الجنوب اللبناني.. نعمة الجغرافيا وكلفة الموقع

جنوب لبنان- على وقع صوت فيروز وهي تغني “وتولّع حروب.. وتنطفي حروب.. وبتضلّك حبيبي يا تراب الجنوب”، كانت فاطمة خليفة -المعروفة بـ”سيدة القناطر”- تستقبلنا في حديقتها في جنوب لبنان.

تتصاعد رائحة القهوة من الفناجين، ويتسلل عبير الياسمين بين أشجار الليمون والبرتقال، في حين تتوسط المائدة أطباق من خيرات الأرض؛ زيتون وزيت بلدي ولبنة و”طلمية زعتر” أعدتها من القمح المجروش والزعتر الأخضر.

اقرأ أيضا

list of 4 items

  • list 1 of 4لبنان.. راشيا الوادي بلدة الحنين والجمال تروي ذاكرة الجبل
  • list 2 of 4شجرة الميلاد من الصابون.. حكاية لبنانية عن العيش المشترك
  • list 3 of 4الطريق إلى إيفرست بعيون شابين من جنوب لبنان
  • list 4 of 4صيدا.. حاضرة البحر وعنفوان الجمال والتراث في لبنان

end of list

لا تحتاج فاطمة إلى كثير من الكلام لتشرح علاقتها بالجنوب؛ يكفي أن تشير إلى شجرة زيتون أو قنطرة حجرية أو بستان يحيط بالبيت، حتى تبدأ الحكاية. كل ما حولها يحمل شيئا من المكان الذي تربت فيه؛ من رائحة التراب إلى مذاق الطعام، ومن الأشجار التي تعرفها منذ طفولتها إلى الطرق التي حفظت خطوات أهلها جيلا بعد جيل.

تقول فاطمة للجزيرة نت إن الجنوب بالنسبة إليها ليس مجرد مكان وُلدت فيه أو بيت تعود إليه، بل هو “الروح والانتماء والوطن الصغير”، وحين نسألها عن سر هذا التعلق، لا تبحث عن إجابة بعيدة، بل تدعونا إلى جولة في حديقتها.

تقول إن من يشم رائحة الليمون والزيتون ويتذوق طعام الأرض ويمشي بين الأشجار سيفهم وحده لماذا يتعلق الجنوبي بمكانه إلى هذا الحد.

ففي الجنوب، لا تبدو الأرض مجرد مساحة جغرافية؛ فالشجرة التي زرعها الجد قد تصبح فردا من العائلة، وقطعة الأرض التي كانت تجمع أفرادها في موسم الحصاد تتحول مع الوقت إلى جزء من الذاكرة، في حين يصبح الطريق إلى البيت محفوظا في الوجدان كما تُحفظ ملامح الأقارب.

ومع مرور السنوات، تتراكم هذه التفاصيل الصغيرة لتصنع ذاكرة أكبر من المكان نفسه؛ ذاكرة تجعل الإنسان مرتبطا بالأرض التي احتضنت طفولته وشبابه، حتى يصبح من الصعب الفصل بين الاثنين.

لا تبدو الأرض مجرد مساحة جغرافية؛ فالشجرة التي زرعها الجد قد تصبح فردا من العائلة
لا تبدو الأرض مجرد مساحة جغرافية؛ فالشجرة التي زرعها الجد قد تصبح فردا من العائلة (الجزيرة)

الجنوب الذي يُشم قبل أن يُرى

ربما لهذا يتحدث أبناء الجنوب عن الهواء كما يتحدثون عن أحد أفراد العائلة، تقول فاطمة إن “هواء الجنوب مختلف، وطعمه مختلف، وحتى تربته مختلفة”، وهي لا تتحدث عن اختلاف يمكن قياسه، بقدر ما تصف ذلك الشعور الذي يسبق العودة إلى المكان؛ إحساس يبدأ قبل أن تصل العين إليه، حين تستعيد الذاكرة روائح اعتادتها منذ الطفولة.

إعلان

في هذه المنطقة الممتدة من الساحل المتوسطي غربا إلى التلال والمرتفعات في الداخل، تبدو الطبيعة جزءا من الحياة اليومية، لا مجرد مشهد. في السهول تنتشر بساتين الحمضيات والموز، وفي مناطق أخرى تمتد حقول التبغ والزيتون، بينما تتوزع أشجار التين والعنب بين القرى والمرتفعات.

وهنا لا ترتبط الزراعة بالدخل وحده. فالأرض مساحة تعاش فيها دورة الحياة كاملة؛ من الغرس إلى الحصاد، ومن مواسم القطاف إلى اللقاءات العائلية التي تصنع -بدورها- ذاكرة المكان.

ولعل شجرة الزيتون تختصر هذه العلاقة أكثر من أي شيء آخر. قد تكون الشجرة أقدم من البيت نفسه، ورثها صاحبها عن أبيه، وورثها أبوه عن جده. تكبر أمام العائلة، في حين تتغير الأجيال من حولها، وتظل هي شاهدة على ما مر بالمكان.

لهذا تقول فاطمة إن شجرة الزيتون “رفيقتها وتراثها وفخرها”، وإنها الشيء الذي يبقى حاضرا معها أينما اضطرت إلى الرحيل.

طغت صور القصف والدمار على صورة الجنوب حتى كادت تخفي الحياة فيه
طغت صور القصف والدمار على صورة الجنوب حتى كادت تخفي الحياة فيه (الجزيرة)

أرض غادرها أهلها ولم تغادرهم

فالرحيل جزء ثقيل من ذاكرة الجنوب؛ فمنذ عقود اعتاد سكان القرى -خصوصا الحدودية منها- أن يحملوا ما يستطيعون ويغادروا بيوتهم تحت وطأة الحروب والقصف، ثم ينتظروا اللحظة التي تسمح لهم بالعودة.

قد لا يتجاوز الغياب ساعات وقد يمتد أشهرا، وربما تطول المسافة بين الرحيل والعودة أكثر مما يحتمل الإنسان، لكن فكرة الرجوع تظل حاضرة.

تقول فاطمة إن أبناء جيلها “كبروا وكل سنوات حياتهم فيها تهجير”، لكن النزوح -في نظرها- لم ينجح في قطع الصلة بالمكان. كانوا يغادرون وهم يحملون يقينا بأن العودة ممكنة؛ ثم يرجعون ليزرعوا ويعمّروا ويستأنفوا حياتهم من النقطة التي توقفت عندها.

لهذا لا تبدو العودة بالنسبة إليها مجرد نهاية للنزوح، بل استعادة لعلاقة انقطعت بالقوة، لكنها لم تنته بالإرادة.

قد يجد العائد منزله متضررا، أو حقله محروقا، أو شجرته مقطوعة، لكنه يبدأ مما بقي؛ يفتح باب البيت ويصلح جدارا ويزرع شجرة ثم ينظر إلى الأرض التي يعرفها كما لو أنه يستعيد جزءا من حياته.

تتحول الوديان والممرات التي يسلكها السكان إلى مواقع ذات قيمة استراتيجية في زمن الحرب
تتحول الوديان والممرات التي يسلكها السكان إلى مواقع ذات قيمة إستراتيجية في زمن الحرب (الجزيرة)

جغرافيا صنعت الجمال وأثقلت التاريخ

ولا يمكن فهم هذا التعلق بالأرض بعيدا عن جغرافيا الجنوب. تقع المنطقة في أقصى جنوب لبنان، بمحاذاة الحدود مع فلسطين المحتلة، وتمتد من الساحل المتوسطي غربا إلى سلسلة من التلال والمرتفعات شرقا.

وبين الساحل والداخل، تتنوع التضاريس بين السهول الخصبة والوديان والمرتفعات؛ وهي طبيعة منحت الجنوب قيمة زراعية وجمالية، لكنها أكسبته أيضا أهمية عسكرية وجيوسياسية وضعته في قلب الصراع لعقود.

فالمرتفعات التي يراها أهل المنطقة تلالا وحقولا وأشجارا، قد تحمل في الحسابات العسكرية معنى آخر؛ إذ تمنح من يسيطر عليها قدرة أكبر على الرصد والمراقبة. وكذلك الوديان والممرات التي يسلكها السكان للوصول إلى قراهم وأراضيهم، يمكن أن تتحول في زمن الحرب إلى مواقع ذات قيمة إستراتيجية.

ويشرح الخبير العسكري العميد حسن جوني للجزيرة نت أن أهمية الجنوب لا يمكن فصلها عن موقعه الجغرافي وتضاريسه المتنوعة، موضحا أن بعض المرتفعات المشرفة على مساحات واسعة تمنح أهمية عسكرية لمن يسيطر عليها، في حين يمكن أن تتحول بعض الوديان والممرات إلى نقاط مؤثرة في أي مواجهة.

الأرض هنا ليست مصدر رزق فحسب بل مساحة تعاش فيها دورة الحياة
الأرض هنا ليست مصدر رزق فحسب بل مساحة تعاش فيها دورة الحياة (الجزيرة)

ويرى جوني أن الموقع المحاذي للحدود، إلى جانب طبيعة الأرض وارتفاعاتها، أسهما في جعل الجنوب ساحة للصراع على مدى عقود، وأضفيا على بعض المواقع قيمة إستراتيجية تتجاوز مساحتها الجغرافية.

إعلان

وتظهر هذه المفارقة بوضوح في مواقع مثل قلعة الشقيف، التي ترتفع فوق أحد أبرز مرتفعات الجنوب، وتكشف من موقعها مساحة واسعة من المنطقة المحيطة. فالقلعة التي يراها الزائر أثرا تاريخيا تختزن طبقات من الزمن، تحمل في الوقت نفسه قيمة إستراتيجية جعلتها حاضرة في تاريخ الصراعات العسكرية على الجنوب.

ومن فوقها يظهر المشهد الذي يعرفه أبناء المنطقة جيدا: تلال وقرى متناثرة، وحقول زيتون، وطرق تتلوى بين المرتفعات وصولا إلى الحدود.

هنا تتقاطع حكايتان للمكان نفسه، فالتلة التي تعني للمزارع أرضا ورثها عن أبيه، قد تعني للعسكري نقطة إشراف. والوادي الذي يعبره السكان للوصول إلى قراهم قد يصبح في حسابات الحرب ممرا ذا أهمية إستراتيجية.

الجغرافيا واحدة، لكن معنى المكان يتغير باختلاف العين التي تنظر إليه.

يتحدث أبناء الجنوب عن الهواء كما يتحدثون عن أحد أفراد العائلة
يتحدث أبناء الجنوب عن الهواء كما يتحدثون عن أحد أفراد العائلة (الجزيرة)

ما وراء صورة الحرب

لسنوات طويلة، ارتبط الجنوب في الذاكرة الإعلامية بصور القصف والاحتلال والدمار والنزوح، حتى كادت هذه الصور تحجب الحياة التي تستمر خلفها.

لكن الجنوب الذي يعرفه أبناؤه لا يُختصر في دخان الحرب، هو صباحات تبدأ بالقهوة، ومزارعون يخرجون إلى حقولهم، وأمهات يجهزن الطعام من خيرات الأرض، ومواسم قطاف تجمع العائلات، وأطفال يكبرون وهم يحفظون أسماء الأشجار والحقول والوديان.

لهذا تبدو العودة -بالنسبة إلى كثير من أبناء الجنوب- فعلا يتجاوز استعادة السكن.

منحت هذه الطبيعة الجنوب قيمة زراعية وجمالية كما أكسبته أهمية عسكرية وجيوسياسية
منحت هذه الطبيعة الجنوب قيمة زراعية وجمالية كما أكسبته أهمية عسكرية وجيوسياسية (الجزيرة)

حين تصبح الأرض جزءا من الإنسان

قبل أن نغادر، تختصر فاطمة كل هذه الحكاية في كلمات قليلة “أحبك يا وطني، أحبك يا جنوبي، أحبك يا أرضي، نحن لا نحب الجنوب فقط، نحن نعشق جنوبنا”، وتعود أغنية فيروز إلى الخلفية “وتولّع حروب.. وتنطفي حروب..”.

وبين حرب وأخرى، وبين نزوح وعودة، يبقى الجنوب بالنسبة إلى أبنائه أكثر من جغرافيا تقع عند طرف البلاد.

 

المصدر: الجزيرة