أثار انتقال الصحفية تاتيانا لوكيانوفا من منصة “ذا فري برس” (The Free Press) إلى منصب منتجة مساعدة في برنامج التحقيقات الأمريكي الشهير “60 دقيقة” (60 Minutes) على شبكة “سي بي إس نيوز” (CBS News) موجة واسعة من الانتقادات، بعدما ارتبط اسمها خلال العام الماضي بتقارير شككت في أسباب المجاعة بقطاع غزة، وربطت صحفيين فلسطينيين بحركة حماس.
ويأتي تعيين لوكيانوفا في وقت يشهد فيه برنامج “60 دقيقة” تغييرات إدارية وتحريرية واسعة ضمن عملية إعادة هيكلة تقودها باري وايس، وسط اتهامات بإعادة رسم هوية البرنامج وتوجهه التحريري، في تحوّل يضع صعود صحفية أثارت تقاريرها بشأن الحرب على غزة جدلا واسعا في قلب النقاش حول مستقبل أحد أبرز البرامج الإخبارية الأمريكية.

من التشكيك في مجاعة غزة إلى “60 دقيقة”
في أغسطس/آب 2025، شاركت لوكيانوفا في إعداد تحقيق نشرته “ذا فري برس” شكك في أن يكون الجوع السبب الرئيسي وراء حالات الهزال بين أطفال غزة، وهو ما أثار انتقادات واسعة، خصوصا بعد أن أظهرت مراجعات لاحقة ارتباط عدد من تلك الحالات بسوء التغذية ونقص الغذاء والدواء، قبل أن تؤكد منظمة الصحة العالمية بعد أيام وجود مجاعة في القطاع.
كما شاركت في تقرير آخر ربط صحفيين فلسطينيين في غزة بحركة حماس، وهو ما اعتبره موقع “ذا إنترسبت” (The Intercept) مساهمة في تبرير استهدافهم، منتقدا اعتماد التقرير على مصادر وصفها بأنها مؤيدة لإسرائيل دون توضيح خلفياتها أو أجنداتها.

ورغم هذا الجدل، أعلنت لوكيانوفا عبر حسابها على منصة “إكس” انضمامها إلى فريق برنامج “60 دقيقة”، ووصفت الخطوة بأنها “شرف العمر” وتحقيق لحلم راودها منذ أيام الدراسة الجامعية.
تحولات داخل “60 دقيقة”
انطلق برنامج “60 دقيقة” على شبكة “سي بي إس” عام 1968، ويُعد أحد أبرز رموز الصحافة الاستقصائية في الولايات المتحدة. إلا أن تعيين لوكيانوفا جاء في وقت يشهد فيه البرنامج تغييرات إدارية وتحريرية واسعة، وسط إعادة تشكيل تقودها باري وايس.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وفي تقرير مطول، رأى موقع “ذا إنترسبت” أن تعيين لوكيانوفا لا يمكن فصله عن التحولات التي تشهدها “سي بي إس نيوز” وبرنامج “60 دقيقة”، معتبرا أنه يعكس توجها متزايدا نحو خطاب أكثر تأييدا لإسرائيل على حساب الاستقلالية التحريرية.
ووجّه التقرير انتقادات حادة لإدارة الشبكة، معتبرا أن لوكيانوفا ساهمت خلال عملها في “ذا فري برس” في نشر مواد صحفية اعتمدت على مصادر وصفها بأنها مؤيدة لإسرائيل لتبرير استهداف صحفيين فلسطينيين في غزة، والتقليل من حجم المجاعة في القطاع، مع إغفال الخلفيات السياسية لتلك المصادر. ورأى أن اختيارها للعمل في “60 دقيقة” يأتي ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل التوجه التحريري للشبكة.
وأضاف التقرير أن هذه التغييرات تأتي، بحسب رأيه، في سياق إعادة تشكيل “سي بي إس نيوز” بعد انتقال ملكية شركة “باراماونت” (Paramount) إلى عائلة إليسون، معتبرا أن الشبكة تتجه نحو خطاب أكثر يمينية وأشد تأييدا لإسرائيل، وهو ما انعكس -وفق التقرير- على تغطية الحرب في غزة واختيار الصحفيين والمحررين المسؤولين عن إعداد المواد الإخبارية، بما أثار تساؤلات بشأن استقلالية التحرير داخل المؤسسة.
إبعاد المخضرمين وصعود وجوه جديدة
ولا يقتصر الجدل على تعيين لوكيانوفا، إذ يأتي انضمامها ضمن عملية إعادة هيكلة واسعة يشهدها برنامج “60 دقيقة”، شملت استبعاد عدد من أبرز صحفييه ومراسليه الذين ارتبطوا به لسنوات طويلة، في خطوة اعتبرها منتقدون مؤشرا على تغيرات أعمق في هوية البرنامج وسياساته التحريرية.
وفي أحدث فصول هذه التغييرات، أعلنت كلية الصحافة بجامعة كولومبيا تعيين المراسلَين المخضرمَين شارين ألفونسي وسكوت بيلي، اللذين غادرا برنامج “60 دقيقة” قبل شهرين، بصفتهما “صحفيين مقيمين” خلال العام الدراسي المقبل.
وجاء رحيلهما ضمن التغييرات التي فرضتها الإدارة الجديدة لشبكة “سي بي إس نيوز” بقيادة باري وايس، والتي شملت أيضا استبعاد المنتجة التنفيذية للبرنامج تانيا سيمون وتعيين الإعلامي نيك بيلتون خلفا لها، رغم محدودية خبرته في البث التلفزيوني، وفق تصريحات عميد كلية الصحافة جيلاني كوب.

وبينما يغادر عدد من الصحفيين المخضرمين البرنامج، تصعد أسماء جديدة، من بينها تانيا لوكيانوفا، التي انتقلت من “ذا فري برس” إلى “60 دقيقة” رغم الجدل الذي رافق تغطيتها للحرب على غزة، وهو ما عزز النقاش حول طبيعة التحولات التي يشهدها أحد أعرق البرامج الإخبارية في الولايات المتحدة.
تعيين لوكيانوفا يشعل موجة انتقادات
ولم يمر إعلان تعيين لوكيانوفا في برنامج “60 دقيقة” دون إثارة موجة واسعة من الانتقادات على منصات التواصل الاجتماعي، إذ ربط كثير من الصحفيين والناشطين الخطوة بسجلها المهني في تغطية الحرب على غزة، معتبرين أن التعيين يأتي ضمن التحولات التحريرية التي تشهدها “سي بي إس نيوز”.
ومن بين أبرز المنتقدين، الصحفي سكوت بيلي، المراسل السابق في برنامج “60 دقيقة”، الذي كتب أن ما تشهده الشبكة يمثل “انحيازا سياسيا مستترا لم أشاهده من قبل، لا في برنامج 60 دقيقة ولا في أخبار سي بي إس”، معربا عن أمله في أن “تعود المؤسسة إلى الرشد والشرف والشجاعة”.
كما هاجم الإعلامي الأمريكي آدم جونسون تعيين لوكيانوفا، معتبرا أن وصولها إلى البرنامج لم يكن بسبب الكفاءة المهنية، بل بسبب مواقفها التحريرية، وكتب: “من الواضح أن باري وايس لم تمنحك هذه الوظيفة إلا لأنك تنشرين مواد تحرض على الإبادة الجماعية، ولم تكوني لتصلي إلى هذا المنصب لولا استحواذ ملياردير صهيوني على شبكة سي بي إس”.
بدوره، علّق الناشط لوكاس هود ساخرا بأن “كل ما كان عليك فعله للحصول على هذه الوظيفة هو كتابة مقال يشكك في أن الأطفال الجياع يموتون جوعا”، في إشارة إلى التحقيق الذي شاركت فيه لوكيانوفا حول حالات سوء التغذية في غزة.
وشهدت منصة “إكس” عشرات التعليقات التي ربطت تعيين لوكيانوفا بمواقفها السابقة من الحرب على غزة، واعتبرت أن وصولها إلى برنامج “60 دقيقة” يمثل “مكافأة” على تغطيتها.
وكتب أحد المستخدمين: “تتم مكافأتك لأنك تبرر الإبادة الجماعية؟”، بينما وصفها آخر بأنها “جندي في خدمة الإبادة الجماعية”، في حين قال ثالث إن ما أهلها للمنصب هو أنها كانت “دموية ووحشية بما يكفي للحصول على الوظيفة”.
وفي تعليقات أخرى، اعتبر مستخدمون أن التعيين يعكس التحولات التي تشهدها سي بي إس نيوز، إذ كتب أحدهم أن برنامج “60 دقيقة” “لم يعد يُنظر إليه باعتباره برنامجا إخباريا حقيقيا منذ إعادة تشكيل الشبكة”، بينما سخر آخر بالقول: “التنوع والإنصاف والشمول لمنكري الإبادة الجماعية”، في إشارة إلى الجدل الذي رافق تعيين لوكيانوفا.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يرى فيه منتقدون أن التغييرات داخل سي بي إس نيوز، سواء عبر استبعاد عدد من الصحفيين المخضرمين أو تعيين وجوه جديدة مثل لوكيانوفا، تعكس تحولًا أوسع في التوجه التحريري للمؤسسة، وهو ما أثار نقاشا متزايدا حول مستقبل أحد أعرق البرامج الإخبارية في الولايات المتحدة.
المصدر: الجزيرة