اعتماد خريطة طريق جديدة.. كيف عادت انتخابات ليبيا إلى الطاولة؟

بعد ركود سياسي طويل أبقى ليبيا بين حكومتين متنافستين ومسارات انتخابية معلقة، أقرّ رؤساء المجالس الليبية الثلاثة، مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي، الخميس، خريطة طريق جديدة تنص على إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، وتشكيل لجنة سيادية عليا للإشراف على المسار الانتخابي.

وجاء الاتفاق في بلد لا يزال يعيش انقساما سياسيا ومؤسسيا منذ سنوات، بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، وحكومة موازية كلفها مجلس النواب في الشرق برئاسة أسامة حماد، في ظل نفوذ عسكري واسع لقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر في الشرق والجنوب.

واعتمد رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وثيقة مبادئ قالوا إنها تشكّل خريطة طريق لإنهاء المرحلة التمهيدية، واستكمال الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات، وتوحيد المؤسسات السيادية، وإقرار إصلاحات اقتصادية ومالية.

مَن الأطراف المتفقة؟

يجمع الاتفاق ثلاث مؤسسات تمثل العملية السياسية الليبية التي تُعَد جزءا من المرحلة الانتقالية منذ اتفاق الصخيرات عام 2015.

فمجلس النواب يمثل المؤسسة التشريعية المعترف بها دوليا، ويتمتع بثقل سياسي في الشرق، ويرتبط مساره بالسلطات القائمة في المنطقة التي يملك فيها حفتر نفوذا عسكريا.

أما المجلس الأعلى للدولة فيتمركز في طرابلس، ويمثل شريكا سياسيا أساسيا في القاعدة الدستورية والقوانين الانتخابية، لكنه لا يختزل حكومة الدبيبة ولا كل القوى المسلحة في الغرب.

أما المجلس الرئاسي فهو مؤسسة يفترض أن تعبّر عن وحدة الدولة فوق الانقسام بين الشرق والغرب.

ما التفاهمات الدستورية والقانونية؟

تنص الخريطة على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن في موعد أقصاه 17 فبراير/شباط 2027، بموجب القوانين الانتخابية التي تنجزها لجنة 6+6. وهذه اللجنة تشكّلت في مارس/آذار 2023 من ستة أعضاء عن مجلس النواب وستة عن المجلس الأعلى للدولة، وكلفت بإعداد قوانين الانتخابات.

إعلان

واعتمدت الوثيقة اتفاق بوزنيقة مرجعا لتسمية المناصب السيادية وإعادة توحيدها. ويعود مسار بوزنيقة إلى حوارات استضافها المغرب منذ عام 2020 بين وفدي مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وتركّزت على المناصب السيادية والسلطة التنفيذية والقوانين الانتخابية.

كما وضعت الخريطة آلية إشرافية جديدة على الانتخابات، عبر لجنة سيادية عليا تضم رئيس المفوضية العليا للانتخابات، وعضوين عن اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 من الشرق والغرب، وممثلين عن القطاع الأمني المكلف بتأمين الانتخابات.

وتضم لجنة 5+5 ضباطا من المؤسسة العسكرية في غرب ليبيا وخمسة من طرف قوات حفتر في الشرق، وتعمل منذ سنوات ضمن مسار ترعاه الأمم المتحدة لتثبيت وقف إطلاق النار وتوحيد المؤسسة العسكرية.

ولم تقف الوثيقة عند السياسة، فقد اتفق رؤساء المجالس على رفض فك تجميد الأموال والأصول الليبية في الخارج قبل انتخاب رئيس من الشعب، ورفض مشاريع توطين المهاجرين أو السياسات التي تؤدي إلى ذلك بشكل غير مباشر.

كما اتفقوا على وضع إطار قانوني جديد للرقابة على قطاعات النفط والغاز والمياه والمعادن، وعلى حصرية تسويق النفط عبر المؤسسة الوطنية للنفط، وحصرية تحصيل العوائد عبر المصرف المركزي.

وشملت الخريطة تشكيل لجنة فنية لإعداد مشروع ميزانية موحّدة لسنة 2027، تحال إلى مجلس النواب لإقرارها.

المصدر: موقع الأمم المتحدة الرابط: https://unsmil.unmissions.org/ar/news/structured-dialogue-concludes-presents-final-recommendations-for-libyas-political اختتام الحوار المُهيكل وتقديم التوصيات النهائية بشأن العملية السياسية في ليبيا جزء من نص الموقع: استكمل الحوار المُهيكل تقريره الختامي في 7 يونيو 2026. ويتضمن التقرير أكثر من 525 توصية تهدف إلى تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، وتوحيد مؤسسات الدولة وتعزيزها، والمساهمة في معالجة الأسباب الجذرية طويلة الأمد للنزاع في ليبيا. UNSMIL / Abdulbaki Alryani
بعثة الأمم المتحدة في ليبيا أطلقت حوارا مهيكلا يضم نحو 120 شخصية لمعالجة جذور الأزمة (موقع الأمم المتحدة)

كيف توصلت الأطراف إلى التسوية؟

سبق الخارطة الجديدة تفاهمات متراكمة، مسارات عربية وأممية، وتحركات أمريكية موازية.

وقد اعتمدت الوثيقة على الإعلان الدستوري المؤقت الصادر عام 2011 وتعديلاته، وعلى الاتفاق السياسي الموقع في المغرب عام 2015، وعلى البيان الصادر عن الاجتماع الثلاثي الأول في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية.

ففي 10 مارس/آذار 2024، جمعت جامعة الدول العربية في القاهرة المنفي وصالح وتكالة في اجتماع ثلاثي بدعوة من أمينها العام أحمد أبو الغيط.

وأعلنت الجامعة حينها اتفاق المجتمعين على ضرورة تشكيل حكومة موحّدة تقود إلى الانتخابات، وتقديم الخدمات الضرورية للمواطنين، واحترام سيادة ليبيا ووحدة أراضيها، ورفض التدخل الأجنبي.

كما نصّت مخرجات ذلك الاجتماع على تشكيل لجنة فنية، بمرجعية الاتفاق السياسي، للنظر في التعديلات المناسبة لتوسيع قاعدة التوافق حول ما أنجزته لجنة 6+6، المكلفة بإعداد القوانين الانتخابية مناصفة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، وحسم النقاط الخلافية.

واتفق المجتمعون أيضا على توحيد المناصب السيادية، ودعوة بعثة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لدعم هذا التوافق.

خلال اجتماع أمين عام جامعة الدول العربية مع رؤساء مجالس النواب والرئاسة والدولة في ليبيا عام 2024 (مجلس النواب الليبي)
خلال اجتماع أمين عام جامعة الدول العربية مع رؤساء مجالس النواب والرئاسة والدولة في ليبيا عام 2024 (مجلس النواب الليبي)

ومنذ مطلع 2025، كثّفت بعثة الأمم المتحدة تحركاتها في الملف الليبي، إذ شكّلت في فبراير/شباط 2025 لجنة استشارية لمعالجة الخلافات التي عطلت الإطار الانتخابي، قبل أن تعلن في 2 مايو/أيار 2025 أن اللجنة أنجزت مجموعة خيارات لمعالجة العوائق أمام الانتخابات.

إعلان

ثم عرضت هانا تيتيه الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، في 21 أغسطس/آب 2025، خريطة طريق أوسع أمام مجلس الأمن تقوم على إطار انتخابي قابل للتنفيذ، وحكومة موحّدة، وبدء حوار حول قضايا الحكم والاقتصاد والأمن والمصالحة.

وفي فبراير/شباط 2026، قالت تيتيه إن الانتقال إلى الانتخابات يتطلب إجراءات رئيسية، من بينها مراجعة القوانين الانتخابية واستكمال المفوضية وإشراك الليبيين في الحوار المهيكل.

وجاء تقرير الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن في أبريل/نيسان الماضي، ليصف استمرار الخلاف بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بأنه عائق أمام تعديل القوانين الانتخابية واستكمال تشكيل المفوضية.

كما أشار التقرير، وفق وكالة الأنباء الليبية، إلى أن تيتيه طرحت نهجا بديلا من خطوتين، وأن لجنة الحوار التي تضم نحو 120 شخصية ليبية تواصل اجتماعاتها في طرابلس لمعالجة جذور الصراع، لا سيما في مساري الأمن والحوكمة والمأزق الدستوري.

واليوم قالت تيتيه، خلال جلسة مجلس الأمن، إن التوصيات تدعو إلى أن تكون مؤسسات الدولة الموحّدة والفعّالة، والتوافق السياسي الواسع بشأن الانتخابات الوطنية من خلال أطر قانونية واضحة، وتعزيز سيادة القانون واستقلال القضاء، ومعالجة الخلل الاقتصادي وضمان الشفافية في إدارة الموارد العامة.

ولفتت إلى أن العملية جمعت الليبيين في طرابس وبنغازي، مؤكدة أن “الحلول يجب أن تكون بقيادة ليبية”، وأن التوصيات تمثل أفضل وأشمل تعبير عن الأولويات الليبية في السنوات الأخيرة.

وفي سياق المساعي ذاتها، تحركت واشنطن عبر مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا.

وذكرت وكالة الأنباء الليبية أن تيتيه التقت بولس في أنطاليا في 19 أبريل/نيسان، وشددت أمامه على ضرورة البناء على “برنامج التنمية الموحّد” للمضي في خريطة الطريق عبر تنسيق دولي مستمر للوصول إلى الانتخابات في أقرب وقت.

كما أشار تقرير أممي نقلته وكالة الأنباء الليبية إلى أن الانخراط الأمريكي بقيادة بولس شمل سلسلة لقاءات بين أطراف من الشرق والغرب، وأسفر عن اتفاق لتوحيد الإنفاق العام، وُصِف بأنه أول توافق مالي منذ أكثر من 13 عاما.

ما دور المسارات العربية والأممية والأمريكية؟

أحالت الخريطة الجديدة إلى البيان الصادر عن الاجتماع الثلاثي الأول الذي عُقد في القاهرة برعاية جامعة الدول العربية في مارس/آذار 2024، بوصفه إحدى مرجعياتها السياسية.

كما حضر الدور الأممي من خلال خريطة الطريق التي عرضتها الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه أمام مجلس الأمن في 21 أغسطس/آب 2025.

أما واشنطن، فارتبط اسمها في الآونة الأخيرة بما أوردته صحيفة فايننشال تايمز في تقرير استند إلى مصادر مطلعة، تحدث عن مقترح أمريكي يتضمن تشكيل حكومة ليبية موحّدة وإعادة هيكلة بعض المؤسسات، في إطار مساعٍ لدفع العملية السياسية وإنهاء الانقسام القائم.

وبحسب الصحيفة، قال مسعد بولس إنه يعمل على توحيد مؤسسات الدولة المتفرقة تحت سلطة واحدة، مع تشجيع شركات النفط الأمريكية على الاستثمار.

ووفق ما نقلته الصحيفة، فإن الطرح جرى تداوله خلال اتصالات ومشاورات مع أطراف ليبية ودولية، في حين لم يصدر إعلان رسمي ليبي يؤكد تبني هذه المقترحات بصيغتها المتداولة.

بولس يعمل على توحيد مؤسسات الدولة الليبية تحت سلطة واحدة (الفرنسية)

وفي هذا السياق، رأى المحلل السياسي الليبي السنوسي إسماعيل، في مقابلة خلال برنامج ما وراء الخبر على شاشة الجزيرة، أن أي مسار سياسي في ليبيا يحتاج إلى ضغط دولي كي تلتزم به الأطراف الداخلية، وأن تحرك بولس قد ينجح إذا تضافر مع الخريطة الأممية وانتهى إلى انتخابات.

في المقابل، وصف المحلل السياسي عبد السلام الراجحي التحرك الأمريكي بأنه “صفقة” لا مبادرة، وقال إنه يركّز على شخصيات من محيطي الدبيبة وحفتر.

إعلان

أما المسؤول السابق في الخارجية الأمريكية وليام لورانس، فرأى أن بولس يتحرك في مسار سياسي واقتصادي، وأن توحيد شرق ليبيا وغربها يحتاج إلى فرص اقتصادية تمهّد لاحقا لاختيار الليبيين من يحكمهم.

ما المبادرات السابقة؟

سبق الخريطة الحالية عدد من المبادرات التي وصلت إلى منتصف الطريق ثم توقفت.

فقد أنتج اتفاق الصخيرات عام 2015 حكومة الوفاق والمجلس الرئاسي، لكنه لم يوحّد المؤسسة العسكرية ولا السلطة التنفيذية على الأرض.

وجاء مسار برلين عام 2020، ثم برلين 2 عام 2021، لتثبيت وقف إطلاق النار ودعم الانتخابات، لكنه لم ينهِ الانقسام ولا التدخلات الخارجية.

وفي عامي 2020 و2021، أنتج ملتقى الحوار السياسي الليبي سلطة تنفيذية مؤقتة برئاسة الدبيبة، وحدد موعدا لانتخابات ديسمبر/كانون الأول 2021، لكنها أُلغيت بسبب الخلاف على القاعدة الدستورية وشروط الترشح.

ثم جاءت حوارات القاهرة وجنيف وبوزنيقة، ولجنة 6+6، لمحاولة إنتاج قوانين انتخابية وتفاهمات حول المناصب السيادية، لكنها بقيت عاجزة عن الوصول إلى اقتراع.

هل يعني هذا التوصل إلى حل؟

لا تعني الخريطة الجديدة أن ليبيا وصلت إلى الحل، فهي تضع جدولا جديدا وتجمع مرجعيات قديمة في وثيقة واحدة، لكنها لا تضمن التنفيذ.

ويمكن أن تتعطل إذا عادت الخلافات حول قوانين لجنة 6+6، أو إذا رفضت القوى التنفيذية والعسكرية الخضوع للجنة الإشراف، أو إذا تحولت المناصب السيادية والميزانية الموحدة وعائدات النفط إلى ساحة صراع جديدة.

 

المصدر: الجزيرة