الصحة العقلية: “سماع أصوات” أو “الهلوسات”، مرض أم ميّزة؟

يرى الطب الغربي أن أي شخص يقول إنه يسمع أصواتاً تتحدث إليه من مصدر مجهول، يعاني – في العادة – من الذهان، لكن ذلك ليس أمراً محسوماً لدى الجميع.

فماذا يمكن أن نتعلم ممن يتعاملون مع هذه الهلوسات بشكل مختلف؟

تخيّل سماع الأصوات، هو أمر شائع أكثر مما تظن، فقد أظهرت الدراسات التي أُجريت على مدى عقود أن عدداً كبيراً من الأشخاص الذين لم يُشخصوا سابقاً بأي حالة صحية نفسية – ما يزيد عن ثلاثة أرباع المشاركين – يعانون من سماع أصوات تتحدث إليهم من مصدر غير معروف.

في الطب النفسي الغربي، تُعد الهلوسات السمعية أحد الأعراض الرئيسية للاضطرابات الذهنية، لهذا تؤدي الوصمة التي ترافق هذا النوع من الحالات الصحية العقلية، إلى تردد البعض بالاعتراف علناً بسماع أصوات في رؤوسهم.

يُدرج الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية (DSM-5)، وهو المرجع القياسي لتشخيص الاضطرابات العقلية في الولايات المتحدة، سماع الأصوات كعلامة رئيسية للفصام والذهان.

حتى الهلوسات الصوتية التي تنتج عن تناول مادة مخدرة تختلف باختلاف الثقافات. ففي الأمازون، تعتقد قبيلة سيونا أن هذه الهلوسات هي تجربة لواقع بديل، بينما تعتقد قبيلة الشوار أن الحياة اليومية وهم، وأن الواقع هو ما يُرى أثناء الهلوسة.

يمكن أن تتأثر استجابة الناس الشخصية لسماع صوت داخلي بالثقافة أيضاً. اذ أظهرت مقارنة بين مرضى الذهان في الولايات المتحدة وغانا وجنوب الهند أن الأمريكيين كانوا الأكثر كراهية لأصواتهم الداخلية، وعادة ما كانوا يجهلون هوية المتحدث.

بينما ربط المرضى في تشيناي في الهند وأكرا في غانا أصواتهم الداخلية بالإله أو بأفراد العائلة أحياناً، ولم ينبذوها وفقاً للدراسة التي أجرتها لورمان.

وأفاد أكثر من نصف المشاركين في الدراسة من تشيناي أنهم سمعوا أصوات أفراد معينين من عائلاتهم، وقدمت لهم تلك الأصوات نصائح عملية، وتعليمات للمهام اليومية، وكانت حاضرة أيضاً للتوبيخ.

كما طلبت هذه الأصوات من المشاركين الذهاب إلى المتاجر، وإعداد الطعام، والاستحمام.

بالنسبة للمشاركين في تشيناي، بدت الأصوات أكثر واقعية، وعدد قليل فقط من المشاركين، لم يتعرفوا على الصوت الذي خاطبهم، بينما ذهب بعض المشاركين في أكرا إلى أبعد من ذلك، وقالوا إن أصواتهم الداخلية كانت ذات أثر إيجابي.

وقال أحد الأشخاص للورمان: “إنها تأمرني بفعل الصواب، لو لم تكن لدي هذه الأصوات، لكنتُ ميتاً منذ زمن طويل”.

مع ذلك، كان الأمريكيون أكثر ميلاً لوصف أصواتهم بأنها خيالية، إذ قال أحد الأمريكيين المشاركين: “لا أعتقد أن هناك أي شيء، أعتقد أنها مجرد طريقة تفكير”.

وتحدث بعض المشاركين من تشيناي عن شعورهم بالخوف من أصواتهم، وأن بعض الأصوات قد تكون مرحة أيضاً، وهو ما لم يشعر به أحد من الولايات المتحدة أو غانا.

وبينما أقر العديد من المشاركين في الدراسة من أكرا بأن سماع الأصوات كان أحد أعراض اضطراب نفسي، إلا أن سماع هذه الأصوات كان أكثر قبولاً لديهم اجتماعياً، مع أن لورمان تضيف أن الناس في غانا قد يترددون في الكشف عن سماعهم لأصوات بسبب الوصمة التي قد تربطهم بالسحر.

تقول لورمان إن بعض الثقافات تتقبل، بل وتفتخر، بالأشخاص الذين يعانون من الهلوسة بدلاً من اعتبارهم مرضى، وتضرب مثالاً بشعب غانا الذي يعتبر سماع الأصوات بمثابة اتصال من الله.

وتضيف: “في أنحاء مختلفة من العالم، يتوقع البعض أنهم يرون الموتى، ويتحدثون إلى الأرواح، ويتفاعلون مع الجن”.

على سبيل المثال، عاشت مورفي مع شعب إيجبا يوروبا، وهم مجموعة فرعية من الناطقين باليوروبا من غرب نيجيريا، حيث لاحظت أنهم يسمعون أصواتاً ويحاولون إرشاد الآخرين إلى مصدرها، مع أن مصدرها لا يمكن لأحد سوى المستمع معرفته.

وأشارت إلى أن هذا يبدو أمراً شائعاً نسبياً بين شعب إيجبا يوروبا، ولا يُزعج لا الشخص الذي يسمع الأصوات ولا من لا يسمعها.

وتقول لورمان إن معظم الثقافات لديها كلمات تعبر عن الأفكار التي تنتقل من عقل إلى آخر. في الإنجليزية، قد نقول “التخاطر” أو “السحر” أو “الإلهام الإلهي”.

وتضيف: “أحياناً، نشعر بحلم قوي وكأنه ينقل معلومات من واقعية، أحياناً، إذا غضبت غضباً شديداً من شخص ليس معك في الغرفة، وشتمته، فقد تشعر أن ذلك يؤثر عليه”.

ويبدو أن سمتين شخصيتين، تُعرفان بالمسامية والانغماس، تُفسران سبب تقبّل بعض الناس للأصوات الخارجية والظواهر الأخرى.

المسامية هي استعداد لقبول إمكانية دخول الأفكار الخارجية إلى عقولنا.

في الوقت نفسه، يسمح لنا الانغماس بمغادرة عالمنا الواقعي، ودخول عالم الخيال الخاص بنا، مما يطمس الحدود بين تجربتنا العقلية الداخلية والخارجية.

ومن غير المرجح أن يتساءل الأشخاص الذين يتمتعون بقدر كبير من الانغماس فوراً عن حقيقة التجربة، بل يكونون أكثر استعداداً للتساؤل عما قد تعلّمهم إياها.

وشعور بعض الناس بسلبية أصواتهم له عواقب طبية. وهنا قد يصبح سماع صوت أكثر خطورة بل ويكون مرضاً.

في العديد من الدراسات، كان الأمريكيون أكثر ميلاً للقول إن الأصوات التي سمعوها تحمل نوايا عنيفة. وأخبر بعض المشاركين في المقابلات لورمان أن أصواتهم طلبت منهم تعذيب الناس وشرب دمائهم، بينما وصف آخرون أصواتاً تدعوهم للقتال.

تشير لورمان إلى أن العوامل المجتمعية قد تُفسر ذلك إلى حد ما. فالولايات المتحدة لديها معدل عنف مسلح أعلى بكثير مقارنة بالدول الأخرى. كما أن المصابين بأمراض نفسية أكثر عرضة للتشرد وتعرضهم للعنف في الولايات المتحدة.

بعض الأشخاص المصابين بالذهان يعيشون حياة متنقلة، يتنقلون بين مؤسسات وخدمات مختلفة مثل السجن، المستشفى، الشارع، ومراكز الإيواء – ويُشار إلى هذا النمط باسم “الدائرة المؤسسية”.

تقول لورمان إنهم “يسمعون أصواتاً تقول لهم إن الناس يراقبونهم”، وتُضيف أن “هناك بعض الأشخاص ضمن هذه الدائرة المؤسسية يلاحقونهم فعلاً، ويسخرون منهم، ويستهزئون بهم”.

وتُعد الأصوات الناقدة من أقوى المؤشرات التي تؤدي إلى تشخيص سريري باضطراب ذهاني. كما أن الفروقات الثقافية قد تؤثر أيضاً على كيفية تعافي الأشخاص من المرض.

ففي دراسة أخرى أُجريت على مرضى يسمعون أصواتاً في تشيناي ومجموعة من مونتريال في كندا، تمت متابعتهم على مدى خمس سنوات، تبيّن أن المرضى الهنود كانوا أكثر ميلاً لاختيار إنهاء العلاج بعد عام واحد.

كما أظهر المرضى الهنود أعراضاً سلبية أقل، وكانوا أكثر قدرة على أداء وظائفهم في المجتمع، سواء كانوا يتناولون أدويتهم أم لا.

 

المصدر: BBC