أظهر استطلاع جديد أجراه مركز “بيو” للأبحاث، لأول مرة منذ ما يقرب من عقدين، أن الصين تحظى بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول التي شملها الاستطلاع.
غير أن هذه النتائج تشير إلى تراجع تأثير القوة الناعمة الأمريكية أكثر من كونها تعكس صعودا صينيا، وذلك وفقا للتحليل الذي قدمه المحلل السياسي الدكتور يانتشونغ هوانغ، الخبير في مجلس العلاقات الخارجية والزميل الأول في مجال الصحة العالمية بالمجلس والمتخصص في السياسات الصحية في الصين والعلاقات الأمريكية الصينية.
وقال هوانغ -في تحليل نشره مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي- إنه على مدى نحو عقدين من الزمن، كانت إحدى نتائج استطلاعات مركز “بيو” للأبحاث العالمية ثابتة كشروق الشمس، وهي أن العالم ينظر إلى الولايات المتحدة نظرة أكثر إيجابية من الصين، معلنا أن ذلك العصر قد انتهى.
وفي تقرير “بيو” الصادر في 15 يوليو/تموز، الذي استند إلى مقابلات مع أكثر من 42 ألف شخص في 36 دولة، وجد المركز أن الصين أصبحت تحظى بنظرة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة في معظم الدول، كما سجل علامة فارقة ثانية بتجاوز متوسط الثقة بالرئيس الصيني شي جين بينغ الثقة بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب بعشر نقاط في الدول العشرين التي يتابعها المركز سنويا منذ عام 2023.
ويبدو هذا التحول أكثر أهمية لأنه يأتي عقب تراجع القوة الناعمة للصين إلى أدنى مستوياتها بسبب جائحة كوفيد-19 قبل سنوات قليلة، ونظرا لمكانة مركز “بيو” بوصفه المرجع الأبرز في قياس اتجاهات الرأي العام، فمن الصعب المبالغة في تقدير الأهمية الرمزية لهذا التحول.

تأكيد لا مفاجأة
رغم أن نتائج مركز “بيو” لافتة للنظر، فإنها ليست مفاجئة بقدر ما هي تأكيد لاتجاه كان واضحا بالفعل في مكان آخر.
ففي تصنيفات مؤسسة غالوب العالمية لعام 2025، تجاوز متوسط معدل التأييد للصين البالغ 36% متوسط معدل التأييد للولايات المتحدة البالغ 31% في أكثر من 130 دولة، وهو أكبر هامش لصالح الصين تسجله غالوب منذ نحو 20 عاما.
وقال هوانغ إنه لاحظ في مقال رأي نشر في مايو/أيار 2025 في صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست” أن الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترمب وتقليصها للمساعدات وازدرائها للحلفاء كانت كلها عوامل تساعد بقوة في ترك الساحة لبكين للفوز في صراع القوة الناعمة.
ووصف باحثون آخرون في السياسة الخارجية نتائج استطلاع “بيو” الأخير بأنها غير مفاجئة لأسباب مماثلة، مشيرين إلى أن تقلب السياسة الأمريكية، بما في ذلك استخدام القوة والأضرار الاقتصادية الناجمة عن الرسوم الجمركية، قد عزز المواقف والمشاعر الدولية المناهضة للولايات المتحدة، بينما تظهر الصين الآن بصورة أكثر موثوقية.
ما هي أسباب هذا التحول؟
يرى هوانغ أن هناك 3 عوامل، تعمل مجتمعة، تفسر هذا التحول في الاتجاه: أولها هو استثمار الصين في تعزيز جاذبيتها؛ فبعد سنوات من السخرية من دعايتها غير المتقنة، بدأت القوة الناعمة لدى بكين تحقيق نجاحات ملموسة أخيرا.

وعلى الصعيد الثقافي، منحت ظاهرة “تشاينا ماكسينغ” -وهي ظاهرة منتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي يتبنى فيها الشباب “الغربيون” أنماط الحياة الصينية، بدءا من شرب الماء الساخن وصولا إلى متابعة تجربة ركوب القطارات الصينية فائقة السرعة- الصين تلك الجاذبية العفوية التي نشأت من القاعدة الشعبية والتي لطالما تمتعت بها اليابان وكوريا الجنوبية، وتعززت بفضل منتجات حققت انتشارا واسعا مثل لعبة الفيديو “بلاك ميث: ووكونغ”، وفيلم الرسوم المتحركة “ني تشا 2″، ودمى “لابوبو”.
كما اكتسب نموذج التنمية الصيني مكانة مرموقة، حيث جعلت هيمنته على السيارات الكهربائية والبطاريات والبنية التحتية “النموذج الصيني” موضع تقليد لا سخرية، لدرجة أن واشنطن نفسها تمارس الآن سياسة صناعية تستلهم بشكل واضح من نموذج بكين.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، نفذ شي جين بينغ حملة واسعة النطاق من خلال مبادراته في مجالات التنمية والأمن والحضارة وحوكمة الذكاء الاصطناعي، مما عزز مكانة الصين كمزود للخدمات العامة وداعم لدول الجنوب العالمي.
ويرى هوانغ أن العامل الثاني هو تركيبة وطبيعة الدول، فنحو نصف الدول، التي شملتها عينة مركز “بيو”، هي دول متوسطة الدخل، وهذا تحديدا ما يمنح الصين تفوقها الأوضح على الولايات المتحدة.
وقد وجد مركز “بيو” أن نسبة التأييد والنظرة الإيجابية للصين أعلى بكثير في الاقتصادات الناشئة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب وجنوب شرق آسيا مقارنة بالدول الغنية، حيث سجلت مستويات قياسية مرتفعة هذا العام في كولومبيا وإندونيسيا وماليزيا والمكسيك ونيجيريا وتركيا.
وفي الوقت نفسه، تشهد الولايات المتحدة تراجعا حادا في شعبيتها في الديمقراطيات ذات الدخل المرتفع التي كانت في السابق مصدر الإعجاب بها.
ومع اكتساب الصين نفوذا وتأييدا في دول الجنوب العالمي، وفقدان الولايات المتحدة تأييد حلفائها، تفاقم هذان الاتجاهان -أحدهما يتقدم بينما يتراجع الآخر- وأصبح هذا التحول شبه حتمي.

وهذا يشير إلى العامل الثالث والأكثر أهمية، وهو أن هذه القصة مدفوعة بتراجع القوة الناعمة الأمريكية أكثر من كونها مدفوعة بصعود القوة الناعمة الصينية.
وتؤكد أرقام مؤسسة غالوب هذه النقطة بوضوح، حيث بلغ مستوى تأييد الصين في عام 2025 ما يقارب الصفر عند سالب 1%، بينما انخفض تأييد الولايات المتحدة إلى مستوى قياسي منخفض بلغ سالب 15%.
وتكشف بيانات مركز “بيو” التفصيلية القصة نفسها، إذ خلص المركز نفسه إلى أن تقدم الصين يعود “بشكل خاص” إلى تدهور الآراء إزاء الولايات المتحدة، لكن خسارة واشنطن لا تترجم إلى مكسب مماثل لبكين.
وأوضح هوانغ أن الانهيار كان أشد حدة في السويد، حيث انخفضت نسبة من ينظرون إلى الولايات المتحدة كشريك موثوق به من 83% في عام 2022 إلى 31% اليوم (انخفاض قدره 52 نقطة)، وخلال الفترة نفسها لم تكسب الصين سوى 15 نقطة (من 12% إلى 27%).
ويتكرر هذا النمط بين حلفاء واشنطن المقربين الآخرين، ففي كندا انخفضت نسبة من يعتبرون الولايات المتحدة شريكا موثوقا بشكل حاد من 83% عام 2022 إلى 35% (انخفاض قدره 48 نقطة)، مقارنة بارتفاع النسبة لصالح الصين بمقدار 30 نقطة (من 14% إلى 44%).
وبحسب هوانغ، فإن النتائج تغيرت بشكل أساسي لأن أحد الفريقين استمر في تسجيل الأهداف في مرماه من خلال ارتكاب أخطاء جسيمة.
تحول غير شامل
هذا التحول ليس مماثلا من الناحية الجغرافية، حيث يتركز بين حلفاء الولايات المتحدة الغربيين، مثل أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا ومعظم دول أوروبا، وكذلك في أجزاء من أمريكا اللاتينية، حيث أصبحت آراء العديد من الشعوب التي كانت تنظر إلى الولايات المتحدة كشريك أكثر موثوقية منقسمة بالتساوي.
والأمر اللافت للنظر أن هذا التحول لم يحدث بين جيران الصين، فالولايات المتحدة لا تزال تتمتع بنظرة إيجابية أكبر في 6 دول فقط، 4 دول منها في منطقة المحيطين الهندي والهادي، وهي الهند واليابان والفلبين وكوريا الجنوبية، إلى جانب إسرائيل وبولندا.
ففي الفلبين يرى 81% من السكان الولايات المتحدة شريكا موثوقا به مقارنة بـ42% للصين، حيث يبدو أن القرب من القوة الصينية، خاصة في ظل النزاعات البحرية، يضعف جاذبية بكين، فالبعد يزيد الشوق على عكس القرب.

إلى متى سيستمر تفوق الصين؟
هناك سببان على الأقل يدعوان إلى التشكيك في أن يكون هذا التحول دائما؛ الأول هو أن القوة الناعمة أكثر تقلبا من القوة الصلبة، وقد يتغير الرأي العام بشكل جذري خلال عام واحد.
والثاني أنه في حين أن معدلات النظرة الإيجابية للصين أصبحت تقترب من تلك الخاصة بالولايات المتحدة، فإن الأسس الكامنة وراء القوة الناعمة لم تتقارب بالطريقة نفسها، فالقوة الناعمة تنبع في نهاية المطاف من المصداقية وليس من الدعاية، والأسس القوية والموثوقة لجاذبية الصين لم ترسخ بعد.
وأشار هوانغ إلى أن نزعات ترمب الاستبدادية ألحقت ضررا بالغا بصورة الولايات المتحدة، ولكن ما دامت المؤسسات الأمريكية وسيادة القانون قائمة، فمن الممكن أن يتعافى احترام الديمقراطية والدبلوماسية الأمريكية في ظل إدارة مستقبلية أكثر تقليدية.
وقد أظهرت بيانات مركز “بيو” بالأصل هذا التعافي من قبل، حيث ارتفعت المؤشرات الرئيسية للقوة الناعمة الأمريكية -النظرة الإيجابية للولايات المتحدة والثقة بالرئيس الأمريكي- بشكل حاد بعد تولي الرئيس السابق جو بايدن منصبه في يناير/كانون الثاني 2021، لتعكس الانخفاضات الحادة التي تم تسجيلها خلال إدارة ترمب الأولى.
ويمثل استطلاع عام 2026 تحولا حقيقيا وتاريخيا في الرأي العام العالمي، ومع ذلك يمكن فهم هذا الأمر بشكل أفضل باعتباره إعادة تموضع نسبي أكثر من كونه انتصارا حاسما للقوة الناعمة الصينية.
وتبدو بكين الآن -في نظر الكثيرين- الشريك الأكثر سهولة في الوصول إليه والأكثر قابلية للتنبؤ به، خاصة مع تراجع واشنطن الذي يخلق فراغا، لكن بيانات مركز “بيو” لا تظهر تحولا واسع النطاق في التأييد أو الإعجاب، فقد تفوقت الصين في المقارنة لكنها لم تكسب القلوب والعقول بعد.
واختتم هوانغ تحليله بالقول إنه في الوقت الراهن لا تُقرأ أرقام عام 2026 على أنها تأييد مطلق للقوة الناعمة الصينية بقدر ما هي إدانة مؤلمة للجروح التي ألحقتها أمريكا بنفسها.
المصدر: الجزيرة