تحتفظ ذاكرة عشاق السيارات بمقولة شهيرة للرئيس التنفيذي السابق لشركة فيراري، الراحل سيرجيو ماركيوني، حين قال بلهجة قاطعة عام 2016: “يجب أن تطلقوا النار علي أولا قبل أن تصنع فيراري سيارة دفع رباعي”.
لكن الرياح التي هبت من مدينة مارانيللو -الموطن التاريخي والرئيسي لشركة فيراري- بعد سنوات قليلة، لم تحمل رصاصا بل حملت “بوروسانغوي”، المركبة التي لم تكسر تقاليد الشركة فحسب، بل أعادت رسم خارطة التوقعات لما يمكن أن تكون عليه سيارة “عطلة نهاية الأسبوع” الفارهة.
فعندما كشفت فيراري النقاب عن “بوروسانغوي” قبل 3 أعوام، لم يكن الإطلاق مجرد حدث تجاري، بل كان صدمة ثقافية في أوساط “الكتيبة الحمراء”. وبينما وجدت علامات مثل لامبورغيني وأستون مارتن ضالتها في فئة سيارات الدفع الرباعي (SUV)، ظل محافظو فيراري يرون في هذه الخطوة “بدعة” تقنية.
إلا أن الواقع أثبت أن بوروسانغوي ليست مجرد استجابة لضغط السوق، بل هي مثال حي على قدرة العلامات العريقة على التكيف دون فقدان هويتها الجوهرية.

“بوروسانغوي” والتحول الاستراتيجي
لم يكن اختيار اسم “بوروسانغوي” -الذي يعني باللغة الإيطالية “الحصان الأصيل” أو “الدم النقي”- عفويا، بل كان رسالة مباشرة بأن هذه السيارة تنتمي لسلالة نقية رغم اختلاف شكلها الخارجي.
وقد واجهت فيراري في سبيل هذا الاسم نزاعا قانونيا مع مؤسسة خيرية سجلت الاسم مسبقا، لكن مارانيللو انتصرت في النهاية لتبدأ عصرا جديدا أطلقت عليه مسمى (FUV) أو “مركبة فيراري متعددة الاستخدامات”، بعيدا عن التصنيفات التقليدية.
قلب ينبض بالأصالة
وفي عصر تتسابق فيه الشركات نحو المحركات الهجينة والشواحن التوربينية، اختارت فيراري الانحياز لإرثها الميكانيكي بوضع محرك سحب طبيعي (V12) سعة 6.5 لتر في قلب بوروسانغوي.
هذا القرار هو ما يمنح السيارة شرعيتها التاريخية بهذه المواصفات:
- القوة الحصانية: يولّد المحرك 715 حصانا، مما يجعله وحشا ميكانيكيا يزأر بثمانية آلاف دورة في الدقيقة.
- التسارع المذهل: تنطلق من الثبات إلى 100 كم/ساعة في 3.3 ثوانٍ فقط، وهو رقم يتفوق بـ0.3 ثانية على سيارة “فيراري إينزو” الأسطورية.
- ناقل الحركة: نظام أوتوماتيكي ثنائي القابض بثماني سرعات يوجه العزم بشكل ذكي نحو العجلات الخلفية للحفاظ على طابع القيادة الرياضي.
- أما الابتكار الحقيقي فيكمن في نظام التعليق النشط (F.A.S.T)، الذي يتحكم في كتلة السيارة التي تتجاوز طنين بدقة متناهية، مما يمنح السائق إحساسا بالرشاقة لا يتوفر في أي سيارة منافسة من الفئة نفسها.
أناقة تخفي القوة
وبقيادة المصمم المبدع فلافيو مانزوني، خرجت بوروسانغوي بتصميم يبتعد عن الخطوط المنتفخة المعتادة في سيارات الدفع الرباعي. كما تميزت بأبواب خلفية تفتح بشكل عكسي لتسهيل الدخول إلى مقصورة تتسع لأربعة أشخاص براحة مطلقة.
هذا التفرد في التصميم لم يمر مرور الكرام، إذ حصدت السيارة جائزة “كومباسو دورو” لعام 2024، وهي أرفع جائزة إيطالية في مجال التصميم الصناعي، لتكون رابع سيارة في تاريخ فيراري تنال هذا الشرف.

هل هي فيراري حقيقية؟
يروي مختبرو السيارات مواقف طريفة تعكس حدة الجدل، فخلال سباق “لومان”، صرخ سائق سيارة كورفيت غاضبا في وجه سائق “بوروسانغوي” قائلا: “هذه ليست فيراري حقيقية!”. ولكن بالنظر إلى الحقائق الموضوعية، نجد أن السيارة:
- تُصنع بالكامل في مارانيللو على أيدي مهندسي فيراري.
- تقدم أداء يتفوق على العديد من السيارات الخارقة في تاريخ العلامة.
- توفر تجربة قيادة “درامية” بصوت محرك V12.
لقد أثبتت التجربة الميدانية أن “بوروسانغوي” تنساب مع الطريق ولا تقاومه، وأن مقودها مضبوط بدقة مثالية تجعلك تنسى حجمها الضخم، وهو ما جعل خبراء “توب غير” يقررون بعد قيادتها لمسافة 400 ميل: “نعم، هذه فيراري حقيقية تماما”.
وفي نهاية المطاف، تبقى “بوروسانغوي” نقطة تحول مفصلية، فهي لم تعد مجرد سيارة لقطع الحلبات، بل أصبحت “فيراري لكل الأوقات” تسمح باصطحاب العائلة في رحلة طويلة دون التنازل عن متعة القيادة الخارقة.
استطاعت فيراري أن تثبت للعالم أن الحصان الأصيل يمكنه الركض في جميع الدروب، وأن “مارانيللو” وحدها هي من يقرر ما هو فيراري وما ليس كذلك، إنها سيارة عطلة نهاية الأسبوع التي لم تسرق روح العلامة، بل منحتها أبعادا جديدة من العملية والفخامة.
المصدر: الجزيرة