الدخان الخفي.. ماذا يحدث لجسمك عند إشعال الشموع المعطرة في المنزل؟

للشموع حضور قديم في الثقافات القديمة، وارتبط إشعالها بممارسات التأمل وحالات الاسترخاء والهدوء، بل والرومانسية أحيانا وفي السنوات الأخيرة اهتم الملايين حول العالم باقتناء الشموع العطرية في المنازل لنشر الروائح المحببة وخلق أجواء أكثر دفئا، حتى أنها أصبحت جزءا من الهدايا المفضلة لدى الكثيرين، وطقسا يوميا يساعد على التركيز.

لكن مع انتشار رائحة العطور الخفيفة المنبعثة من الشموع العطرية، يطرح السؤال نفسه: هل يمكن أن تنطوي هذه المتعة اليومية على مخاطر صحية غير مرئية؟

تقول طبيبة الأمراض الصدرية ريني ديكسون، بكليفلاند كلينك، إن حرق الشموع قد يساهم في تدهور جودة الهواء داخل المنزل، لكن المجتمع العلمي ما يزال منقسما حول ما إذا كانت الانبعاثات المحدودة عادة كافية لإحداث ضرر صحي ملموس لدى معظم الناس، مع التأكيد على أهمية التهوية وجودة المنتج.

هل تلوث الشموع العطرية الهواء بالمنزل؟

بحسب وكالة حماية البيئة الأميركية (EPA)، يقضي الأميركيون نحو 90% من وقتهم داخل الأماكن المغلقة، حيث تكون تركيزات بعض الملوثات أعلى بمقدار 2 إلى 5 مرات من الهواء الخارجي. وتوضح الوكالة أن مصادر التلوث الداخلي تشمل نواتج الاحتراق (مثل الجسيمات الدقيقة وأول أكسيد الكربون) والمركبات العضوية المتطايرة من منتجات متعددة داخل المنازل.

ماذا يحدث كيميائيا عند إشعال الشمعة؟

تشرح ديكسون أن احتراق الشمعة يطلق إلى الهواء هيدروكربونات (مركبات من الهيدروجين والكربون)، ومن بينها كميات ضئيلة من التولوين والبنزين (وهما من المركبات العضوية المتطايرة VOCs). وتؤكد الطبيبة أن القلق الحقيقي يرتبط بالسياق: تهوية ضعيفة، استخدام مكثف، أو حالات صحية معينة.

التولوين: قد يسبب تهيج العينين والأنف والجلد والحنجرة عند التعرض له في أماكن سيئة التهوية، وقد يرتبط بأعراض مثل الصداع والدوخة.

البنزين: مادة مسرطنة معروفة، لكن بحسب تقرير لكليفلاند كلينك، فإن أغلب التعرض للبنزين يحدث عبر التدخين، وليس عبر الشموع عادة، ما يفسر لماذا لا ترى خطرا وشيكا لمعظم الناس عند الاستخدام السليم.

التأثير الصحي للشموع يعتمد بشكل أساسي على التهوية، ونوع الشمعة، وكثافة الاستخدام (فريبيك)

من الأكثر عرضة للتأثر؟

الكميات المنبعثة من الشموع عادة ليست مقلقة لمعظم الناس إذا استخدمت في مكان جيد التهوية، لكنها قد تصبح أكثر حساسية لدى:

إعلان
  • المصابين بأمراض صدرية مزمنة مثل مرضى الربو (وقد تحفز الروائح نوبات لدى بعضهم).
  • من لديهم حساسية من العطور (صداع، سيلان أنف، تهيج).
  • أشخاص لديهم تاريخ مع سرطان المثانة: الطبيبة تشير إلى أن عددا محدودا من الدراسات لاحظ ارتباطا محتملا بين احتراق الشموع وسرطان المثانة، لكنها تؤكد أن الدليل غير كاف لوقف استخدام الشموع لدى الجميع.

ومن زاوية البحث العلمي، تشير افتتاحية منشورة في مجلة حوليات الطب والجراحة، والمنشورة عبر منصة المركز الوطني الأميركي للمعلومات الحيوية (PubMed Central)، إلى أن التعرض للشموع المعطرة قد يرتبط بظهور أعراض مثل الدوخة والصداع وتهيج الأغشية المخاطية واضطرابات في الجهاز التنفسي. كما توضح الافتتاحية أن مستويات بعض ملوثات الاحتراق، بما في ذلك المركبات العضوية المتطايرة وبعض الهيدروكربونات العطرية، قد ترتفع داخل الأماكن المغلقة أثناء احتراق الشموع، لا سيما عند استخدام منتجات منخفضة الجودة أو في ظل تهوية غير كافية.

هل نوع الشمع واللون والرائحة يغيران المخاطر؟

شمع البارافين

ينصح الخبراء بتقليل الاعتماد على البارافين، وهو مشتق نفطي، لأنه ينتج انبعاثات أعلى مقارنة ببدائل نباتية أو شمع العسل، مع الإشارة إلى أن فكرة “الشموع الأرخص أخطر” طُرحت لكنها ليست مثبتة بشكل قاطع.

والافتتاحية العلمية تذكر أن الشموع المعطرة الرخيصة المصنوعة من البارافين قد تطلق كميات أكبر من مركبات مثل الفورمالديهايد وبعض الهيدروكربونات العطرية.

الشموع المصبوغة

توصي الافتتاحية العلمية بتجنب الشموع المصبوغة (الملونة) قدر الإمكان. كما أشارت إلى وجود نقاش علمي حول أصباغ معينة ومشتقات كيميائية قد ترتبط بمخاطر على المدى الطويل، خصوصا مع الاستخدام المتكرر وفي غرف غير جيدة التهوية.

الشموع المعطرة

لا توجد أدلة قوية على أن الشموع المعطرة أكثر سمية بطبيعتها من غير المعطرة، لكنها قد تثير الحساسية أو الربو لدى بعض الأشخاص، لذا الأفضل اختيار منتجات عالية الجودة وخالية من الصبغة والبارافين قدر الإمكان.

يُعد شمع البارافين أكثر إثارة للقلق بسبب كونه مشتقا نفطيا وينتج انبعاثات أعلى (فريبيك)

هل شموع الصويا والعسل أقل تلويثا؟

يرى عدد من الخبراء أن شموع الصويا وشمع العسل قد تكون بديلا أقل تلويثا مقارنة بشموع البارافين، لكنها ليست خالية تماما من التأثيرات. فبحسب تقرير سي إن إن، تشير بعض الدراسات إلى أن شموع الصويا تنتج عادة كميات أقل من الملوثات والمركبات العضوية المتطايرة مقارنة بالبارافين المشتق من النفط، إلا أن احتراق أي مادة، مهما كان مصدرها طبيعيا، يؤدي في النهاية إلى إطلاق جسيمات دقيقة وملوثات في الهواء.

ولكن يحذر الخبراء من أن بعض المنتجات المتداولة في الأسواق تُسوَّق على أنها “شموع صويا” أو “طبيعية”، رغم احتوائها فعليا على نسب متفاوتة من شمع البارافين أو خلطات شمعية غير معلن عنها.

ويرجع ذلك إلى غياب لوائح تنظيمية صارمة تُلزم الشركات بالإفصاح الدقيق عن مكونات الشموع، حيث لا توجد متطلبات قانونية واضحة تحدد الحد الأدنى لنسبة شمع الصويا التي تسمح بوضع هذا الوصف على المنتج. ويؤكد باحثون أن هذا الغموض التسويقي يجعل المستهلك أمام منتجات قد تبدو صحية ظاهريا، لكنها لا تختلف كثيرا في تأثيرها البيئي أو الصحي عن الشموع التقليدية، ما يعزز توصيات الخبراء بضرورة قراءة المكونات بعناية، والتواصل مع الشركات المصنّعة، واختيار منتجات موثوقة ذات مكونات معلنة بوضوح.

كيف تستخدم الشموع بأمان؟

هناك قواعد عملية تقلل المخاطر الصحية ومخاطر الحريق:

إعلان
  • أشعل الشموع في غرفة جيدة التهوية وبعيدا عن أي شيء قابل للاشتعال.
  • قص الفتيل إلى نحو ربع بوصة.
  • لا تترك الشمعة مشتعلة أكثر من 4 ساعات متواصلة.
  • لا تتركها دون مراقبة، ولا تشعلها إذا كنت قد تنام.
  • لا تحرك الشمعة قبل أن تبرد.

إشعال الشموع المعطرة يؤثر على الجسم بدرجات متفاوتة، من استجابة حسية بسيطة إلى تهيج تنفسي لدى الفئات الحساسة. والقاعدة الذهبية التي يجمع عليها الخبراء هي: الاعتدال، والتهوية الجيدة، واختيار شموع عالية الجودة لتقليل أي تأثير صحي محتمل.

 

المصدر: الجزيرة