العلاج النفسي: كيف يُغيّر نظرة الإنسان؟ بي بي سي تراقب حياة 3 مرضى

دخلت نيكول غرفة المعالج النفسي وأمسكت بما تسميه وسادة العناق. اعترفت بتوترها من الجلوس مع شخص غريب لمناقشة صحتها النفسية.

تبلغ نيكول من العمر 31 عاماً، وتعيش في لندن وتعمل مساعدة أخصائي تقويم العمود الفقري. لكنها تعاني من القلق أثناء قيادة السيارة.

تقول “هناك الكثير من الأشياء التي تدور في ذهني بسرعة وأنا أقود سيارتي”.

“كم تبعد المسافة؟ ما هو الطريق الذي يجب أنا أخذه؟ بطريقة ما، نسيت كيفية القيادة”.

البحث في أعماق العقل

تابعت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي 12 شخصاً، شاركوا في سلسلة تدعى “غيّر عقلك، غيّر حياتك”، وتلقّى كلٌّ منهم ست جلسات دعم من مُعالجين نفسيين.

استخدم المُعالجون النفسيون مزيجاً من أساليب العلاج بالكلام المُختلفة، بما في ذلك العلاج السلوكي المعرفي الذي يُركز على تغيير طريقة تفكيرنا وسلوكنا، إلى جانب تقنيات أخرى لتحسين العلاقات ومعالجة الصدمات.

يقول أوين أوكين، الذي عمل في هذا المجال لمدة 25 عاماً “لا تتقيد بعقلك الذي ولدت به”.

يصف وظيفته بأنها أشبه بالتحقيقات: “يأتي الناس بقصة تبدو معقولة، لكن الشيء المثير للاهتمام هو أن القصة والمشاعر لا تتطابقان في كثير من الأحيان. أعتقد أن ما نقوم به هو البحث والتقصي قليلاً”.

“كرهت نفسي تماماً”

خلال جلساتهما، يغوص أوين بشكل أعمق في قلق نيكول. في لحظة مؤثرة، تنهمر دموعها وتعترف بأنها في الماضي كانت “تكره نفسها تماماً”. تعيش قلقاً اجتماعياً مستمراً، حيث تقلق بشأن نظرة الآخرين لها وتخشى أن تقول شيئاً خاطئاً، وتبيّن: “لا أشعر بأنني جيدة بما يكفي لأكون هناك. قد أرتكب خطأً. أحتاج إلى أن يحبني الناس”.

ويطرح أوين تساؤلات حول سبب شعورها بهذه الطريقة: “نحن كبشر نحب المشاعر الإيجابية، نحب الشعور بالسعادة والفرح والوقوع في الحب”. لكنه يشير إلى أن بعض الأشخاص يحاولون تجنب أو قمع مشاعر مثل الخوف والرعب والحزن، مما قد يؤدي إلى القلق. وبدلاً من ذلك، يرى أن من الأفضل تقبّل هذه المشاعر والاعتراف بها كأحاسيس طبيعية وآمنة.

عندما يصل الناس إلى تلك المرحلة، يقول إنهم يبدأون في الشعور بالقوة: “يدركون أنهم لن ينهاروا أمام مشاعرهم.”

وهي تتحدث خارج غرفة العلاج، تقول نيكول: “أنا مصدومة. لقد فهمني على الفور. كنت أرى الهشاشة أمراً سلبياً، لكنها ليست كذلك”.

وعندما طُلب منها وصف نفسها، استخدمت كلمات مثل اللطف، والتأمل، والعزيمة، والحماس وقالت لأوين “أنا لستُ شخصاً سيئاً”.

يقول أوين إن هذا أمر شائع بين العديد من الأشخاص الذين يعالجهم: “عندما يصل الناس إلى هذه النقطة الفاصلة، عندما يستيقظون ويدركون ما يفعلونه، تكون لحظة ذهبية بالنسبة لي”.

“أصبتُ بسكتة دماغية في أوائل الثلاثينيات من عمري”

تعلم جيمس أن يفكر في نفسه بشكل مختلف بفضل العلاج.

وقد حظي بدعم البروفيسور ستيف بيترز، وهو طبيب نفسي يُوضح أن السعي للكمال هو أساس مشاكله ويقول “إذا اعتقدنا أن ارتكاب خطأ هو نهاية العالم، فإن ذلك يجعلنا مثل المشلولين”.

كان جيمس رياضياً في السابق، يلعب كرة القدم بشكل شبه احترافي وينافس في ألعاب القوى قبل أن يتخصص في رياضة الزلاجة الجماعية (بوبسلي).

وكان يتدرب بشكل تجريبي مع منتخب بريطانيا عندما أُصيب بسكتة دماغية قبل ثماني سنوات. يقول “بلمح البصر، فقدت كل شيء”.

وهو الآن يخشى من ضعف أدائه في العمل وفقدان وظيفته.

خلال الجلسات، يشرح البروفيسور بيترز أن سرّ النجاح يكمن في النظام العقائدي لجيمس (أي ما يؤمن به):

أولا، يُقدّم البروفيسور بعض النصائح البسيطة: “ضع قدميك على الأرض، وانهض، وامشِ”.

ويحاول بيترز التركيز على المهمة الأساسية للحركة—وفي حالة جيمس، التحرك ليتمكن من الذهاب إلى العمل—يساعد الأشخاص الذين يعانون من التفكير الكارثي على تجاوز الأفكار السلبية التي تمنعهم من اتخاذ أي خطوة.

في الجلسات اللاحقة، يستكشف جيمس والبروفيسور بيترز ما قد يكون وراء مشاكله. يروي جيمس للبروفيسور بيترز عن طفولته وكيف كان والده ينتقده لحثّه على التحسن.

يُخبر البروفيسور، جيمس أنه بحاجة إلى “التصالح مع نفسه” من خلال التعريف بنفسه لا بالأداء بل بالقيم والسلوكيات. ويطلب هو أيضاً من جيمس أن يصف نفسه، فيُجيب جيمس بأنه مُجتهد، صادق، مُرحّب، ودود، ويُعطي الأولوية للآخرين.

لكن مع مرور جلساته، تتغير طريقة تفكير جيمس ويقول “أستطيع أن أنظر إلى نفسي في المرآة وأن أشعر بقيمتي ومكانتي”.

“توفيت أمي عندما كنت في الخامسة عشرة من عمري”

تختلف معاناة أنجالي بعض الشيء. تتعلق بحدث صادم في طفولتها – توفيت والدتها فجأة عندما كانت في الـ 15 من عمرها.

تعاني من ليالٍ بلا نوم، وضيق في الصدر، وانفصال عاطفي. وتقول انجالي، 34 عاماً، “إن الأمومة أعادت فتح كل ما حاولتُ كبتهُ”.

كان إنجاب طفلها الأول مؤلم بشكل خاص. أصيبت بتسمم الدم – وهي الحالة التي توفيت بسببها والدتها – وقالت “ظننتُ أني لن أنجو”.

وتشرح المعالِجَة النفسية، جوليا صموئيل، لأنجالي أنها لم تستطع استيعاب ما حدث، ونتيجة لذلك، بقيت الصدمة معها.

عندما توفيت والدتها، كانت أنجالي في منتصف امتحاناتها، وكان لديها شقيقان أصغر منها سناً، ما تركها بلا وقت للحزن.

تقترح جوليا علاج إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة، وهو علاج يستخدم الحركة لمساعدة الناس على معالجة الأحداث المؤلمة والتعافي منها.

 

المصدر: BBC