الغبار النووي.. ما مصطلح ترمب الغامض ولماذا يستحيل استخراجه من تحت الأنقاض؟

في خضم الحرب الدائرة والمفاوضات المعقدة، يكرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مصطلحا تحدث عنه أكثر من مرة ضمن شروطه لإنهاء الحرب على إيران، إنه “الغبار النووي”، الذي قال مرارا إنه سينقل إلى أمريكا.

وفي الأسبوع الماضي، صرح ترمب أمام حشد في أريزونا، قائلا: “ستحصل الولايات المتحدة على كل الغبار النووي.. هل تعرفون ما الغبار النووي؟ إنه تلك المادة البيضاء المسحوقة التي خلقتها قاذفات (بي-2) الخاصة بنا”.

يروج الخطاب السياسي لفكرة أن القنابل الأمريكية دمرت البرنامج النووي الإيراني العام الماضي لدرجة أنه لم يتبقَّ منها سوى مادة مسحوقة. لكن، وبعيدا عن هذا التبسيط، تُجمع تقارير عدة على أن هذا المصطلح غير دقيق علميا، وأن عملية استخراج هذا المخزون “تحت النار” تعد مهمة شديدة التعقيد وتكاد تكون مستحيلة.

مصطلح “الغبار”

بحسب صحيفة نيويورك تايمز” وشبكة “سي إن إن”، فإن مصطلح “الغبار النووي” لا يستخدم بتاتا في الصناعة النووية، وإن عددا من الخبراء أكدوا أنهم لم يسمعوا به من قبل.

بدوره، اعتبر المدير الأول في مركز “سكوكروفت” للإستراتيجية والأمن، ماثيو كرونيغ، أن هذا المصطلح ليس سوى “أسلوب ترمب الاستعراضي في التعبير”.

المادة المقصودة، بحسب “نيويورك تايمز”، “ليست غبارا على الإطلاق”، بل هي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من الـ90% المطلوبة لصنع قنبلة نووية.

تحفظ هذه المادة في أسطوانات بحجم خزانات الغوص، وتكون غالبا على شكل “غاز”، رغم أنها تتحول إلى الحالة الصلبة في درجة حرارة الغرفة. وهي مادة متطايرة وشديدة السمية إذا لامست الرطوبة.

وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بلغ مخزون إيران نحو 440 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب حتى 60% بحلول منتصف عام 2025.

وتعد هذه النسبة قفزة هائلة مقارنة بسقف 3.67% الذي كان مسموحا به للأغراض المدنية بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) الذي انسحبت منه الولايات المتحدة.

إعلان

ويشرح فرانسوا دياز-مورين، محرر الشؤون النووية في “نشرة علماء الذرة”، في تقرير لشبكة “سي إن إن”، أن الوصول إلى نسبة 60% يعني أن الجزء الأكبر من العمل التقني اللازم لبلوغ درجة 90% (المستوى العسكري) قد أُنجز بالفعل.

President Donald Trump listens in the Oval Office of the White House, Saturday, April 18, 2026, in Washington. (AP Photo/Julia Demaree Nikhinson)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كرر مرارا استخدام مصطلح الغبار النووي (أسوشيتد برس)

ثغرات في الفهم التقني

ويشرح مدير دراسات الدفاع والسياسة الخارجية في “معهد كاتو”، جاستن لوغان، أن ما يسميه ترمب اليوم “الغبار النووي” لم يكن موجودا عندما كان الاتفاق النووي ساريا في بدايته، لأن إيران كانت ملتزمة بتخصيب منخفض. لكن بعد أن انسحبت إدارة ترمب من الاتفاق، بدأت طهران تردّ برفع نسبة التخصيب خطوة بعد أخرى، فظهر هذا المخزون الذي يطالب به ترمب الآن.

أبعد من ذلك، يشير تقرير لشبكة “سي إن إن” إلى وجود ثغرات كبيرة في فهم فريق التفاوض الأمريكي للجوانب التقنية.

وتوضح مديرة سياسة حظر الانتشار في رابطة الحد من الأسلحة كيلسي دافنبورت، أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف أظهر خلطا بين المفاعلات النووية ومنشآت التخصيب، وأبدى قلقا من وجود 45 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% في مفاعل أبحاث، رغم أن هذه الكمية “لا تكفي لصنع قنبلة واحدة”، وتحتاج لعمليات تحويل وتخصيب معقدة.

ويعلق المحلل في مركز الحد من الأسلحة، كونور موراي، بأن هذا النقص في الفهم التقني ربما قاد لاتخاذ قرارات عسكرية بناء على معلومات غير دقيقة.

منشأة نطنز النووية كما تبدو في صور أقمار صناعية تُظهر أضرارًا جديدة بالمباني بين 1 و 2 مارس/آذار الجاري
منشأة نطنز النووية كما تبدو في صور أقمار صناعية تُظهر أضرارًا جديدة بالمباني، 1 و2 مارس الماضي (رويترز)

المهمة “شبه المستحيلة”

ميدانيا، تبرز مشكلة كبرى تجعل المهمة شبه مستحيلة، فقد أدت الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو/حزيران 2025 على 3 مواقع نووية (أصفهان، وفوردو، ونطنز) إلى دفن الجزء الأكبر من هذا المخزون تحت ركام مجمع أصفهان.

ويصف لوغان فكرة إرسال فريق لاستخراج المادة أثناء الحرب بأنها “مجنونة”، مضيفا أن المهمة تتطلب “العديد من المهووسين بالعلوم، غير البارعين في قتل الناس”.

ويؤكد لوغان أن الاستخراج سيكون بالصعوبة ذاتها على الإيرانيين أيضا، فالولايات المتحدة تضع الموقع تحت المراقبة المستمرة، والمادة شديدة التقلب، وحالة حاوياتها تحت الأرض مجهولة، مما يمنع طهران من نقلها سرا تحت جنح الظلام.

وتفصل مجلة “نيوزويك” حجم هذه التعقيدات على لسان فرانك روز، النائب السابق لمدير الإدارة الوطنية للأمن النووي الأمريكية، الذي يؤكد أن العملية “ليست مهمة تستغرق أسبوعا”.

ولتنفيذها، تحتاج واشنطن إلى السيطرة العسكرية الكاملة على الموقع، ونشر نحو 15 ألف جندي، وإحضار جرافات وطائرات شحن من طراز “سي-130″، في عملية قد تستغرق أشهرا.

ويكمل المدير السابق لمركز الحد من التسلح في حلف الناتو، ويليام ألبيرك، تفاصيل هذا السيناريو المعقد لـ”نيوزويك”: يجب على الحفارات أولا فتح أنفاق سدتها الضربات، ثم يقوم علماء الجيولوجيا بتقييم سلامتها من الانهيار. بعدها، يجب تحديد موقع اليورانيوم وفحص سلامة الحاويات، وإذا كانت متضررة، يجب نقل المادة المتطايرة إلى حاويات جديدة قبل تحميلها وإخراجها.

الخلاصة

بينما يطالب ترمب بتسليم “الغبار النووي”، تؤكد المعطيات الفنية أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي للتعامل مع هذا الملف، حيث تشير تقارير “نيوزويك” و”سي إن إن” إلى أن تدمير المنشآت لا يلغي المعرفة أو القدرة النظرية لإيران على إعادة بناء برنامج التخصيب متى ما أرادت.

إعلان

ويختتم فرانسوا دياز-مورين، بحقيقة إستراتيجية ملخصها أنه: “لا يمكنك تدمير فكرة أو برنامج أو معرفة بالقنابل… قد يكون لدى الإيرانيين الآن، أكثر من أي وقت مضى، حافز لتسريع أي برنامج يمتلكونه”.

 

المصدر: الجزيرة