في زمن ترتفع فيه أسعار الوقود وتتصاعد المخاوف البيئية، يبحث السائقون عن كل وسيلة ممكنة لتقليل استهلاك سياراتهم للوقود. ومن بين الأدوات التي تقدمها السيارات الحديثة لهذا الغرض الزر الذي يرمز لوضع القيادة الاقتصادي، “إيكو” (Eco).
فما الذي يفعله هذا الزر بالضبط؟ وهل يحدث فرقا حقيقيا في استهلاك الوقود، أم أنه مجرد وهم تسويقي؟ هذا التقرير يستعرض آلية عمل وضع القيادة الاقتصادي وفاعليته الحقيقية والظروف المثلى لاستخدامه.
كيف يعمل وضع “إيكو” (Eco)؟
وضع “إيكو” (Eco)، وهو اختصار لعبارة “إيكونومي مود” (Economy Mode)، هو نظام قيادة ذكي صمم لتقليل استهلاك الوقود عبر التحكم الإلكتروني في المحرك وناقل الحركة ونظام التكييف والأنظمة المساندة. ظهر هذا النظام لأول مرة في التسعينيات من القرن الماضي في سيارات أمريكية وألمانية، ثم أصبح اليوم جزءا أساسيا في معظم السيارات الحديثة.
تختلف تسميات النظام حسب الشركة المصنعة: فـ”ECON” هو الإصدار الخاص “بهوندا”، و”Active Eco” لدى “كيا” و”هيونداي”، و”Eco Pro” لدى “بي إم دبليو”، لكن الهدف واحد: جعل السيارة تعمل بأقل استهلاك ممكن دون التأثير على سلامة القيادة.

ماذا يحدث عند تفعيل وضع “إيكو”؟
عند الضغط على زر “إيكو” لا يُجري النظام أي تغيير ميكانيكي مباشر على المحرك، بل يتولى كمبيوتر السيارة تعديل طريقة عمل عدد من الأنظمة إلكترونيا، بما يغيّر استجابتها بهدف تحسين كفاءة استهلاك الوقود وتقليل الطاقة المستخدمة أثناء القيادة. يمكن تلخيص هذه التعديلات في أربعة محاور رئيسية:
- تخفيف استجابة دواسة الوقود: تصبح دواسة الوقود أقل حساسية، مما يمنع التسارع المفاجئ الذي يستهلك كميات كبيرة من الوقود. وفي الوضع العادي، فإن الضغط على الدواسة بنسبة 50% قد يولد 50% من قوة المحرك، أما في وضع “إيكو” فالضغط نفسه قد يولد 25%-30% فقط من القوة. هذا التعديل يجعل التسارع أكثر تدريجية وسلاسة.
- التبديل المبكر للغيارات: يقوم ناقل الحركة بالتبديل إلى الغيارات الأعلى في وقت أبكر من المعتاد، مما يحافظ على دوران المحرك في نطاق دوران منخفض (آر بي إم/RPM)، ومن ثم يقلل استهلاك الوقود. كما يصبح ناقل الحركة أبطأ في النزول إلى غيارات أقل عند التجاوز.
- تقليل حمل نظام التكييف: تعمل بعض السيارات على تقليل إنتاج المكيف لتخفيف الحمل على المحرك. وقد تلاحظ أن التبريد يصبح أقل كثافة بعض الشيء، لكن هذا الاختلاف غالبا ما يكون طفيفا.
- تقييد القوة الإجمالية للمحرك: يتم تقليل القدرة التشغيلية والقوة القصوى للمحرك بشكل عام لتعظيم كفاءة الاحتراق، مما يجعل السيارة أقل استجابة عند الحاجة إلى قوة إضافية.
هل يوفر وضع “إيكو” الوقود فعلا؟
وضع “إيكو” ليس زرا سحريا يوفر الوقود تلقائيا. وقيمته الحقيقية تكمن في تشجيع أسلوب قيادة أكثر اقتصادا، من خلال تخفيف استجابة الدواسة وتوفير مؤشرات فورية للاستهلاك تعمل أداة تدريبية للسائق، وقد أجرت منظمة “كونسيومر ريبورتس” (Consumer Reports) -وهي واحدة من أشهر وأقدم المصادر العالمية المتخصصة في اختبار المنتجات وتقييم جودتها- اختبارات مكثفة لوضع القيادة الاقتصادي (إيكو) في كل من المدينة والطرق السريعة، وكانت النتائج مفاجئة:
- في المدينة: لم تجد الاختبارات أي فائدة ملموسة في استهلاك الوقود عند استخدام وضع “إيكو”، فبينما يخفف من استجابة السيارة، كان على السائقين الضغط على الدواسة بقوة أكبر للاستجابة لمتطلبات حركة المرور، مما ألغى أي توفير محتمل.
- على الطرق السريعة: لم يظهر وضع “إيكو” أي فائدة عند القيادة بسرعة ثابتة قدرها 100 كلم/ساعة. وهذا ليس مفاجئا لأن التسارع واختيار الغيارات ليسا عاملين مؤثرين عند الحفاظ على سرعة ثابتة على أرض مستوية.

الحالات المناسبة لتفعيل وضع “إيكو”
- القيادة في المدينة مع توقف متكرر: في حركة المرور المزدحمة لا يحتاج السائق إلى تسارع سريع، ويساعد وضع “إيكو” في تخفيف التسارع والفرملة المفاجئة، مما يقلل الهدر في استهلاك الوقود.
- التنقلات اليومية لمسافات متوسطة: عند القيادة بسرعات معتدلة وثابتة على طرق مستوية.
- الأيام الممطرة: تشير بعض المصادر إلى أن الرطوبة العالية تزيد من استهلاك الوقود، وقد يساعد وضع “إيكو” في تعويض ذلك.
- القيادة على طرق ذات انحدارات طفيفة: تسمح بعض الأنظمة، مثل نظام فولفو، بفصل المحرك عن ناقل الحركة أثناء الانطلاق (coasting)، مما يوفر وقودا إضافيا.
الحالات التي يجب فيها تجنب وضع “إيكو”
- التجاوز على الطرق السريعة: عند الحاجة إلى تسارع سريع لتجاوز مركبة أخرى، قد يؤدي وضع “إيكو” إلى إضعاف استجابة السيارة، مما يشكل خطرا على السلامة.
- صعود التلال والمنحدرات الحادة: يحد وضع “إيكو” من قوة المحرك، مما قد يجعل صعود المرتفعات صعبا ويتطلب ضغطا أكبر على الدواسة، مما يهدر الوقود.
- القيادة بحمولة ثقيلة: عند حمل ركاب إضافيين أو أمتعة ثقيلة، قد لا يوفر وضع “إيكو” القوة الكافية، مما يضطر المحرك للعمل بجهد أكبر.
- القيادة على الطرق السريعة: عند السرعات العالية، لا يقدم وضع “إيكو” أي فائدة تُذكر، بل قد يزيد الاستهلاك بسبب الحاجة إلى ضغط أكبر على دواسة الوقود للوصول إلى السرعة المطلوبة.
هل يمكن القيادة في وضع “إيكو” طوال الوقت؟
نعم، من الممكن القيادة في وضع “إيكو” طوال الوقت، لكن مع تجنب التسارع لأنه سيكون أضعف، مما قد يؤثر على تجربة القيادة في بعض الظروف، وعند الحاجة إلى قوة إضافية (مثل التجاوز أو صعود المرتفعات)، ينصح بالتحويل إلى الوضع العادي أو الرياضي، إضافة إلى أن وضع “إيكو” في السيارات المزودة بمحركات صغيرة، قد يكون الشعور بضعف التسارع أكثر وضوحا.
يُعد وضع القيادة الاقتصادي “إيكو” وسيلة تساعد على خفض استهلاك الوقود، إلا أن فعاليته تعتمد بدرجة كبيرة على أسلوب القيادة والظروف المحيطة. كما تكمن فائدته في تشجيع السائق على اتباع عادات قيادة أكثر هدوءا واقتصادا.
كما يُنصح باستخدامه في التنقلات اليومية داخل المدن وعلى الطرق المستوية وبسرعات معتدلة، بينما يُفضّل إيقافه عند الحاجة إلى تسارع قوي أو صعود المرتفعات أو القيادة بحمولة كبيرة. وفي جميع الأحوال يظل أسلوب القيادة الهادئ والمتزن العامل الأهم في تقليل استهلاك الوقود.
المصدر: الجزيرة