صمتت سماعتا الأذن للأبد رغم أنه لم يمر على شرائي لهما سوى سنة واحدة. باءت كل محاولات إصلاحهما بالفشل. أداء هاتفي المحمول بدأ يضعف، وأصبح يحتاج إلى الشحن على فترات متقاربة. الثلاجة ذات العامين توقفت عن العمل وتكلف إصلاحها من قبل الفني التابع للوكيل “المعتمد” مبلغا كبيرا، فضلا عن انتظار طال أسبوعين للحصول على قطعة الغيار اللازمة وسط موجة حر شديد تمر بها البلاد. سوء حظ؟
كنت في زيارة إلى والدتي مؤخرا، ولفت انتباهي ماكينة الخياطة التي اشترتها قبل أكثر من أربعة عقود والتي لا تزال تعمل على أكمل وجه – ويحتاج حملها إلى قوة بدنية لا بأس. وها هي المروحة صفراء اللون لا تزال تلطف أجواء الصيف الحارة رغم مرور أكثر من ثلاثين عاما على اقتنائها. الثلاجة، وموقد الغاز وغيرهما، كلها لا تزال بحالة جيدة رغم قدم طرزها – بينما بلوغ أي من الأجهزة في منزلي عامه العاشر بات هو الاستثناء.
فما الذي حدث؟ هل يعمد المصنعون إلى تصميم منتجات بحيث يكون عمرها قصيرا؟ ولماذا أصبح من الصعب إصلاح بعض الأجهزة؟ هل يمكن تفسير ذلك بالممارسة التي تعرف بـ “التقادم المخطط له” (planned obsolescence ) ؟ وهل صرنا نسارع بتغيير ما نمتلكه من مقتنيات حتى وإن لم يكن بها عيب؟ وما تأثير ذلك على البيئة؟
وشهد الاقتصاد الأمريكي نموا بمعدل أسرع من معدل الزيادة السكانية، وأصبح المعروض من السلع أكثر من احتياجات السكان. ووجدت القيادات الاقتصادية أنفسها أمام خيارين: إما تخفيض الإنتاج أو زيادة الاستهلاك لتحفيز النمو الاقتصادي، فلجأت إلى الخيار الثاني.
ابتكر خبير الإعلانات الشهير إرنست إلمو كالكينز مصطلح “هندسة المستهلك” الذي يشير إلى وسائل التأثير على سلوك المستهلكين لخلق الطلب على السلع والبضائع وزيادة الاستهلاك، بما في ذلك ما وصفه بـ”التقادم المصطنع”. وها نحن نتعرض منذ عقود لوابل تلو الآخر من الإعلانات التي تشجعنا على اقتناء أحدث الطرز وآخر الصيحات، وتحاول إقناعنا بأن النسخة الجديدة من المنتج أفضل من النسخة السابقة، وهو ما يطبّع ثقافة الهدر والتخلص من الأشياء.
لماذا أصبح عمر كثير من المنتجات قصيرا بشكل متزايد؟
تقليل النفقات من خلال استخدام مكونات أقل جودة، أو التعهيد الخارجي (outsourcing)، قد يكون له دور كذلك.
لكن هل تصمم الشركات المصنعة منتجاتها بطريقة تجعل أعمارها الافتراضية قصيرة؟
يقول البروفيسور جوش لِباوسكي أستاذ الجغرافيا بجامعة ميموريال أوف نيوفاوندلاند بكندا، والذي له عدة مؤلفات تتناول التجارة العالمية في النفايات الإلكترونية وتأثير تلك النفايات على البيئة والصحة، إن “من الصعب الإجابة على هذا السؤال، إذ إنه من الناحية القانونية، يجب إثبات أن الشركة المتهمة بالتقادم المخطط له فعلت ذلك عن عمد، وهذا شيء ليس بالسهل”.
يضيف لِباوسكي:”ما من شك في أن نماذج أعمال العديد من العلامات التجارية قائمة على شراء الأفراد للإصدارات الجديدة للأجهزة، حتى ولو كانت أجهزتهم الحالية تعمل جيدا من الناحية التقنية. من منظور بيئي، أكثر جهاز “مستدام” هو الجهاز الذي تمتلكه بالفعل. وكلما طالت مدة استخدامك له، كلما أسهمت في الحفاظ على الطاقة والمواد التي استخدمت في صنعه. عندما يكون نموذج عمل الشركة قائما على النمو، يكون هناك حافز لتقصير عمر استخدام الجهاز، وهو ما يؤدي إلى زيادة الطلب على الطاقة والخامات اللازمة لتصنيع نماذج جديدة”.
كثيرا ما يضطر المستهلكون، ولا سيما في البلدان الغنية، إلى شراء منتج جديد بدلا من إصلاح منتجهم القديم لارتفاع سعر تكلفة الإصلاح أو استحالته، أو لعدم سهولة الحصول على قطع الغيار أو الأدوات اللازمة، ولا سيما في حالة الأجهزة الإلكترونية. يؤدي ذلك إلى أن يصبح من الأرخص أو الأسهل شراء منتج جديد، وهو ما يؤدي بدوره إلى استهلاك مفرط للمصادر وزيادة النفايات الإلكترونية.
كان ذلك هو السبب الرئيسي وراء ظهور حركة “الحق في الإصلاح” (Right to Repair) في الولايات المتحدة، والتي تدعو إلى أن يكون للمستهلكين الحق في إصلاح منتجاتهم بأنفسهم أو اللجوء إلى فنيين مستقلين، بهدف تعزيز الاستدامة ومواجهة ثقافة التقادم المخطط له.
اكتسبت هذه الحملة زخما في بداية العقد الثاني من القرن الحالي، وانتشرت في مختلف أنحاء العالم، لا سيما مع التعقيدات المتزايدة لتصميمات الأجهزة الإلكترونية التي باتت تحتوي على مكونات ملكيتها حكر على الشركة المصنعة، أو تحتوي على أقفال برمجية وغيرها من القيود الرقمية التي تمنع إصلاحها من قبل أطراف خارجية.
تضم الحركة حاليا عشرات المنظمات غير الحكومية والجماعات التي تطالب بسن تشريعات تعزز الحق في الإصلاح – وقد نجحت بالفعل في إقناع المشرعين في عدد من الولايات الأمريكية والاتحاد الأوروبي بإصدار قوانين وقواعد في هذا الشأن، أو تنشر كتيبات إصلاح إلكترونية مجانية لعدد كبير من المنتجات، من الملابس إلى الأجهزة الإلكترونية والسيارات والمعدات الطبية وغيرها. من بين المواقع التي تقدم هذه الخدمات IFixit وThe Restart Project.
وقد قوبلت الحركة بمقاومة من الشركات المصنعة وبعض جماعات حماية المستهلك تركزت حول مخاوف تتعلق بالأساس بالسلامة والأمن وحقوق الملكية الفكرية.
تقول سيمز إن ” الاعتراض الرئيسي هو مدى سلامة عملية الإصلاح إذا نفذها أشخاص غير معتمدين. لكن هيئة الإنتاجية الأسترالية على سبيل المثال بحثت في هذا الموضوع وتوصلت إلى أنه ليست هناك خطورة متزايدة، بل إن عدم السماح لأشخاص غير معتمدين من الممكن أن يكون أكثر خطورة في بعض الحالات لأن ذلك يدفع الناس إلى محاولة إصلاح الأجهزة بأنفسهم من دون أن يكون لديهم المعرفة أو التدريب اللازمان. ينبغي التنبيه هنا إلى أن بعض المنتجات تحتاج إلى أشخاص محترفين لإجراء عملية الإصلاح، لكن الكثير منها لا يحتاج إلى ذلك”.
تكلفة بيئية باهظة
تشكل النفايات الإلكترونية مشكلة كبيرة نظرا لما تحتوي عليه من مواد ضارة بالبيئة وبصحة البشر إذا لم يتم التخلص منها بالشكل الصحيح. ولا شك أن قصر العمر الافتراضي للمنتجات، والرغبة في امتلاك طرز أحدث أو أكثر أناقة طوال الوقت تؤدي إلى تزايد تلك النفايات. بل إن بعض شركات التجزئة، ولا سيما تلك المتخصصة في مجالات كالأجهزة الإلكترونية والأزياء، تتخلص من منتجات بها عيوب بسيطة بدلا من بيعها بأسعار أرخص، أو المنتجات التي لم تتمكن من بيعها للحفاظ على قيمتها وتفردها، أو لأن ذلك هو الخيار الأرخص.
يقول البروفيسور لِباوسكي: “في الوقت الحالي، يتم إنتاج عدد من الأجهزة يفوق ما يمكن بيعه”، وإن تقديرات الاتحاد الأوروبي تشير إلى أن شركات التجزئة تدمر سنويات أجهزة إلكترونية جديدة تبلغ قيمتها مئات الملايين من الدولارات.
ويضيف أنه من بين الحلول الممكنة “إلزام الشركات بتوزيع الأجهزة الفائضة على المؤسسات العامة مثل المكتبات”.
وقد بدأت بعض العلامات التجارية في مجال الأزياء بيع منتجاتها الفائضة لمتاجر التخفيضات أو التبرع بها للمنظمات الخيرية أو إعادة تدويرها.
وتلفت البروفيسورة سيمز إلى أنه “مقارنة بإعادة التدوير، إصلاح المنتجات أفضل بكثير من حيث استهلاك الموارد وأفضل للكوكب ولصحة الناس التي تعمل في مراكز إعادة التدوير. للأسف هناك أشخاص يفرطون في الاستهلاك ويشترون أجهزة جديدة رغم أن أجهزتهم لا تزال تعمل بشكل جيد. إذا ما تبرعوا بمنتجاتهم القديمة أو باعوها بأسعار رخيصة، وكان بالإمكان إصلاحها بتكلفة زهيدة، سوف يعني ذلك شراء عدد أقل من البضائع بشكل عام”.