في زمن يتسارع فيه نمط الحياة وتزداد فيه مشاعر الوحدة رغم الاتصال الدائم، تظل العلاقات الإنسانية عنصرا أساسيا في معادلة الصحة العامة ورفاهية الإنسان. وهنا يبرز مفهوم “العلاقات الشافية”، وهو مصطلح يشير إلى الروابط الإنسانية التي لا تمنحنا دفء المشاركة الوجدانية فحسب، بل تُسهم فعليا في التعافي، النفسي والبدني، وتحسين جودة الحياة.
ما هي العلاقات الشافية؟
بحسب موقع “غروينغ سيلف – Growing Self”، تُعرّف العلاقات الشافية بأنها العلاقات التي تساعد الإنسان على استعادة الشعور بالأمان والثقة بعد تجارب مؤلمة، سواء كانت صدمات عاطفية، أو علاقات سابقة مؤذية، أو فترات طويلة من العزلة. في هذا النوع من العلاقات، لا يقوم الشفاء على “إنقاذ” أحد الطرفين للآخر، بل على الحضور المتوازن، والإنصات، والاحترام المتبادل.
وبالتالي، فالعلاقة الشافية تتيح للفرد أن يُرى ويُسمَع دون أن يواجه أحكاما من الآخرين، وأن يختبر القرب الإنساني دون خوف من الرفض أو الاستنزاف. ومع الوقت، تُسهم هذه التجربة في إعادة تشكيل أنماط التعلّق والثقة، ما ينعكس على الصحة النفسية والاستقرار العاطفي، والصحة البدنية بالتبعية.
ولكن ما شروط العلاقات الصحية التي بإمكانها أن تسهم في تعافيك، بدنيا ونفسيا، حتى نستطيع تسميتها بـ”العلاقات الشافية”؟

المكونات أساسية للعلاقة الشافية
بعض العلاقات التي تستنزف طاقتنا وتعرضنا لضغوطات نفسية قد تسبب لنا بالتالي أمراضا جسدية كذلك، في المقابل فإن العلاقات المبنية على الحب والدعم سواء بين أفراد العائلة أو الأصدقاء أو الزملاء تعزز جهاز المناعة وتؤخر المرض والوفاة، وفقا للدراسات. وبحسب مجلة “سايكولوجي توداي”، أظهرت دراسة نشرتها جامعة كارنيجي ميلون في العقد الماضي، أن الدعم الاجتماعي والإحساس بالانتماء يُقللان من التوتر وأمراض القلب ويُحسّنان جودة الحياة.
وتُعد مشاعر الثقة والصدق والتعاطف العناصر الثلاثة الأساسية للعلاقات الشافية:
1- الثقة: عندما تشعر مع الآخر بالأمان النفسي والجسدي، وعندما تجد أنك لست مضطرا للحذر من التعرض للأذى من الطرف الآخر.
2- الصدق: عندما تتمكن من أن تقول “يمكنني أنا والطرف الآخر التعبير عن مشاعرنا الحقيقية دون أن يلحق أي منا ضررا بالآخر نتيجة لذلك”.
3- التعاطف: عندما يكون لديك أنت والطرف الآخر القدرة والرغبة في فهم بعضكما البعض والتعبير عن اللطف المتبادل.
العلاقات والدعم الاجتماعي: لماذا نحتاج الآخرين؟
لأننا لا نحيا حياة سوية بدون علاقات، يُعتبر “الدعم الاجتماعي” عنصرا أساسيا في الصحة النفسية والجسدية. وقد وجدت الأبحاث العلمية بحسب موقع “إيفري داي هيلث (Everyday Health)” للصحة العامة، أن وجود أشخاص يمكن الاعتماد عليهم في أوقات الشدة يقلل من الإحساس بالضغط، ويعزز القدرة على التكيف مع الأزمات، سواء كانت نفسية أو صحية.
كما أن الدعم الاجتماعي لا يقتصر على تقديم النصائح أو المساعدة العملية، بل يشمل الشعور بأن هناك من يهتم، ومن يشاركك التجربة الإنسانية ذاتها، وعادة ما يكون هذا وحده كافيا.
هذا الإحساس يقلل من الشعور بالوحدة، التي تُعد – بحسب تقارير صحية – عامل خطر صامت يؤثر سلبًا على القلب والمناعة والصحة العقلية.

الصداقة ضرورة وليست رفاهية
لا يتوقف تأثير العلاقات الداعمة على تعزيز الصحة العقلية والبدنية بشكل فوري فحسب، بل يتضح أيضا أن الصداقات القوية ترتبط بتحسين الصحة العامة على المدى الطويل.
فالأشخاص الذين يمتلكون علاقات اجتماعية مستقرة أقل عرضة للاكتئاب، وأكثر قدرة على التعامل مع الضغوط اليومية، كما يميلون إلى تبني عادات صحية أفضل خلال حياتهم.
وبحسب مجلة “مايو كلينك (Mayo Clinic)” الطبية، تمنح الصداقة الإنسان إحساسا بالانتماء وشعورا بوجود هدف في الحياة، وهذان عنصران أساسيان في التوازن النفسي. كما أن وجود أصدقاء داعمين يساعد على تجاوز مراحل صعبة مثل المرض أو فقدان العمل أو التغيرات الحياتية الكبرى.
ما تأثير العلاقات على الجسد؟
بحسب تقرير لموقع “بي بي سي فيوتشر (BBC Future)”، فإن تأثير العلاقات لا يتوقف عند المشاعر بشكل رئيسي، بل يمتد إلى آليات بيولوجية واضحة في الجسم. فالشعور بالدعم والارتباط يقلل من استجابات التوتر المزمن التي تُعد من أبرز العوامل المرتبطة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم.
ويشير التقرير إلى أن العلاقات الإيجابية تُسهم في تهدئة الجهاز العصبي، بينما يؤدي الشعور بالوحدة أو التوتر الاجتماعي المستمر إلى استجابات جسدية ضارة، كزيادة الالتهابات والجذور الحرة المسؤولة عن الشيخوخة والأمراض، وكذلك تسبب اضطراب النوم. من هذا المنطلق، تصبح العلاقات الصحية عنصرا وقائيا لا يقل أهمية عن النوم أو التغذية الصحية المتوازنة لعمر طويل وصحة أفضل.
العلاقات الشافية أصبحت عملة نادرة
بالرغم من كل ذلك، تسبب نمط الحياة المعاصر، القائم على الانشغال الدائم والتواصل الرقمي السريع، في جعل بناء علاقات عميقة مهمة أكثر صعوبة من أي وقتٍ مضى. فالكثير من الروابط والعلاقات اليوم باتت سطحية وعشوائية، بينما تتطلب العلاقات الشافية وقتا وجهدا والتزاما وحضورا واستعدادا للإنصات.
كما أن الخوف من التعلّق أو تكرار الأذى العاطفي يدفع بعض الأفراد إلى الانسحاب من العلاقات، رغم حاجتهم العميقة إليها. وهنا تبرز أهمية الوعي بأن الشفاء لا يحدث في العزلة، بل في علاقات آمنة ومتوازنة، وفي المحاولة وتكرار المحاولة. ولتحقيق هذه المعادلة الصعبة، يمكن اتباع خطوات أساسية أبرزها:
- الاستثمار في العلاقات القائمة بدل السعي الدائم لعلاقات جديدة سطحية.
- التواصل الصادق والتعبير عن الاحتياجات بوضوح.
- احترام الحدود المتبادلة وعدم تحميل العلاقة ما يفوق طاقتها.
- الانخراط في مجتمعات صغيرة تشترك في الاهتمامات أو القيم.
- إدراك أن العلاقات الشافية تُبنى بالتدرج، لا بالاندفاع.
هذه الخطوات لا تضمن علاقات مثالية، لكنها تفتح المجال لعلاقات أكثر صحة وصدقا، وبلا شك ستساعدك في إيجاد العلاقة الشافية التي تعود عليك وعلى الآخرين بالسعادة والعافية، نفسيا وبدنيا.
المصدر: الجزيرة