في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، تحتفي منظمة الصحة العالمية باليوم العالمي للصحة النفسية، وتتخذ هذه المناسبة فرصة للتوعية بأهمية الحفاظ على الصحة النفسية.
وسيتم الاحتفال به هذا العام تحت شعار “الوصول إلى الخدمات الصحة النفسية في وقت الكوارث والطوارئ” ، مما يسلط الضوء على ضرورة توفير خدمات الصحة النفسية في الأوقات العصيبة.
ويقول موقع منظمة الصحة العالمية إن الأزمات مثل الكوارث الطبيعية والنزاعات والطوارئ الصحية العامة في ضغوط نفسية شديدة، حيث يعاني واحد من كل 5 أفراد من حالة تتعلق بالصحة النفسية ومن ثم فإن دعم الصحة النفسية للأفراد خلال مثل هذه الأزمات ليس مجرد أمر مهم فحسب، بل هو عمل يُنقذ الأرواح، ويمنح الناس القدرة على التكيّف، والمساحة للشفاء، وللتعافي وإعادة البناء ليس فقط كأفراد بل كمجتمعات أيضًا.
إذا طرحت السؤال على محرّك البحث “غوغل” أو على موقع خدمة الصحة الوطنية في بريطانيا، فستجد أنّ مستشفى بيثلم الملكي، الواقع خارج العاصمة لندن، هو أقدم مستشفى للأمراض العقلية في العالم.
وفي بلاد الشام، شيّد نور الدين محمود زنكي نحو عام 1154 “البيمارستان النوري الكبير” في دمشق، الذي أصبح نموذجًا يُحتذى في تصميم المستشفيات وتنظيمها.
أما في العراق، فقد أقيمت عدة بيمارستانات، منها بيمارستان الرشيد وبيمارستان المقتدري وبيمارستان الموصل، إلا أن الأشهر بينها كان البيمارستان العضدي الذي أنشأه عضد الدولة بن بويه في بغداد عام 978 ميلادية.
وقد برز في هذا المجال عدد من أعلام الطب والفلسفة في الحضارة الإسلامية، من أبرزهم أبو بكر محمد الرازي، الذي قدّم وصفاً دقيقاً للاضطرابات النفسية وأسبابها، وأبو علي بن سينا، الذي ربط بين وظائف الإحساس والخيال والذاكرة وبين الشروط الفسيولوجية للجسم، إلى جانب جبرائيل بن بختيشوع وأوحد الزمان وغيرهم ممن أسسوا لفهم مبكر للعلاقة بين الجسد والنفس قبل قرون من ظهور المصطلح الحديث للطب النفسي.
ولكن يظل مستشفى بيثلم الملكي بالقرب من العاصمة البريطانية لندن هو أقدم مستشفى مازال يعمل في هذا المجال حتى اليوم، بحسب موقع خدمة الصحة الوطنية في بريطانيا NHS.
مستشفى بيثلم الملكي
عندما أعيد بناؤه في عام 1676، كان مستشفى بيثلم بلندن هو أكثر مصحات الأمراض العقلية فخامة في العالم من الخارج أما في الداخل فكان الأمر مختلفا تماما.
وكان المستشفى معلماً شهيراً في لندن، وكان السياح يزورونه جنباً إلى جنب مع كنيسة وستمنستر وحديقة الحيوانات.
وكان ذلك المستشفى مصدر إلهام لعدد لا يحصى من القصائد والمسرحيات والأعمال الفنية، وبدا المبنى الذي كان يضمه منذ عام 1676 فخما للغاية بحيث لم يُقارن بأي شيء آخر غير قصر فرساي.
كان هذا هو مستشفى بيثلم، المعروف أكثر باسمه المستعار (بيدلام).
ويقول مايك جاي مؤلف كتاب “في هذا الطريق يقع الجنون”: “لقد كان بيثلم معلما بارزا في مدينة لندن، وأحد أوائل المستشفيات المتخصصة في الأمراض العقلية في العالم”.
وأضاف قائلا:”لقد أصبح هذا المستشفى الموطن الأصلي للجنون”.
طائفة دينية
وبحلول عام 1400، أصبح مستشفى من العصور الوسطى، ولم يكن ذلك يعني رعاية طبية بقدر ما يعني توفير “ملجأ للغرباء المحتاجين” أي أولئك الذين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه فيتجهون إلى أبواب الدير.
وبمرور الوقت، بدأ مستشفى بثلم يتخصص في رعاية أولئك الذين لم يكونوا فقراء فحسب، ولكنهم أيضا غير قادرين على رعاية أنفسهم، وخاصة أولئك الذين يعتبرون “مجانين”.
وفي كثير من الأحيان، كما هو الحال في مسرحيتي شكسبير هاملت وماكبث، تم استخدامه كوسيلة لاستكشاف السؤال الشائع حول من هو المجنون، ومن هو العاقل ومن لديه القدرة على اتخاذ القرار.
ويُظهر الجزء الأخير من كوميديا “البغي النزيهة” لتوماس ديكر وتوماس ميدلتون عام 1604 تلك الشعرة بين “العقل” و “الجنون” والخوف من مدى سهولة الانزلاق من أحدهما إلى الآخر.
وفي هذه الكوميديا، يقول عامل النظافة في المستشفى بمرح: “أنا أكنس غرف المجانين، وأحضر لهم القش، وأشتري سلاسل لربطهم، وقضبان لجلدهم. لقد كنت مجنونا هنا مرة واحدة ، لكنني أشكر الأب أنسيلم لقد ضربني فأعادني إلى رشدي مرة أخرى”.
وبعد إعادة بناء المستشفى، أصبح من الأسهل حتى التهكم على الانزلاق بين العقل والجنون بفضل هندسته المعمارية الفخمة.
أشبه بالقصر
لقد صممه روبرت هوك، مساح المدينة والفيلسوف الطبيعي ومساعد المهندس المعماري وعالم الرياضيات الشهير السير كريستوفر رين.
بلغ طول واجهة المستشفى 165 مترا مع أعمدة كورنثية وبرج يعلوه قبة، وكانت تلك الواجهة مستوحاة من قصر التويلري في باريس في عهد لويس الرابع عشر.
وقد أطل المستشفى على حدائق رسمية ومتنزهات تصطف على جانبيها الأشجار.
لقد كان الانطباع العام أن ذلك المستشفى أشبه بقصر الملك الفرنسي الفخم في فرساي عنه بمستشفى للأمراض العقلية.
وعلى حد تعبير أحد الكتاب”كان المبنى الوحيد الذي يشبه قصرا في لندن لسنوات عديدة”.
وقال جاي:”كان ذلك جزءا من محاولة إعادة إنشاء لندن كشيء عظيم وحديث، بدلا من المباني الخشبية القديمة التي تعود إلى العصور الوسطى، والتي كان هذا الجزء من لندن يتألف منها قبل الحريق، كما كان إحساسا بالفخر وعمل الخير، فهذا المستشفى سيجعل لندن مكانا أعظم وأفضل للجميع، وغالبا ما كان يطلق عليه قصر المجانين”.
وكان المستشفى الجديد، بالمعنى الحرفي للكلمة، يضع وجها جميلا لما اعتبره العديد من سكان لندن مشكلة فوضويّة بغيضة.
“الأكثر جنونا”
وكتب الكاتب الساخر توماس براون في عام 1699 يقول إن التصميم يجعلك تتساءل “من الأكثر جنونا؟ هل هم الأشخاص الذين أمروا ببناء هذا المستشفى أم أولئك الذين يسكنونه”.
وفي عام 1681، لاحظ حكام المدينة “العدد الكبير من الأشخاص الذين يأتون يوميا لرؤية المرضى”.