الضحك وقت الأزمات.. خلل نفسي أم حيلة دفاعية؟ ماذا يحدث داخل دماغك؟

تخيل أنك تعرضت لموقف محرج، أو لخبر مفاجئ عن حادث مؤلم، وفجأة بدلا من أن تفيض عيناك بالدموع، تشعر بقهقهة مكتومة تتسلل إلى حنجرتك ورغبة مجنونة في الضحك.

من المرجح أنك تعرف هذا الشعور القاسي: أن تكون في موقف مشحون بالتوتر والرهبة، وفجأة تشعر بتلك الرغبة العارمة في الضحك. وفي تلك اللحظة، تغمرك موجة من المشاعر من الذنب والخجل، وتتساءل بينك وبين نفسك “هل أنا شخص قاسي القلب؟ أم أن هناك خللا قد أصاب دماغي؟”.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2“إعادة تربية الذات”.. رحلة لتعويض ما افتقدته في طفولتك
  • list 2 of 2هل تصبح مقتنياتك عبئا بعد رحيلك؟ تعرف على فلسفة “تنظيف الموت السويدي”

end of list

أنت لست شخصا غريبا ولا مجردا من المشاعر. هذه الظاهرة، التي قد تبدو “محرجة” اجتماعيا، يُطلق عليها “الضحك العصبي” (Nervous Laughter)، وهي استجابة قد تحدث في المواقف التي يشعر فيها الإنسان بالتوتر أو القلق أو عدم الارتياح، ويمكن أن تساعد في تخفيف التوتر وتنظيم المشاعر الشديدة.

لماذا يضحك العقل في أوقات الحزن؟

يمكن النظر إلى الضحك العصبي باعتباره تعبيرا عاطفيا لا يتوافق ظاهريا مع طبيعة الموقف؛ إذ قد يضحك الإنسان رغم شعوره بالقلق أو الخوف أو الحرج، من دون أن يعني ذلك أنه يجد الموقف مضحكا.

وفي هذا الصدد، تشير المنصة المتخصصة في الصحة النفسية “كالم” (Calm) إلى أن الضحك العصبي يحدث استجابة للتوتر والقلق والمشاعر غير المريحة أو الشديدة، وقد يعمل بوصفه وسيلة للتكيف معها وتخفيف التوتر المصاحب لها. وفي بعض الحالات، قد يكون الضحك غير المبرر أو القهري الذي لا تمكن السيطرة عليه مرتبطا بحالة نفسية أو عصبية تستدعي التقييم الطبي، خاصة إذا كان متكررا أو مفاجئا أو مصحوبا بأعراض أخرى.

عندما يتعرض الدماغ لضغط انفعالي شديد

في اللحظات التي نتعرض فيها لخوف شديد أو صدمة خاطفة، يدخل الجسم في استجابة للتوتر تشمل تفاعلات معقدة بين الدماغ والجهاز العصبي والهرمونات، وقد تظهر معها أعراض مثل تسارع ضربات القلب والتعرق وتوتر العضلات.

ويمكن أن يأتي الضحك العصبي في مثل هذه المواقف كأحد أشكال تنظيم الانفعال وتخفيف التوتر. وتشير تفسيرات نفسية وعصبية إلى أنه قد يساعد على موازنة الاستثارة الشديدة التي يسببها الضغط النفسي، لكنّ الآلية الدقيقة وراء حدوثه لا تزال أكثر تعقيدا من اختزالها في هرمون أو منطقة واحدة في الدماغ.

يأتي الضحك العصبي في بعض المواقف كأحد أشكال تنظيم الانفعال وتخفيف التوتر
يأتي الضحك العصبي في بعض المواقف كأحد أشكال تنظيم الانفعال وتخفيف التوتر (غيتي)

آلية دفاعية

يمتد تفسير الضحك باعتباره وسيلة للتعامل مع التوتر إلى عدد من النظريات النفسية، بينما يرى بعض الباحثين المعاصرين أن الضحك العصبي قد يؤدي دورا في تنظيم الانفعالات ومواجهة القلق.

إعلان

وفي تحليل نشرته مجلة “سيكولوجي توداي” (Psychology Today) حول مسببات الضحك وقت التوتر، يُطرح الضحك العصبي باعتباره استجابة قد تساعد الإنسان على تجنب الشعور بأنه غارق تماما في القلق أو الانفعال الشديد، ومن ثم استعادة قدر من التوازن العاطفي.

الضحك لا يعني أنك لا تشعر بالألم، وقد يمنح الشخص في بعض المواقف متنفسا مؤقتا من شدة التوتر أو القلق، بما يساعده على التعامل مع الموقف والانفعالات المصاحبة له.

لماذا نضحك عندما نخاف؟

من الغريب حقا أن يختار العقل البشري صوت الفرح (الضحك) ليتعامل به مع الخوف أو المواقف الصعبة، لكنّ موقع “ميديكال نيوز توداي” (Medical News Today) يوضح أن الضحك غير المناسب للموقف قد يحدث لأسباب متعددة، من بينها القلق والتوتر، كما يمكن في حالات أخرى أن يرتبط باضطرابات نفسية أو عصبية مختلفة.

ولا يعني ظهور الضحك في موقف حزين أو مخيف بالضرورة أن الشخص يشعر بالسعادة أو يستهين بما يحدث؛ فقد يكون الضحك استجابة لاإرادية للتوتر، تماما كما قد تظهر تعبيرات عاطفية تبدو متناقضة مع الشعور الأساسي في بعض المواقف.

وفي هذا السياق، يشير تقرير صادر عن مجلس شيكاغو للعلوم والتكنولوجيا (C2ST) إلى أن الضحك العصبي رد فعل طبيعي يمكن أن يظهر عند مواجهة انفعال شديد، مثل القلق أو التوتر أو الصدمة أو الحزن، وقد يكون إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان تنظيم مشاعره وتهدئة استجابته الجسدية والانفعالية.

حقيقة “الاستجابة المعكوسة”

غالبا ما تسبّب هذه القهقهات غير المتوقعة شعورا بالحرج، خاصة إذا قرأها المجتمع كنوع من الاستهانة بمشاعر الآخرين أو عدم تقدير جدية الموقف.

لكنّ الضحك العصبي لا يعني بالضرورة قلة التعاطف أو ضعف الإحساس؛ فقد يحدث بصورة لاإرادية عندما يكون الشخص متوترا أو قلقا أو غير مرتاح. وفي الوقت نفسه، ينبغي التمييز بين الضحك العصبي العابر وبين نوبات الضحك المتكررة أو الخارجة تماما عن السيطرة، إذ قد ترتبط الأخيرة في بعض الحالات بأسباب عصبية أو نفسية تحتاج إلى تقييم متخصص.

الضحك العصبي قد يكون استجابة لاإرادية للتوتر
الضحك العصبي قد يكون استجابة لاإرادية للتوتر (بيكسلز)

كيف تتعامل مع “الضحك العصبي” دون حرج اجتماعي؟

إذا كنت ممن تنتابهم نوبات الضحك العصبي أثناء التوتر المرتفع أو المواقف المحرجة، فإليك خطوات عملية قد تساعد على التعامل مع الموقف:

التوقف عن جلد الذات: إدراك أن الضحك العصبي قد يكون استجابة لاإرادية للتوتر، ولا يعني بالضرورة أن مشاعرك الحقيقية تتوافق مع الضحك أو أنك تستهين بالموقف.

تكتيك “الانسحاب والتنفس”: بمجرد أن تشعر ببدء هذه الموجة من الضحك، خذ نفسا عميقا من البطن، ببطء وانتظام، للمساعدة على خفض التوتر والاستثارة الجسدية، واستأذن بلطف للابتعاد أو الذهاب إلى دورة المياه، على سبيل المثال.

الاعتذار والتوضيح المباشر: إذا لاحظ الآخرون ابتسامتك أو ضحكتك في موقف حزين، لا تدخل في تبريرات طويلة، بل يمكنك صياغة جملة بسيطة ومحترمة مثل: “أعتذر بشدة، ينتابني رد فعل عصبي لاإرادي عند التوتر والصدمات”، فهذه الصراحة ترفع عنك الحرج وتوضح الصورة للجميع.

إن الضحك وقت الأزمات ليس بالضرورة نقيصة أخلاقية أو دليلا على الجمود العاطفي؛ فقد يكون استجابة تلقائية للتوتر أو وسيلة لتنظيم المشاعر عندما تصبح شديدة. ومع ذلك، فإن الضحك المتكرر أو المفاجئ أو الذي يصعب التحكم فيه، خصوصا إذا ظهر من دون سبب واضح أو صاحَبته أعراض عصبية أو نفسية أخرى، يستحق استشارة الطبيب لمعرفة سببه.

إعلان

 

المصدر: الجزيرة