بلا كهرباء ولا غذاء.. كيف تعيش أسرة كوبية من أربعة أجيال بـ60 دولارا شهريا؟

عند الساعة الثانية فجرا، أضاء مصباح شارع في أحد أحياء مدينة سانتياغو دي كوبا (ثاني أكبر مدينة في كوبا) بعد ساعات طويلة من الظلام، وهو أمر بالنسبة لأدريان سيلفا غويرا، لم يكن مجرد عودة عابرة للتيار الكهربائي، بل إعلانا عن بدء سباق قصير مع الزمن.

نهض مسرعا من أمام منزله المتواضع، تاركا الباب مفتوحا ليتسلل هواء الليل إلى ابنه ذي السنوات السبع النائم على مرتبة إسفنجية، ثم اتجه إلى ورشته الصغيرة حيث تنتظره أجهزة إلكترونية معطلة يعتمد على إصلاحها لكسب رزقه، وما إن استقرت الكهرباء حتى أشعل آلة اللحام، وانحنى فوق لوحة إلكترونية في محاولة لإصلاحها قبل أن يعود الظلام.

لم يدم الأمر سوى ساعتين، لينقطع التيار مجددا، مما أجبره على التوقف، بعدما أنجز ما استطاع من العمل الذي يقتات منه، يقول بابتسامة يختلط فيها التعب بالسخرية: “حياتي رهن للكهرباء”.

في الخارج، كانت والدته زوسيل غويرا بريسي تستغل الساعات نفسها بطريقة مختلفة، حيث توجهت إلى مخبز خاص استطاع تشغيل أفرانه بفضل وصول الكهرباء، واشترت مئة رغيف صغير، ثم بدأت بيعها في الشوارع بربح سنتين فقط في الرغيف، وهو ربح بسيط لكنه قد يكون كافيا لتأمين وجبة الغداء لعائلة تضم أربعة أجيال تحت سقف واحد.

داخل المنزل، تُحضّر زوجته أناليديس أرياس مارين طفليها للذهاب إلى المدرسة، لم تعد مهمة الأم تقتصر على ترتيب الملابس والحقائب، بل أصبحت تبدأ كل صباح بسؤال واحد، ماذا سنأكل اليوم؟

صراع البقاء

تكشف هذه المشاهد، التي وثقتها صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لها، تفاصيل الحياة اليومية لأسرة كوبية مكونة من أربعة أجيال، في صورة تعكس عمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعيشها البلاد.

هذه الأسرة، التي تضم أدريان وزوجته وطفليهما، إلى جانب والديه وجدته، تعتمد على دخل شهري لا يتجاوز 60 دولارا في الشهر، وهو مبلغ يبدو ضئيلا حتى وفق المقاييس المحلية، لكنه أصبح مصدر العيش الوحيد لعائلة تحاول الصمود وسط أزمة يقول أفرادها إنها أسوأ أزمة عرفوها في حياتهم.

إعلان

ولا تختلف حكاية هذه الأسرة كثيرا عن قصص ملايين الكوبيين الذين يواجهون أزمة اقتصادية وإنسانية غير مسبوقة منذ عقود، فالنقص الحاد في الوقود أدى إلى تقليص إنتاج الكهرباء، وتحولت ساعات انقطاع التيار إلى جزء ثابت من الحياة اليومية، الأمر الذي أصاب مختلف القطاعات بالشلل، من المصانع إلى المخابز ووسائل النقل.

أما النظام الحكومي لتوزيع المواد الغذائية المدعومة، المعروف محليا بـ”البوديجا”، فلم يعد قادرا على توفير احتياجات المواطنين كما كان، فالأرز والفاصوليا والبيض تصل بكميات محدودة أو تتأخر أشهرًا، وتقتصر الحصة أحيانا على رغيف خبز واحد لكل فرد كل ثلاثة أيام.

ومع تقلص ساعات الكهرباء، تقلص أيضا دخل أدريان، الذي يعتمد على إصلاح الأجهزة الإلكترونية، فالزبائن أقل، وساعات العمل أصبحت رهينة بعودة التيار الكهربائي، أما المواد اللازمة للإصلاح فأصبح ثمنها أغلى والحصول عليها أصعب.

People transport containers of water in Havana, Wednesday, June 3, 2026. (AP Photo/Ramon Espinosa)
الأمم المتحدة: المواطن الكوبي يقضي ما بين 6 و8 ساعات يوميا لتأمين احتياجاته الأساسية (أسوشيتد برس)

وفي المنزل، انعكس ذلك مباشرة على مائدة الطعام، فوجبة الإفطار التي كانت تضم القهوة أو الحليب، أصبحت تقتصر في كثير من الأيام على قطع خبز مع مسحوق بنكهة المانغو مذاب في الماء، أما اللحوم والبيض، فتحولت إلى طعام نادر لا يظهر إلا في مناسبات متباعدة.

لكن، رغم كل ذلك، لم تتخل الأسر عن أحد أهم ما يميز المجتمع الكوبي، وهو التضامن بين الجيران، فعندما ينجح أحدهم في الحصول على الطعام، يتقاسمه مع الآخرين، وإذا توفرت الكهرباء في منزل، يجتمع الجيران لشحن هواتفهم أو حفظ بعض الأطعمة في الثلاجة، وفي الأحياء الشعبية، أصبح تبادل الخدمات والسلع جزءا من إستراتيجية جماعية لمواجهة الأزمة.

قد تبدو هذه الحكاية لعائلة واحدة في مدينة كوبية، لكنها في الحقيقة تختزل واقع بلد بأكمله، حيث لم تعد معركة الناس من أجل تحسين مستوى حياتهم، بل من أجل الحفاظ على أبسط مقوماتها.

وبينما تتواصل الأزمات الاقتصادية والسياسية، يبقى الأمل، بالنسبة إلى هذه الأسرة وغيرها من الأسر الكوبية، معلقا بعودة التيار الكهربائي، ولو ساعتين فقط.

HAVANA, CUBA - JUNE 5: Residents whose homes became uninhabitable live in a boxing gym as seen in Havana, Cuba, on June 5, 2026. Their prolonged displacement underscores Cubaâs worsening housing crisis and chronic housing shortage, with buildings continuing to collapse. (Photo by Magdalena Chodownik/Anadolu via Getty Images)
الحكومة الكوبية تحمل العقوبات الأمريكية مسؤولية تردي الأوضاع المعيشية في البلاد (الأناضول)

معاناة لا تنتهي

وتحمّل الحكومة الكوبية العقوبات الأمريكية، ولا سيما القيود المفروضة على قطاع الطاقة، مسؤولية جانب كبير من الأزمة، مؤكدة أنها فاقمت صعوبة استيراد الوقود والسلع الأساسية.

في المقابل، تقول الولايات المتحدة إن إجراءاتها تستهدف الحكومة الكوبية. ويرى اقتصاديون أن الأزمة الحالية نتاج عوامل متشابكة، تشمل العقوبات، وضعف الإنتاج المحلي، وتراجع عائدات السياحة، إلى جانب اختلالات هيكلية يعاني منها الاقتصاد منذ سنوات.

وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن المواطن الكوبي يقضي ما بين 6 و8 ساعات يوميا في محاولة تأمين احتياجاته الأساسية، في ظل الحصار الذي تفرضه واشنطن على البلاد وما يرافقه من أزمات اقتصادية ومعيشية متفاقمة.

وفي اعتراف نادر، أقرت صحيفة “غرانما” الرسمية بأن الموارد المتاحة لم تعد تكفي لتلبية الاحتياجات، الأمر الذي دفع السلطات إلى تقليص حصص الخبز المدعوم وقصر توزيعها على فئات محددة.

A man charges his phone and his fan with a solar panel during a blackout in Havana, Tuesday, March 17, 2026. (AP Photo/Ramon Espinosa)
تعاني كوبا منذ أشهر انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي تستمر ساعات (أسوشيتد برس)

وتصف تقارير إعلامية دولية مشهدا يوميا يختزل قسوة الحياة في كوبا؛ إذ تؤجل كثير من الأسر إعداد الطعام إلى ساعات متأخرة من الليل في انتظار عودة التيار الكهربائي، غير أن الانقطاعات المفاجئة غالبا ما تترك الوجبات غير مكتملة، ليغدو الخبز في هافانا رمزا لأزمة تتجاوز نقص الغذاء إلى استنزاف الكرامة الإنسانية.

إعلان

وفي القطاع الزراعي، تفيد تقارير محلية بأن الإنتاج الوطني تراجع بنحو 67%، مما أجبر المزارعين على العودة إلى استخدام الثيران والخيول في جر العربات ونقل الحليب وتوزيع المواد الغذائية، في مشهد يعكس تراجعا حادا في قدرات الإنتاج ووسائل النقل.

كما تؤكد تقارير دولية أن الحصار النفطي الأمريكي أسهم في تعميق أزمة الطاقة، رغم وصول شحنات وقود محدودة من روسيا والمكسيك خففت جزئيا من وطأة النقص.

وبينما تعزو السلطات الكوبية هذا التدهور إلى تشديد الحصار والعقوبات المالية، يواجه المواطنون واقعا يتجاوز السجال السياسي، إذ لم تعد الأزمة مجرد أرقام أو مؤشرات اقتصادية، بل تحولت إلى نمط حياة يومي يفرض عليهم ابتكار وسائل جديدة للبقاء.

 

المصدر: الجزيرة