أثار القرار المفاجئ لوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بإلغاء نشر 4 آلاف جندي في بولندا استغراب موظفي البنتاغون والحلفاء الأوروبيين، بحسب صحيفة بوليتيكو الأمريكية.
وأشارت الصحيفة إلى أن الخطوة هي أحدث مثال على تحرك مفاجئ من وزير الدفاع “أذهل كلا جانبي المحيط الأطلسي”.
ونقلت الصحيفة عن 3 مسؤولين في البنتاغون مطلعين على الأمر قولهم إنه لم يتضح بعد سبب إصدار هيغسيث لهذا القرار. وذكرت الصحيفة أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أعرب مرارا عن غضبه وإحباطه من الحلفاء الأوروبيين لتقاعسهم عن تقديم المساعدة في الحرب مع إيران، على الرغم من وصفه بولندا بأنها “حليف مثالي” نظرا لإنفاقها الدفاعي المرتفع.
وقالت الصحيفة إن القرار كان مفاجئا للغاية، لا سيما وأن القوات والمعدات كانت قد بدأت بالفعل بالوصول إلى بولندا.
وأضافت أن القرار أثار موجات جديدة من القلق في العواصم الأوروبية وداخل البنتاغون يوم الخميس، بشأن ما إذا كانت مثل هذه التحركات ستشجع روسيا، و”أي حليف قد يصبح الهدف التالي”، على حد وصف الصحيفة.
ونقلت بوليتيكو عن أحد المسؤولين قوله “لم نكن نتوقع حدوث هذا”، مضيفا أن المسؤولين الأوروبيين والأمريكيين أمضوا الساعات الـ24 الماضية على الهاتف في محاولة لفهم القرار ومعرفة ما إذا كانت هناك مفاجآت أخرى قادمة.

موجة قلق
يأتي هذا التحرك عقب إعلان هيغسيث هذا الشهر عن سحب البنتاغون 5 آلاف جندي من القواعد الأمريكية في ألمانيا، بيد أن هذا القرار جاء تنفيذا لتهديد أطلقه ترمب بعد أن صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس بأن الولايات المتحدة “تُذل” نفسها بالصراع في إيران.
وذكرت بوليتيكو أن الجنود الـ4 آلاف المتمركزين في تكساس كانوا يستعدون للمغادرة في نشر تناوبي في بولندا لمدة 9 أشهر مقرر منذ فترة طويلة ويشمل تدريبا مع حلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) عندما جاء قرار وقف الإرسال.
وأضافت أن إلغاء هذه المهمة الاعتيادية غير معتاد للغاية نظرا لأن القوات الأمريكية المتمركزة في أوروبا تمثل رادعا رئيسا لروسيا.
وأصر ترمب على أن أوروبا ستضطر للدفاع عن نفسها، حتى مع انتقاده الشديد لمعارضة الحلفاء للصراع مع إيران، ويشير هذا الأمر الأخير إلى جدية الرئيس في تقليص الوجود الأمريكي في القارة.
ودافع البنتاغون عن هذه الخطوة باعتبارها “عملية مدروسة بعناية”. وقال جويل فالديز، القائم بأعمال المتحدث باسم البنتاغون، للصحيفة “جاء قرار سحب القوات بعد عملية شاملة ومتعددة المراحل، شملت آراء قادة رئيسيين في الجيش الأمريكي في أوروبا، وعلى امتداد التسلسل القيادي. لم يكن هذا قرارا مفاجئا أو متسرعا”.
ونقلت الصحيفة عن اللفتنانت جنرال بن هودجز، القائد السابق للجيش الأمريكي في أوروبا، قوله “يتمحور دور الجيش في أوروبا حول ردع الروس، وحماية المصالح الإستراتيجية الأمريكية، وطمأنة الحلفاء. والآن، فقدنا ركيزة بالغة الأهمية كانت ستشكل جزءا من هذا الردع”.
وقال هودجز “بالتأكيد لم ينتقد البولنديون الرئيس ترمب قط، وهم يفعلون كل الأشياء التي يفترض أن يفعلها الحلفاء الجيدون. ومع ذلك، يحدث هذا”.
وذكرت الصحيفة أن الإستراتيجية الأوسع لا تزال غامضة، ونقلت عن اثنين من المسؤولين الأمريكيين المطلعين على الأمر قولهما إن عملية الانسحاب الألماني لا تزال في مراحل التخطيط.
ويُعد هذا الانسحاب بمثابة خفض طفيف نسبيا للقوات الأمريكية البالغ عددها 38 ألف جندي في البلاد، ولكنه يبعث برسالة إلى الحلفاء الأوروبيين مفادها أنهم قد يدفعون ثمنا باهظا لمعارضتهم العلنية للبيت الأبيض، بحسب الصحيفة الأمريكية.
دفاع بولندي
وأشارت الصحيفة إلى لجوء المسؤولين البولنديين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للدفاع عن القرار أو للتعبير عن استيائهم من تأثيره على التحالف. وأعرب البعض عن أملهم في أن يستبدل الجيش البولندي هذا التواجد التناوبي للقوات بحضور دائم منتشر بالفعل في أوروبا. بينما حاول آخرون التقليل من شأن التأثير المحتمل.
وقال فلاديسلاف كوسينياك كاميش نائب رئيس الوزراء البولندي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي “هذا الأمر لا يخص بولندا، بل يرتبط بإعادة تنظيم جزء من القوات العسكرية الأمريكية في أوروبا، والتي أُعلن عنها سابقا”، في إشارة إلى الجهود الأمريكية الجارية لإعادة تقييم وجود القوات الأمريكية في القارة.
تقليل أوروبي
بيد أن مسؤولا رفيعا في الناتو تحدث إلى الصحيفة حاول التقليل من أثر القرار الأمريكي، قائلا إن عمليات النشر الدوري للقوات، مثل نشر القوات الأمريكية في بولندا، لا تدخل ضمن خطط الحلف طويلة الأمد لتعزيز وجود عسكري في القارة الأوروبية قادر على ردع روسيا.
وأضاف المسؤول للصحيفة: “نعلم أن الولايات المتحدة تعمل على تعديل موقفها في أوروبا، ونشهد بالفعل تزايدا في الوجود على الجناح الشرقي من جانب كندا وألمانيا، الأمر الذي يسهم في تعزيز حلف الناتو بشكل عام”.
وأشار المسؤول إلى أن فرنسا وألمانيا لديهما 5 آلاف جندي مشترك على الجناح الشرقي لحلف الناتو، وهو رقم سيزداد بالآلاف بحلول نهاية العام المقبل.
المصدر: الجزيرة