بين هاجس الأمن وسباق الصين.. ترمب يجمّد أول إطار رقابي للذكاء الاصطناعي

بين هاجس الأمن القومي والرهبة من التفوق الصيني، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في اللحظة الأخيرة عن توقيع أمر تنفيذي كان سيضع أول إطار رقابي واسع على الذكاء الاصطناعي، في خطوة تعكس عمق الانقسام داخل واشنطن حول مستقبل هذه التكنولوجيا.

فقد كشف تقرير نشره موقع بوليتيكو الإخباري للصحفية صوفيا كاي عن مسودة أمر تنفيذي كان من المتوقع أن يوقعه الرئيس ترمب أمس الخميس، قبل أن يؤجل الحدث بشكل مفاجئ.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2من مترو لندن.. الناتو يستعد لحرب روسيا
  • list 2 of 2تلغراف: جنرال بريطاني يكشف لماذا ينبغي أن نخشى روسيا

end of list

الابتكار المحفوف بالمخاطر

وبحسب التقرير، فإن الوثيقة المؤلفة من 7 صفحات والتي حصل الموقع على نسخة مسرّبة منها، جاءت استجابة لمخاوف متنامية داخل الإدارة الأمريكية من أن تقع نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، التي تطورها شركات مثل أنثروبيك في الأيدي الخطأ، بما قد يفتح الباب أمام هجمات سيبرانية واسعة النطاق أو استخدامات تخريبية تهدد بنية الدولة التحتية.

ووفقا لما أوردته صوفيا كاي، فإن الإدارة الأمريكية كانت قد أطلعت كبرى شركات التكنولوجيا على فحوى القرار، ووُجهت الدعوات بالفعل لمديرين تنفيذيين بارزين لحضور مراسم التوقيع التي كانت مقررة في البيت الأبيض.

غير أن ترمب آثر تأجيل التوقيع على القرار في اللحظات الأخيرة، مبررا ذلك في تصريحات للصحفيين بقوله: “لم تعجبني جوانب معينة فيه”. وأعرب عن قلقه من أن تؤدي هذه القيود التنظيمية المقترحة إلى إبطاء قدرة الولايات المتحدة على التفوق على الصين في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي.

وتعكس هذه الخطوة -بحسب التقرير- التوتر المتزايد داخل البيت الأبيض بين اتجاه يدعو إلى فرض ضوابط أمنية صارمة على الذكاء الاصطناعي، واتجاه آخر يرى أن أي تنظيم قد يعرقل الابتكار الأمريكي في مواجهة التقدم الصيني المتسارع.

المسودة، التي حملت عنوان “تعزيز الابتكار والأمن في الذكاء الاصطناعي المتقدم”، تبنت خطابا قوميا واضحا يربط التفوق التقني بالأمن القومي الأمريكي.

إعلان

وجاء في مقدمتها: ” بناء على السلطة المخولة لي كرئيس بموجب الدستور وقوانين الولايات المتحدة الأمريكية، يُؤمر بما يلي: تواصل الولايات المتحدة قيادة العالم في الذكاء الاصطناعي لأننا نرفض خنق هذا الابتكار عبر تنظيمات مفرطة العبء”.

كما أكدت الوثيقة أن الإدارة الحالية “أطلقت العنان لنمو تكنولوجي هائل واستثمارات اقتصادية ضخمة في الذكاء الاصطناعي من خلال تقليص القيود البيروقراطية التي فرضتها الإدارة السابقة..”.

نظام غير إلزامي

وفي واحدة من أبرز الفقرات اللافتة، نص المشروع على أن الولايات المتحدة ستستمر في قيادة “جهود الأمن السيبراني القائمة على مبدأ أمريكا أولا والتي تعزز كلا من أمننا القومي وهيمنتنا العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي”.

ويرى موقع بوليتيكو أن هذه اللغة تعكس رؤية ترمب التي تربط التفوق التكنولوجي بالمنافسة الجيوسياسية المباشرة، مع الصين على وجه الخصوص.

ورغم الطبيعة الأمنية للمشروع، فإن البيت الأبيض حاول تبديد المخاوف من تحوله إلى أداة رقابية ثقيلة على شركات التكنولوجيا.

فقد شدد واضعو المسودة بوضوح على أن النظام المقترح “طوعي” وليس إلزاميا، ونصت المادة الثالثة (الفقرة ج) حرفيا على أنه: “لا يجوز تفسير أي شيء في هذا القسم على أنه يجيز إنشاء متطلبات حكومية إلزامية للترخيص، أو التخليص المسبق، أو التصريح، فيما يتعلق بتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي الجديدة، أو نشرها، أو إصدارها، أو توزيعها، بما في ذلك النماذج الرائدة”.

وبموجب المشروع، كان مطورو النماذج المتقدمة سيتمكنون طوعيا من منح الحكومة الأمريكية حق الوصول إلى نماذجهم قبل إطلاقها بما يصل إلى 90 يوما، بهدف تقييم مخاطرها السيبرانية والأمنية.

كما كانت الخطة تتضمن إنشاء آلية تصنيف للنماذج التي تُعتبر “نماذج حدودية مغطاة”، أي تلك القادرة على إحداث تأثيرات إستراتيجية أو أمنية كبرى.

واقترحت المسودة كذلك تأسيس مركز تنسيق للأمن السيبراني يعتمد على التعاون الطوعي بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي ومشغلي البنية التحتية الحيوية، من أجل اكتشاف الثغرات البرمجية ومعالجتها بصورة أسرع.

 

تصميم خاص -الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين في حرب إيران.. يضلل ويكشف الحقيقة
الذكاء الاصطناعي سلاح ذو حدين في تضليل الجمهور أو تنويره (الجزيرة)

تطمينات مشوبة بتحذيرات

وفي جانب آخر، أعطى المشروع أهمية كبيرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الهجمات الإلكترونية. فقد أوعز إلى وزارة العدل بتشديد تطبيق القوانين الجنائية الفيدرالية ضد “أي شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي للوصول غير القانوني إلى الحواسيب أو إلحاق الضرر بها”، بما يشمل استخدام “وكلاء الذكاء الاصطناعي” لاختراق الأنظمة وسرقة البيانات لأغراض إجرامية.

لكن، وعلى الرغم من محاولات طمأنة القطاع التقني، أشار موقع بوليتيكو إلى أن بعض الشخصيات المحافظة داخل معسكر ترمب أبدت تحفظات عميقة تجاه المشروع.

ونقل التقرير عن ديفيد ساكس المسؤول الأعلى السابق عن ملف الذكاء الاصطناعي في إدارة ترمب، تحذيره من أن المراجعات “الطوعية” قد تتحول مستقبلا إلى نظام إلزامي فعلي.

ويأتي هذا الجدل في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل الولايات المتحدة بشأن التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية للذكاء الاصطناعي، خصوصا على الوظائف وسوق العمل.

LUTON, ENGLAND - JULY 2: automated packing robots are shown during a visit by British Prime Minister Rishi Sunak to the Ocado distribution centre at a Conservative general election campaign event on July 2, 2024 near Luton, England. Labour currently holds a 20-point lead over the Conservatives, according to the latest Ipsos poll. Just over a third of voters say they may change their mind before polling day. (Photo by Phil Noble-WPA Pool/Getty Images)
أتمتة الوظائف يخشاها عامة الناس ويراها البعض مخاوف مبالغ فيها (غيتي إيميجز)

أتمتة الوظائف

وفي هذا السياق، يكتسب مقال رأي في صحيفة نيويورك تايمز كتبه ديفيد سولومون، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس إدارة مجموعة غولدمان ساكس، أهمية إضافية.

إعلان

ويرى الكاتب أن المخاوف مما يسميها “كارثة الوظائف” بسبب الذكاء الاصطناعي مبالغ فيها، معتبرا أن الاقتصاد الأمريكي يمتلك تاريخا طويلا في التكيف مع الثورات التكنولوجية الكبرى.

ويتقاطع تحليل سولومون مع فلسفة مسوّدة الأمر التنفيذي في نقطة جوهرية وهي حيوية السوق الأمريكية وقدرتها الذاتية على التكيف دون الحاجة لتدخلات حكومية خانقة.

ومن وجهة نظره أن التطور التكنولوجي عبر التاريخ -من الكهرباء إلى الثورة الرقمية- كان دائما يعيد صياغة سوق العمل بدلا من تدميره.

ورغم أن الخبراء في مجموعة غولدمان ساكس -وفقا للكاتب- يتوقعون أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى أتمتة 25% من ساعات العمل الحالية في مجالات الوظائف المكتبية كالمحاماة والمحاسبة والخدمات المصرفية، إلا أن المقابل يشهد نشوء قطاعات ومسارات وظيفية جديدة تماما لم تكن قائمة من قبل، كالحاجة المتزايدة لمراكز البيانات والوظائف المرتبطة بإدارة وتدقيق الأنظمة المستقلة.

ويؤكد سولومون أن الحفاظ على ديناميكية الاقتصاد الأمريكي يتطلب تكاملا ذكيا بين القطاعين العام والخاص، يركز على إعادة تأهيل العمالة وصقل مهاراتها التكنولوجية، بدلا من اللجوء إلى القوانين الحمائية المقيدة للابتكار.

هذا التوجه يدعم بشكل مباشر قلق الرئيس ترمب من أن القواعد الصارمة قد تكبل الشركات الأمريكية وتمنح الأفضلية للمنافسين الدوليين في توظيف واستغلال الطاقات الكاملة لهذه التكنولوجيا.

تظهر الصورة العامة التي تُستشف من المسوّدة الحصرية التي نشرها موقع بوليتيكو والرؤية الاقتصادية لـصحيفة نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة تعيش مخاضا تشريعيا وتكنولوجياً معقدا؛ حيث يتشابك الحذر الأمني من الاختراقات الإجرامية والسيبرانية مع الرغبة الجامحة في إبقاء الأسواق حرة ومبتكرة

استنفار سيبراني وتحديث مؤجل

بالعودة إلى تفاصيل المسوّدة المسرّبة التي نشرها موقع بوليتيكو، يظهر بوضوح أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى عسكرة الدفاع السيبراني وتحديث البنية التحتية للحكومة الفيدرالية بسرعة قصوى.

فقد منحت المسوّدة مهلة ضيقة لا تتعدى 30 يوما لعدد من الوكالات السيادية لاتخاذ إجراءات عاجلة؛ إذ ألزمت لجنة أنظمة الأمن القومي ووزير الحرب بإعطاء الأولوية القصوى للدفاع السيبراني عن الأنظمة المعلوماتية العسكرية والوطنية وتأمينها ضد التهديدات الخارجية.

كما نصت المسوّدة على قيام وزارة الأمن الداخلي، من خلال وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بإصدار توجيهات تشغيلية ملزمة لتسريع حماية الأنظمة المدنية الحكومية، وتسهيل وصول الأدوات والخدمات السيبرانية المتقدمة، بما في ذلك “النماذج الرائدة المغطاة”، إلى جهات حيوية مثل المستشفيات الريفية، وبنوك المجتمعات المحلية، والمرافق الخدمية المحلية.

وفي غضون 60 يوما، كُلفت الوكالات الأمنية بتطوير عملية قياس وتصنيف سرية لتقييم القدرات السيبرانية المتقدمة للنماذج لتحديد عتبة تصنيفها كـ “نموذج رائد مغطى”.

تُظهر الصورة العامة التي تُستشف من المسوّدة الحصرية التي نشرها موقع بوليتيكو والرؤية الاقتصادية لـصحيفة نيويورك تايمز أن الولايات المتحدة تعيش مخاضا تشريعيا وتكنولوجياً معقدا؛ حيث يتشابك الحذر الأمني من الاختراقات الإجرامية والسيبرانية مع الرغبة الجامحة في إبقاء الأسواق حرة ومبتكرة.

وسواء تم تعديل هذا الأمر التنفيذي أو أُعيدت صياغته بالكامل، فإن التحدي الأساسي لواشنطن سيبقى ثابتا، ويتمثل في كيفية حماية أمننا القومي واقتصادها دون أن تطفئ محرك الابتكار الذي يضمن تفوقها العالمي.

 

المصدر: الجزيرة