في أول يوم دراسي له، وقف ابني ياسين في فناء المدرسة تائها، يلتفت يمينا ويسارا، تشتد قبضة أصابعه الصغيرة على يدي، بينما تتساءل عيناه الدامعتان في صمت: هل ستتركينني وحدي؟
تكرر المشهد في الأيام التالية: قلق عند باب المدرسة وانتظار طويل للحظة عودتي، ومشاعر متضاربة بين رغبته في خوض تجربته الجديدة وخوفه من الابتعاد عني وعن روتينه اليومي.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
لم يكن ما يمر به ياسين أمرا استثنائيا، فالقلق المصاحب لبداية العام الدراسي ولحظات الوداع المؤثرة والخطوات المترددة نحو الصف، أمور شائعة بين الأطفال، وقد يظهر القلق المدرسي كذلك في مراحل عمرية مختلفة.

لماذا يشعر الأطفال بالقلق مع بداية الدراسة؟
لفهم ما هو طبيعي وما يستحق مزيدا من الاهتمام، توضح المستشارة النفسية الدكتورة وفاء أبو موسى للجزيرة نت أن اختلاف الأطفال في استجابتهم لبداية المدرسة أمر طبيعي، ولا يعني قلق الطفل أنه ضعيف أو غير قادر على التكيف، مشيرة إلى أن الأمر يتعلق بعوامل عدة، من بينها، طبيعة شخصية الطفل وخبراته السابقة ومدى شعوره بالأمان وعلاقته بالوالدين وقدرته على التعامل مع التغيير، إضافة إلى طبيعة البيئة المدرسية نفسها، لذلك قد يحتاج الطفل الأكثر حساسية أو حذرا إلى وقت أطول للتأقلم.
ومن هنا، تؤكد وفاء أهمية عدم مقارنة الطفل بغيره بعبارات مثل: “انظر، الأطفال الآخرون لا يبكون”، بل يجب تعزيز شعوره بالأمان ومساعدته تدريجيا على اكتساب الثقة في قدرته على مواجهة المواقف الجديدة.
أخطاء الأهل قد تزيد القلق
ومن ناحية أخرى، تشير المستشارة النفسية إلى عدد من السلوكيات التي قد يمارسها الوالدان بدافع الحب والحماية، لكنها قد تؤدي إلى ترسيخ قلق الطفل وتعزيز مخاوفه دون قصد، فالأم التي تقول لطفلها “لا تخف” بينما تبدو شديدة التوتر عند تركه أو تطيل البقاء أمام المدرسة، قد تنقل إليه رسالة غير لفظية مفادها أن المكان غير آمن بالفعل ويستدعي الخوف.
كذلك، فإن المبالغة في طمأنة الطفل أو الاستجابة المتكررة لبكائه بإعادته إلى المنزل قد تعلمه أن الهروب هو الطريقة المناسبة للتعامل مع القلق. وتحذر وفاء أبو موسى أيضا من التقليل من مشاعر الطفل أو مقارنتها بمشاعر أقرانه، مشددة على حسن الاستماع إليه ومحاورته حول أفكاره ومخاوفه واحتياجاته.
كما تنصح بتجنب التسلل أو الوداع المطول والوعود غير الصادقة، فإذا أخبرت الأم طفلها بأنها ستنتظره خارج الفصل ثم اكتشف أنها غادرت، فقد يفقد شعوره بالأمان والثقة، والأفضل أن يكون الوداع هادئا وواضحا مع إخباره بموعد العودة والالتزام به.

القلق لا يختفي مع العمر فقط تتغير دوافعه
لا يقتصر القلق المدرسي على السنوات الأولى، وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن مصادر القلق تختلف باختلاف أعمار الطلاب واحتياجاتهم، فبينما يرتبط القلق لدى الأطفال الأصغر سنا بالانفصال عن الوالدين ومخاوف المدرسة، تزداد لدى الأكبر سنا والمراهقين المخاوف الاجتماعية والضغوط الأكاديمية.
ففي المرحلة المتوسطة، قد يتركز القلق على تكوين الصداقات والاندماج وقبول الأقران والخوف من الرفض أو الإحراج، وقد تزداد حدته بعد تجربة تنمر سابقة أو مع التغيرات الجسدية والنفسية المصاحبة لهذه المرحلة.
أما في المرحلة الثانوية، فتبرز المخاوف المرتبطة بالأداء الدراسي والدرجات والخوف من الفشل أو عدم تحقيق التوقعات، إلى جانب مشكلات صورة الذات والهوية الاجتماعية.
كذلك، قد تزيد الانتقالات المدرسية وتغيير الصفوف أو مجموعات الأصدقاء والعودة إلى المدرسة بعد غياب طويل بسبب المرض أو العطلات والتغيرات الأسرية من حدة القلق في أي مرحلة دراسية.
متى يستدعي القلق التدخل؟
غالبا ما يكون القلق في بداية المدرسة مؤقتا ويتلاشى مع اعتياد الطفل على البيئة الجديدة، لكنّ وفاء أبو موسى توضح أن الأمر قد يستدعي استشارة اختصاصي نفسي إذا كان القلق شديدا أو مستمرا أو يتفاقم مع الوقت ويؤثر في الدراسة أو النوم أو العلاقات.

ومن العلامات التي ينبغي الانتباه إليها، الرفض المتكرر للذهاب إلى المدرسة، ونوبات الخوف الشديدة والصداع الصباحي وآلام البطن والغثيان المتكرر دون تفسير طبي واضح، إضافة إلى الانسحاب من الأصدقاء والأنشطة أو التراجع الملحوظ في المشاركة والأداء الدراسي.
كيف يمكن للوالدين المساعدة؟
وفق خبراء التربية، يمكن للوالدين تهيئة الطفل الأصغر قبل بدء الدراسة من خلال:
- التدريب تدريجيا على الانفصال: عن طريق قضاء الطفل بعض الوقت بعيدا عن المنزل لدى أقارب موثوقين.
- التحدث عن المدرسة بإيجابية: كأن تقول له مثلا: ستلعب بألعاب جديدة، وسيقرأ لك معلمك قصصا ممتعة، وسيكون لك أصدقاء جدد.
- زيارة المدرسة إن أمكن: اصطحب طفلك لاستكشاف الفصول الدراسية والتعرف على المعلمين ومشاهدة منطقة اللعب وتحديد أماكن دورات المياه وأماكن تناول الوجبات الخفيفة، هذه الألفة تساعد الأطفال على الشعور بالأمان في أول يوم دراسي.
- وضع روتين منظم في وقت مبكر: قد يؤدي التغيير المفاجئ في الروتين إلى زيادة التوتر، لذا، لا تنتظر حتى اليوم الأول، عدل موعد نوم طفلك واستيقاظه تدريجيا قبل أسبوع أو أسبوعين على الأقل من بدء الدراسة.
- اقرأ لطفلك كتبا عن اليوم الأول من المدرسة: يمكن للقصص التي تتناول تجربة بدء المدرسة أن تساعد طفلك على فهم مشاعره والتحدث عنها.
- تقديم كلمات التشجيع والدعم: قد لا تتمكن من حل جميع مخاوف طفلك، لكنْ يمكنك أن تطمئنه وتخبره بأن الشعور بالقلق أمر طبيعي، وأنه ليس وحيدا في هذا.

أما الأطفال الأكبر سنا والمراهقون، فيحتاجون إلى مساحة أكبر للتعبير عن مخاوفهم، لذلك من المهم الاعتراف بمشاعرهم بدلا من تجاهلها أو التقليل منها، وطرح أسئلة مفتوحة تساعد على فهم ما يزعجهم، مع تأكيد الثقة في قدرتهم على تجاوز القلق.
ومن المفيد أيضا التخطيط مسبقا للمواقف التي قد تثير توترهم، وتشجيعهم على التفكير في حلول محتملة من خلال أسئلة مثل “إذا حدث كذا، فماذا يمكنك أن تفعل؟” ويمكن ممارسة هذه المواقف من خلال لعب الأدوار، بما يعزز ثقتهم في قدرتهم على التعامل معها.
وأخيرا، يمكن تعليم ابنك بعض مهارات التأقلم، مثل تمارين التنفس البسيطة أو ممارسة تمرين “استنشاق الوردة وإطفاء الشمعة”، فيستنشق ببطء كما لو كان يشم زهرة، ثم يخرج الزفير ببطء كما لو كان يطفئ شمعة.
المصدر: الجزيرة