التطور الصامت الذي تشهده تايوان..

مع ارتفاع متوسط الأعمار حول العالم بوتيرة غير مسبوقة، تواجه أنظمة الرعاية الصحية تحديات متزايدة تتمثل في انتشار الأمراض المزمنة المرتبطة بالتقدم في السن، مثل الخرف والسكري وأمراض القلب.

وفي مواجهة هذه التحولات الديمغرافية، تتجه الحكومات والشركات ومراكز الأبحاث إلى البحث عن نماذج جديدة توظف التكنولوجيا المتقدمة في الوقاية والعلاج وتحسين جودة الحياة.

وسط المتغيرات العالمية المتسارعة، تبرز تايوان بوصفها إحدى أهم التجارب الناجحة في تحويل ريادتها التكنولوجية والصناعية إلى محرك رئيسي للابتكار الطبي. هذا النجاح يرتكز على عقود من الاستثمار في الصحة والتقنية، مدعوما بمكانتها العالمية في قطاع أشباه الموصلات.

فعدد الأشخاص الذين تجاوزوا سن الستين تضاعف في العقود الثلاثة الماضية ليصل إلى 1.2 مليار نسمة عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 2.1 مليار نسمة بحلول 2050. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول عام 2080 سيفوق عدد من تزيد أعمارهم على 65 عاما عدد الأطفال دون سن 18، في تحول يعكس تسارع وتيرة الشيخوخة السكانية عالميا.

ومع تغير البنية العمرية للمجتمعات، تتغير الاحتياجات الصحية أيضا. فالأمراض غير المعدية المرتبطة بالتقدم في العمر أصبحت أكثر انتشارا، مما يفرض الحاجة إلى حلول قائمة على الوقاية والكشف المبكر والرعاية الذكية.

وقد استعدت تايوان لهذه التحولات مبكرا، إذ عملت على مدى أربعة عقود على بناء منظومة صحية متطورة قادرة على التعامل مع تحديات الشيخوخة السكانية، وتحولت اليوم إلى أحد المراكز العالمية لتطوير التكنولوجيا الطبية.

لا يبدو انتقال تايوان من ريادة صناعة الرقائق الإلكترونية إلى قيادة الابتكار الصحي أمرا مفاجئا، بل يمثل امتدادا طبيعيا لمسيرة صناعية طويلة جعلت الجزيرة المنتج الأكبر عالميا لأشباه الموصلات الأكثر تقدما المستخدمة في الهواتف الذكية وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي الوقت ذاته لم يقتصر التفوق التقني لتايوان على قطاع واحد، بل امتد ليدعم صناعات أخرى مثل الدراجات الهوائية ومستلزمات اللياقة البدنية، إضافة إلى الطفرة التي يشهدها قطاع المعدات الطبية.

وما يميز التجربة التايوانية حقا هو امتلاكها قاعدة بيانات صحية ممتدة لأكثر من 30 عاما، مما خلق بيئة نموذجية لابتكار حلول طبية ذكية تعتمد بشكل كامل على تحليل البيانات.

وتتميز قاعدة بيانات أبحاث التأمين الصحي في تايوان بشمولية استثنائية، إذ تغطي سجلات أكثر من 23 مليون شخص، أي ما يعادل 99.9% من السكان.

وتوثق هذه السجلات كافة تفاصيل الرعاية الصحية من زيارات طبية، وفترات إقامة في المستشفيات وجراحات ووصفات دوائية؛ واضعة بين أيدي المطورين والباحثين مادة علمية بالغة الثراء لدفع عجلة الابتكار.

كما أطلقت تايوان “مبادرة الطب الدقيق”، التي نجحت في جمع البيانات الجينية لأكثر من 500 ألف متطوع وربطها بسجلاتهم الطبية الإلكترونية، بهدف تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بالمخاطر الوراثية وتعزيز الطب الشخصي.

أثمرت هذه الاستثمارات نتائج ملموسة، إذ أدرجت مجلة نيوزويك (Newsweek) 13 مستشفى تايوانيا ضمن قائمة أفضل المستشفيات الذكية في العالم عام 2026.

كما أنشأت الحكومة 19 مركزا وطنيا للطب المعتمد على الذكاء الاصطناعي، ووافقت على أكثر من 50 منتجا طبيا مدعوما بهذه التقنية للكشف عن السرطان والتنبؤ بأمراض القلب ودعم اتخاذ القرار الطبي.

وبالتوازي مع هذا الزخم، نجحت الشركات التايوانية المتخصصة في التطوير والتصنيع التعاقدي للأدوية والمعدات الطبية في فرض نفسها منافسا قويا على الساحة الدولية، متفوقة في مجالات البحث العلمي والتطوير وقدرات الإنتاج الضخم.

وفي خطوة عززت موقعها باعتبارها مركزا إقليميا للابتكار الدوائي، انضمت تايوان إلى المجلس الدولي لتنسيق المتطلبات التقنية للمستحضرات الصيدلانية البشرية (ICH). هذا الانضمام يضمن توافق المنتجات الطبية التايوانية بشكل كامل مع الصرامة والمعايير الدولية الخاصة بالجودة والسلامة والكفاءة.

لكن هذه البنية المتطورة لا تقتصر على المؤشرات والمؤسسات، بل تنعكس بصورة مباشرة على المنتجات والحلول التي تطورها الشركات التايوانية اليوم.

تعمل شركة “إيسر ميديكال” (Acer Medical) على تطوير حلول تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحسين الفحص والكشف المبكر عن الأمراض. وفي العام الماضي، حصلت الشركة على جائزة التميز التايوانية عن نظامها “فيري أوستيو” (VeriOsteo OP) المخصص للكشف المبكر عن هشاشة العظام.

ويقول الدكتور ألين ليان، رئيس مجلس الإدارة ورئيس الشركة إن النظام المذكور “يستخدم صور الأشعة السينية للصدر، وهي من أكثر الفحوصات الطبية انتشارا وسهولة في الحصول عليها عالميا، للكشف العرضي عن هشاشة العظام دون الحاجة إلى أجهزة أو فحوصات إضافية”.

ويؤكد أن أكثر من مليون شخص حول العالم استفادوا من هذا النظام، الذي امتد استخدامه من تايوان إلى عدد من دول جنوب شرق آسيا دعما لبرامج الفحص المبكر والصحة العامة.

في مجال الجراحة، طورت شركة “إي بي إي دي” (EPED) نظام الملاحة الجراحية المجسم “ريتينا” (RETINA)، الحائز على جائزة التميز التايوانية، والمصمم لدعم الجراحات طفيفة التوغل.

ويتميز النظام بدقة تقل عن 1 مليمتر، مما يساعد على تقليل إصابات الأنسجة وتحسين نتائج العمليات وخفض احتمالات المضاعفات، كما يدمج تقنيات التصوير الطبي الرقمي ويتوافق مع الأدوات المستخدمة بالفعل داخل غرف العمليات.

ويقول الدكتور دوغلاس هوانغ، المؤسس ورئيس الشركة “نعتمد على الريادة التايوانية في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتوفير معالجة فورية وعالية الدقة للصور الطبية، كما نوظف خبرات أشباه الموصلات لتطوير مستشعرات بصرية تضمن تحديد المواقع بدقة أقل من المليمتر”.

من بين الشركات التي لفتت الأنظار عالميا شركة “سورغلاسز” (Surglasses)، التي تطور أدوات للتوجيه الجراحي تعتمد على الواقع المعزز (Augmented Reality) والواقع المختلط (Mixed Reality) والذكاء الاصطناعي.

وتُستخدم منتجات الشركة في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، كما حصل نظامها “كادوسيوس” (Caduceus) على جائزة التميز التايوانية.

ويقول الرئيس التنفيذي للشركة ميرون وانغ إن تايوان “توفر البيئة المثالية لهذا النوع من الابتكار، بفضل امتلاكها نظاما متطورا للرعاية الصحية وصناعة قوية لتكنولوجيا المعلومات، وهو ما سمح لنا بتسريع التحقق السريري والحصول على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)”.

في مجال التشخيص المخبري، برزت شركة “زينكستس لعلوم الحياة” (Zinexts Life Science Corp) التي تركز على ابتكار أدوات تشخيص جزيئي سريعة ومرنة وسهلة الاستخدام.

وساهمت أنظمتها، مثل “ماغ بيوريكس” (MagPurix) و”نيكس جين” (NeXgen)، في دعم الاستجابة لتفشي الأوبئة وفحص الأورام والتشخيص الروتيني، عبر تسريع الحصول على النتائج والمساعدة في اتخاذ القرارات السريرية.

ويقول المدير العام للشركة هارتموت غوته “تم دمج أنظمتنا في مستشفيات ومختبرات في آسيا وأوروبا والأمريكيتين، وأظهرت مستويات عالية من الحساسية والموثوقية في تطبيقات الأمراض المعدية والأورام”.

ويشير إلى أن منتجات الشركة قد تم الاستشهاد بها في أكثر من 500 بحث علمي محكم، مما يعكس قاعدة علمية واسعة تدعم استخدامها في الممارسة الطبية.

نجحت شركة “أمكاد بيوميد” (AmCad BioMed) في تطوير حلول متخصصة لتقييم انقطاع النفس الإنسدادي أثناء النوم باستخدام الموجات فوق الصوتية.

وتوضح الرئيسة التنفيذية للشركة يلي لي أن الأطباء يواجهون غالبا صعوبة في تقييم بنية المجرى الهوائي العلوي بطريقة سريعة وغير جراحية، وهو ما دفع الشركة إلى تطوير جهاز “أمكاد-يو أو”.

وتضيف “يوفر الجهاز تصويرا آنيا ودقيقا للمجرى الهوائي العلوي، مما يساعد الأطباء على تحديد أسباب الانسداد واتخاذ قرارات علاجية أكثر دقة”.

لا تقتصر جهود تايوان على تطوير الحلول داخل حدودها، إذ أطلقت قبل عامين مبادرة “Go Healthy with Taiwan”، بهدف تشجيع التعاون الدولي مع الشركات التايوانية المتخصصة في الرعاية الصحية الذكية والتكنولوجيا الرياضية وصناعة الدراجات الهوائية.

واستقطبت المبادرة العام الماضي 638 مقترحا من 55 دولة، بينما تستهدف نسخة عام 2026 أكثر من 800 مشاركة تحت شعار ” معاً لصناعة مستقبل أكثر صحة”.

وتسعى المبادرة إلى استقطاب الحكومات والمؤسسات والشركات العالمية لتقديم مشاريع وأفكار مبتكرة تستثمر الخبرات التايوانية الرائدة في ابتكار حلول صحية قابلة للتنفيذ دوليا.

وتحفيزا للمبتكرين، أعلنت المبادرة عن تقديم جوائز تصل إلى 30 ألف دولار لأفضل ثلاثة مقترحات يتم اختيارها.

ومع استمرار ارتفاع متوسط الأعمار وتزايد انتشار الأمراض المزمنة، تبدو الحاجة إلى التعاون الدولي أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

ومن هذا المنطلق، تسعى تايوان إلى توظيف خبراتها في التكنولوجيا المتقدمة والرعاية الصحية للمساهمة في تطوير حلول جديدة تدعم أنظمة الصحة حول العالم، وتساعد على بناء مستقبل يتمتع فيه أكبر عدد من البشر بحياة أطول وأكثر صحة.

 

المصدر: الجزيرة