يحلّ شهر رمضان هذا العام على مخيمات شمال الضفة الغربية بوجه مختلف، بعدما تحوّلت أزقتها إلى ركام وثكنات عسكرية، وغابت موائد الإفطار الجماعية وحلقات التراويح تحت وطأة نزوح واسع ودمار غير مسبوق، طال البنية السكنية والاقتصادية للمخيمات.
وتشير أرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى تهجير نحو 45 ألف فلسطيني منذ عملية “السور الحديدي” عام 2025، فيما سُجلت أكثر من 3140 عملية هدم وتدمير في الضفة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وفي مخيم طولكرم ومحيطه نزح نحو 16 ألف فلسطيني، ودُمرت 3300 شقة كليا أو جزئيا، إضافة إلى 500 منشأة تجارية أُزيلت بالكامل، وفق اللجان الشعبية، ما ألقى بظلال ثقيلة على الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
أما مخيم نور شمس، فشهد نزوح نحو 11 ألفا و500 فلسطيني باتجاه مدينة طولكرم، مع تدمير 2900 شقة و300 منشأة تجارية بشكل كامل، في مشهد يعكس حجم التحول الذي طرأ على المخيم وبنيته العمرانية.
وفي مخيم جنين، هُجّر نحو 21 ألف فلسطيني، ودُمرت 1900 شقة كليا أو جزئيا، إضافة إلى 200 منشأة تجارية، لتتسع رقعة النزوح الداخلي وتتعمق الأزمة المعيشية في محيط المخيمات الثلاثة.
غير مسبوقة
وفي هذا السياق، يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية الدكتور رائد أبو بدوية أن ما تشهده المخيمات اليوم يتجاوز في حجمه وسياقه ما شهدته الضفة منذ عام 1967، رغم محطات دامية سابقة أبرزها أحداث عام 2002 في جنين.
ويؤكد أن إخراج سكان المخيمات بشكل شبه كامل وتحويلها إلى بؤر عسكرية مغلقة لم يسبق أن حدث بهذه الصورة، مشيرا إلى أن أكثر من 40 ألف نازح داخلي خرجوا من مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، فيما يناهز العدد الإجمالي للنازحين في الضفة 60 ألفا.
ويعتبر أبو بدوية أن ما يجري لا يقتصر على اعتبارات أمنية، بل يندرج ضمن سياسة تستهدف إعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية سواء داخل المخيمات أو في التجمعات السكانية، خصوصا في مناطق “سي”، بما يرسخ سيطرة أمنية دائمة.
وفي ما يتعلق بمصير المهجرين، يشير إلى تسريبات تحدثت عن اشتراطات إسرائيلية لعودة جزئية، تشمل السماح بعودة من لا علاقة لهم بالمقاومة، ومنع إعادة البناء في مناطق الهدم، ما يعني عمليا تقليص عدد السكان إلى نحو النصف.
ويضيف أن الأمر يتجاوز البعد العمراني إلى الرمزي عبر مقترحات لتغيير مسمى “مخيم جنين” إلى “الحارة الغربية”، في محاولة لإنهاء رمزية المخيم المرتبطة بحق العودة وقضية اللاجئين، وفق تقديره.
ويشير إلى أن طعونا قانونية قُدمت أمام المحكمة العليا الإسرائيلية لوقف الهدم والسماح بالعودة، غير أن القضاء، بحسب وصفه، لم يشكل عائقا أمام استمرار هذه السياسات ما يعزز الانطباع بوجود مسار رسمي متكامل.
قانونيا، يوضح أبو بدوية أن التهجير القسري يُعد جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكنّ تجربة غزة أظهرت -برأيه- محدودية أدوات القانون الدولي في ظل غياب آليات تنفيذ فعالة.
ويستدل بإصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه السابق على خلفية حرب غزة، دون تنفيذها حتى الآن، إضافة إلى الضغوط والعقوبات الأمريكية على المحكمة، ما يعكس فجوة بين النص والتطبيق.
لم يتبق أحد
ميدانيا، تنقل مراسلة الجزيرة من مخيم جنين جيفارا البديري صورة لمخيمات خلت من سكانها، مؤكدة أنه لم يتبقَ أحد داخل مخيم جنين ولا في مخيمي نور شمس وطولكرم، حيث ينتظر المهجرون منذ 13 شهرا فرصة العودة.
وتشير إلى أن المنازل التي لم تُدمَّر تحولت إلى ثكنات عسكرية، فيما دُمر أكثر من 1700 منزل في مخيمي نور شمس وطولكرم، ونحو 1200 شقة سكنية في جنين بشكل كامل، إلى جانب مئات المحال التجارية.
وتصف الأوضاع المعيشية بأنها بالغة الصعوبة، إذ يعتمد المهجرون خلال رمضان على “التكايا” والمساعدات، في ظل فقدان مصادر الدخل، بعد توقف العمل داخل الخط الأخضر وتعثر صرف الرواتب لموظفين في السلطة الفلسطينية.
وتلفت إلى ما تسميه مؤسسات دولية “إعادة هندسة المخيم”، عبر توسيع الشوارع وفتح محاور جديدة على أنقاض المنازل، بما يسمح بدخول الآليات العسكرية الثقيلة، ويغيّر الشكل العمراني التقليدي للمخيمات.
وتضيف أن سكان جنين يسمعون باستمرار أصوات إطلاق نار وتدريبات عسكرية داخل المخيم، في ظل وجود مكثف للآليات، ما يعزز شعورهم بأن المخيمات تحولت إلى ساحات تدريب مفتوحة.
المصدر: الجزيرة