في بداية العام الدراسي، فوجئت الأم بكلام ابنتها عن الزميلة الجديدة التي تعرفت إليها: “إنها ممن يفضلون الجلوس في المقاعد الأمامية بالصف، أنت تعرفين، لا أظن أننا سنتفق”.
كتمت الأم كلمات الاستنكار التي كانت على وشك النطق بها عن سبب عدم تفضيل ابنتها الجلوس في الأمام، وسألتها بتمعن: ماذا تقصدين؟ فاستفاضت الابنة في شرح دلالة أن يكون الطالب من هواة الجلوس في المقاعد الأمامية: “إنهم متفوقون، يركزون، لا يثرثرون، ولا يفضلون التسكع ولا حديث القيل والقال وفي النهاية يكونون من المفضلين لدى المعلم لأنهم يحصلون على أعلى الدرجات”.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ربما لهذه الأسباب يحرص الكثير من الآباء على أن يجلس صغارهم في المقاعد الأمامية في الصف الدراسي. ولكن هل الجلوس في المقعد الأمامي هو الذي يساعد الطلبة على التفوق، أم أن الطالب المتفوق هو من يختار الجلوس في المقعد الأمامي؟

ماذا تقول الدراسات؟
بمراجعة سريعة لعدد من الدراسات العلمية التي أجريت خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، نجد أن هناك ارتباطا بالفعل بين الجلوس في المقاعد الأمامية وارتفاع الأداء الأكاديمي، إلا أنه لا توجد أدلة كافية للقول إن الجلوس في المقعد الأمامي بحد ذاته يسبب التفوق الدراسي.
ويفسر الباحثون ذلك من خلال احتمالية أن الطالب المتفوق أو الأكثر دافعية وانتباها ومشاركة قد يختار أصلا الجلوس في الأمام، أي أن الدافعية قد تكون عاملا مشتركا يفسر جزءا من العلاقة.
في دراسة كينية منشورة في عام 2013، توصلت إلى النتائج الأبرز في هذا الموضوع، لأنها وجدت علاقة قوية بين المقعد الأمامي والتعلم لدى تلاميذ الصف السادس. وشملت الدراسة 1907 تلاميذ من الصف السادس في 72 مدرسة ابتدائية، وتابعت التلاميذ على مدى نحو 10 أشهر. ووجدت أن الجلوس في الصف الأمامي ارتبط بزيادة في مكاسب التعلم تراوحت بين 5% و27% مقارنة بالصفوف الأبعد.
دراسة أخرى منشورة في عام 2018 في مجلة “ساينس دايركت”، أجريت على 559 طالبا من الصف الرابع إلى السادس، درست تأثير الزملاء القريبين من الطالب في الفصل. ووجدت أن التحصيل والمشاركة الأكاديمية يتأثران بالطلاب الذين يجلسون بالقرب من الطفل، خصوصا إذا كانوا أصدقاء، ما يشير إلى أن من يجلس بجانب الطفل قد يكون مهما أيضا، وليس فقط كونه في الأمام أو الخلف.

ومقارنة بالدراسات التي أجريت على طلبة المدارس، فإن الدراسات التي أجريت على الطلبة الجامعيين عددها أكبر. ونتائجها أكثر منطقية لأن طلبة الجامعات يكون لديهم حرية أكبر في اختيار مكان جلوسهم مقارنة بالطلبة في المدارس التي يكون فيها للمعلم سلطة في تحديد المقاعد ومن يجلس عليها، وقد يجلس الطفل في الأمام لأسباب تتعلق بالنظر أو السمع أو السلوك أو احتياجات تعليمية، بينما في الجامعة يكون اختيار المقعد غالبا أكثر حرية.
طلاب الجامعات
توصل الباحثون في دراسة صينية نُشرت في مجلة “سيج أوبن” في عام 2025، وشملت 131 فصلا دراسيا في 17 كلية، إلى وجود علاقة ذات دلالة إحصائية بين موقع جلوس الطالب وأدائه الأكاديمي؛ إذ كان تأثير موقع الجلوس أكثر وضوحا في الفصول ذات العمق الأكبر، كما ارتبطت كثافة الطلاب وحجم الفصل بالأداء الأكاديمي.
وخلصت دراسة يابانية منشورة في عام 2017، إلى أن الطلاب ذوي الأداء الأكاديمي المرتفع لم يكونوا بالضرورة ممن يختارون الصف الأول، ما يؤكد أن العلاقة ليست بسيطة أو مباشرة بين التفوق الدراسي ومكان الجلوس.
وأشارت الدراسة إلى أنه على الرغم من أن الطلاب ذوي الدرجات المتدنية يجلسون عادة في مقاعد تتسم بانخفاض مستوى التفاعل، فإن الطلاب ذوي الدرجات الجيدة لا يختارون المقاعد ذات “التفاعل العالي”، بل يفضلون الجلوس في مقاعد ذات “مستوى تفاعل متوسط”. أما الطلاب ذوو المستوى المتوسط، فلم يظهر لديهم ميل واضح لمكان محدد.
ولم يتمكن الباحثون من إيجاد علاقة مباشرة بين الأداء الأكاديمي لكل طالب ومكان الجلوس المفضل لديه، لا سيما في حالة الطلاب المتفوقين دراسيا.
ومع ذلك، فإن أماكن الجلوس التي يفضلها الطلاب ذوو الدرجات المتدنية كانت تتماشى غالبا مع الأنماط السائدة التي ورد ذكرها في تقارير عديدة. وتشير نتائج الدراسة إلى إمكانية تحديد الطلاب المعرضين لخطر الرسوب بناءً على أماكن جلوسهم في الفصل الدراسي؛ ما يساعد في التعرف على الطلاب المحتمل تعثرهم دراسيا، ويتيح اتخاذ إجراءات علاجية في مرحلة مبكرة.

كما وجدت دراسة منشورة في مجلة “بلوس ون” في عام 2020، وشملت 1364 طالبا، ارتباطا بين البعد عن المدرس وانخفاض الدرجات؛ إذ انخفض متوسط الدرجة بنحو 0.75 نقطة مئوية لكل صف بعيدا عن المدرس. لكن الباحثين أشاروا إلى أن العلاقة قد تكون جزئية بسبب أن الطلاب الأكثر دافعية هم الذين يختارون المقاعد الأمامية.
في المقابل، لم تجد دراسة تابعت 1138 طالبا جامعيا على مدى 10 سنوات أن موقع المقعد، بما فيه المقعد الأمامي، يحدث فرقا ذا دلالة في الأداء الأكاديمي. وبحثت الدراسة تأثير العوامل البيئية، وتحديدا موقع الجلوس ونوع الجلوس على أداء الطلاب من المرحلة الجامعية الأولى في إدارة الأعمال خلال دورة التخرج.
وأكدت النتائج أن أداء الطلاب لا يتغير بشكل كبير حسب موقع الجلوس أو نوع الجلوس.
دراسة أخرى شملت 1829 طالبا في 70 مقررا وجدت أن الطلاب الجالسين في المناطق الأكثر مركزية في قاعة الدرس حصلوا على درجات أعلى وحضروا بصورة أكثر انتظاما، ولكن ليس بالضرورة أن يكون السبب الجلوس في الصف الأول تحديدا.
كما وجدت دراسة في هونغ كونغ منشورة في عام 2021، شملت 182 طالبا جامعيا أن العلاقة بين موقع الجلوس والأداء تختلف حسب التخصص؛ فظهرت فائدة الجلوس في الأمام لدى بعض التخصصات، بينما لم يظهر تأثير في تخصصات أخرى.

الرغبة في التفوق
يمكن القول إن الطالب المتفوق يميل إلى الجلوس في الأمام، وليس بالضرورة أن الجلوس في الأمام هو الذي جعله متفوقا. ويختار الطالب الجلوس في المقدمة لأنه يريد التركيز والتفاعل مع المعلم، كما أن الجلوس في الأمام يساعد على تقليل المشتتات، وسماع المعلم ورؤية اللوح بوضوح، ما قد يحسن عملية التعلم نفسها.
وتؤكد الدراسات كذلك أن الجلوس في الأمام وحده لا يصنع التفوق الدراسي، ولكن الدافعية وطريقة التعلم والدعم الأسري وجودة التدريس، والنوم وغيرها من العوامل هي الأهم.
المصدر: الجزيرة