجرى اتصالا هاتفيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن مذكرة التفاهم التي يجري إعدادها مع إيران تمهيدا لبدء المفاوضات الرسمية.
وأكد ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي أن تل أبيب ليست طرفا في المذكرة، لكنه أشار إلى أن ترمب جدد التزامه بمنع إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، والعمل على إزالة المواد المخصبة وتفكيك البنية التحتية للتخصيب، والحد من إنتاج الصواريخ، وإنهاء دعم طهران لحلفائها في المنطقة.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى أستاذ النزاعات في معهد الدوحة للدراسات العليا إبراهيم فريحات أن الجولة الحالية تختلف عن عشرات المحطات السابقة التي أعلن خلالها ترمب اقتراب التوصل إلى اتفاق، دون أن يفضي ذلك إلى نتائج ملموسة.
وقال فريحات للجزيرة إن ترمب أعلن للمرة الأربعين قرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، إلا أن هذه المرة قد تكون مختلفة لأن الأطراف أصبحت أقرب فعليا إلى الاتفاق.
وأشار فريحات إلى أن الإعلان الحالي لا يشبه الإعلانات السابقة التي كانت تسبقها فجوة واسعة بين التصريحات والوقائع التفاوضية، وأضاف أن الاتفاق بات قريبا بالفعل، وأن الإطار العام للتفاهم تم إنجازه، بينما تتركز المناقشات حاليا على بعض التفاصيل المحدودة.
وأوضح أن اجتماعا استمر لساعتين بين الأطراف المعنية كان من المفترض أن يشهد إعلان الاتفاق، إلا أن ذلك لم يحدث بسبب مسائل تفصيلية. ووفق تقديره، فإن ترمب كان قد وافق على جوهر المسودة، لكن المرحلة اللاحقة شهدت محاولات لممارسة مزيد من الضغط بهدف انتزاع شروط إضافية، وتحسين بعض البنود قبل الإعلان النهائي.
وأشار فريحات إلى أن هذا السلوك ينسجم مع أسلوب التفاوض الذي يتبعه ترمب عادة، والقائم على مواصلة الضغط حتى اللحظات الأخيرة لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.
وأوضح أستاذ النزاعات في معهد الدوحة للدراسات العليا أن العامل الأبرز في الوصول إلى هذه المرحلة تمثل في النشاط الدبلوماسي المكثف الذي قادته دولة قطر خلال الأيام الأخيرة.
وبحسب فريحات، فإن هذا الحراك الدبلوماسي كان له تأثير مباشر في تحقيق الاختراق الحالي، الأمر الذي يفسر حالة التفاؤل المتزايدة بإمكانية الإعلان قريبا عن اتفاق طال انتظاره بين واشنطن وطهران.
المصدر: الجزيرة