أعاد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش، وثق حملة اختطاف وتجنيد قسري للمدنيين والأطفال في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، تسليط الضوء على مخاطر انزلاق البلاد إلى جولة صدام جديدة، بعد أسابيع من انتخابات هيمن عليها حزب الازدهار بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد وجرت من دون تصويت في الإقليم.
وقالت المنظمة في تقريرها الصادر أمس الأول الاثنين إن الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي تختطف منذ أبريل/نيسان الماضي على الأقل، مدنيين وتجندهم بشكل غير قانوني في قواتها، بينهم أطفال لا تتجاوز أعمارهم 15 عاماً، في الشوارع والمكاتب وخلال مداهمات ليلية للمنازل ومواقع تعدين الذهب، بعد مرسوم أصدرته جبهة تحرير شعب تيغراي يفرض الخدمة العسكرية. ونفى متحدث باسم الجبهة مزاعم التجنيد القسري، وقال إن المدافعين عن الإقليم متطوعون.
وربطت المنظمة الحملة بـ”أشهر من التوتر المتصاعد” بين الحكومة الفدرالية والجبهة، كما حذرت نائبة مديرة قسم أفريقيا لاتيتيا بادر من أن “احتمال تجدد القتال يلوح في الأفق”، داعية الحكومات الراعية لهدنة عام 2022 إلى تحرك عاجل لمنع “فظائع مستقبلية”.
اتفاق بريتوريا يتآكل
وبحسب مجموعة الأزمات الدولية، لم تنفذ بنود رئيسية من اتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بين الجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي والحكومة في أديس أبابا، فقد بقيت الأراضي المتنازع عليها مع إقليم أمهرة تحت سيطرة ميليشيات أمهرة والقوات الفدرالية، فيما لا يزال معظم النازحين التيغراويين منها في مخيمات بعيدة عن ديارهم.
كما رصدت المجموعة تصعيدا متدرجا، ففي مايو/أيار 2025 حظرت الحكومة حزباً سياسياً، ثم قيدت التحويلات المالية وإمدادات الوقود إلى الإقليم فيما وصفته المجموعة بـ”نوع من الحصار الاقتصادي”، قبل أن ينفذ الجيش الفدرالي أواخر عام 2025 ضربات بالمسيرات على وحدات تابعة للجبهة الشعبية لتحرير إقليم تيغراي، قال إنها توغلت في إقليم عفر، في أول اشتباك مباشر منذ نهاية الحرب.
وفي أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، دخلت قوات تيغراي منطقة تسلمتي المتنازع عليها غربي الإقليم وتبادلت النار مع وحدات الجيش، مما علق الرحلات الجوية نحو الإقليم، وفق مصادر أمنية ودبلوماسية لوكالة الصحافة الفرنسية. وبحسب مجموعة الأزمات، برر قائد قوات تيغراي تادسي وردي التوغل بحماية مدنيين يتعرضون لاضطهاد ميليشيات أمهرة، فردت الحكومة بضربات مسيرات، قبل أن يأمر قواته بالانسحاب محتجا بأن رئيس الوزراء آبي أحمد صعد إلى “ما يشبه حربا شاملة”.
وبلغ التوتر ذروته في مايو/أيار الماضي حين أطاحت الجبهة بتادسي وردي نفسه، المدعوم فدراليا، ونصبت مجلسا إقليميا برئاسة دبرصيون جبر ميكائيل، قائد الإقليم إبان الحرب، فردت أديس أبابا بتحليق مقاتلات فوق مدينة ميكيلي مع إبقاء حشود عسكرية على حدود الإقليم. وترى المجموعة أن هذه الخطوة “تفرغ اتفاق بريتوريا من مضمونه تقريبا” وترفع خطر مواجهة عسكرية جديدة.
وفي هذا المناخ جرت الانتخابات العامة في الأول يونيو/حزيران، وأسفرت وفق نتائج أعلنتها الهيئة الوطنية للانتخابات في 21 من الشهر نفسه، عن فوز حزب الازدهار بزعامة آبي أحمد بـ438 مقعداً من أصل 501، بينما لم يجر التصويت في تيغراي، حسب موقع “داوان أفريقيا”.

جبهات تستنزف الجيش الفدرالي
ولا يخص الأمر تيغراي وحدها، فبحسب مشروع “التهديدات الحرجة” الأمريكي، تشن ميليشيات “فانو” الأمهرية هجمات متواصلة في إقليم أمهرة منذ مارس/آذار الماضي استهدفت بنية الانتخابات وموظفيها، بعدما أعلن أقوى فصائلها أن الاقتراع “غير شرعي”، مما دفع الهيئة الانتخابية لإلغاء التصويت في 8 دوائر على الأقل من أصل 138.
وقدّر المشروع أن هجمات “فانو” استنزفت الجيش الفدرالي وأجبرته على الأرجح على سحب قوات من محيط تيغراي نحو أمهرة، وقد تقيد أي خطط للرد على استيلاء الجبهة على السلطة. كما وثقت هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي لعام 2026 استمرار الأعمال العدائية بين القوات الفدرالية وجماعات مسلحة في أمهرة وأجزاء من أوروميا، حيث ينشط جيش تحرير أورومو.
وتتقاطع هذه الجبهات إقليميا، فقد نقلت مجموعة الأزمات أن أديس أبابا أعلنت أواخر عام 2025 اعتراض شحنات أسلحة إريترية موجهة إلى “فانو” عبر قوات دفاع تيغراي، واتهمت الجيش السوداني بالسماح للجبهة و”فانو” وجيش تحرير أورومو بعقد اجتماعات تنسيقية على أراضيه.

“برميل بارود” في القرن الأفريقي
وحذرت المجموعة، في إحاطة بعنوان “برميل بارود في القرن الأفريقي”، من أن أي مواجهة جديدة لن تبقى محلية، فقد أقامت جبهة تيغراي تقاربا مع عدوتها السابقة إريتريا التي توترت علاقتها بأديس أبابا بعد مطالبة آبي أحمد العلنية بمنفذ بحري، كما قربت الحرب في السودان الجيش السوداني من مصر وإريتريا مقابل تقارب رصدته المجموعة بين أديس أبابا وقوات الدعم السريع، مما يمهد بإمكانية أن تصبح تيغراي، بيدقاً في صراع إقليمي قد يجر السودان ومصر ودولا إقليمية.
ودعت المجموعة إلى فتح قنوات خلفية عاجلة، مرحبة بتعيين الاتحاد الأفريقي الرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو لدعم جهود السلام في إقليم تيغراي، وخلصت إلى أنه من دون معالجة ملفات نزع السلاح والأراضي المتنازع عليها وعودة النازحين، سيجد الطرفان نفسيهما “منجرّين مجددا إلى مسار التصادم”.
المصدر: الجزيرة