جولة داخل مقبرة فيينا حيث يزدهر التنوع البيولوجي

في فيينا، احتضنت ثاني أكبر مقبرة في أوروبا التنوع البيولوجي، دون إزعاج الموتى. يقبع في هذه المقبرة بعض العظماء كبيتهوفن وشوبرت وبرامز، بالإضافة إلى نجمة هوليوود المبدعة هيدي لامار، وكذلك أيقونة الروك النمساوية فالكو. هذا هو مثواهم الأخير.

لكن إذا تجوّلتم بحذر في مقبرة فيينا المركزية في ساعات الصباح الباكر، فقد تُلقون نظرة خاطفة على شيء يتحرك بين شواهد القبور البالية، وهذا الشيء ليس أشباحاً، بل حيوانات الهامستر (حيوان يشبه الفأر من فصيلة القوارض) الأوروبية، منتفخة الخدين، وهي في غاية الحيوية.

تعيش هذه الثدييات الجذابة في حديقة “بيس أند باور” شمال المقبرة، وتكشف المسارات الضيقة على الأرض عن أماكن هروبها مؤخراً. اعتُبرت حيوانات الهامستر، في السابق، آفة، وهي الآن مُهددة بالانقراض بشدة في أوروبا.

وقد أدى التوسع العمراني والزراعة الصناعية إلى تدمير موطنها في العقود الأخيرة، وإذا استمرت أعدادها في الانخفاض، فمن المرجح أن تنقرض بحلول عام 2050، وفقاً للقائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.

وقد حدّدت مراجعة أُجريت عام 2019 للتنوع البيولوجي في المقابر، 140 نوعاً من أنواع الحيوانات المحمية من الانقراض في المقابر حول العالم، بدءاً من بساتين الفاكهة في المقابر التركية، وصولاً إلى النباتات السهبية (نباتات تنمو في مناطق السهوب، وهي مناطق عشبية واسعة تتسم بمناخ قاري وجاف) التي تنمو بشكل متزايد في تلال الدفن (تلال صناعية من الأرض والحجارة مبنية على رفات الموتى) في أوراسيا.

يُراقب توماس فيليك، الباحث في جامعة الموارد الطبيعية وعلوم الحياة في فيينا، سكان البرية في مقبرة فيينا المركزية الشاسعة، والتي تمتد على مساحة كيلومترين مربعين و400 متر.

وأثناء سيره في رقعةٍ مليئة بالعُشب الأخضر أصبحت موطناً لحيوان الهامستر الأوروبي، يُشير توماس فيليك إلى جحورهم الصغيرة داخل العشب الطويل.

ويقول فيليك: “لقد تحدثنا إلى البستانيين حول العمل بطريقة تحمي التنوع البيولوجي، وعدم قصّ أجزاء كبيرة من الأعشاب والنباتات”.

ويُضيف قائلاً: “من المهم أن نفكر في دورات حياة الحيوانات، فهي تبدأ بالنباتات. ثم تجلب الحشرات، وبعدها تجلب الحشرات الطيور، وهكذا”.

ويُشير مصطلح “علم المواطن” إلى المشاريع العلمية التي تتضمن مشاركة فعّالة من قبل الجمهور في المساعي العلمية، ومن الممكن أن يُشارك العلماء المواطنون في جميع مراحل البحث.

يتلقى المشروع، الذي يقع مقره في جامعة الموارد الطبيعية وعلوم الحياة في فيينا، أكثر من 3000 تقرير مشاهدة للحيوانات من علماء المواطنين عبر مقابر مختلفة كل عام.

وبجانب احتضانها لحيوان الهامستر، تُعد مقبرة فيينا المركزية أيضاً موطناً لفصائل من الحيوانات المهددة بالانقراض والتي تحميها توجيهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بحماية هذه الأنواع، بما في ذلك الضفدع الأخضر الأوروبي، وخنفساء الألب ذات القرون الطويلة، والسنجاب الأرضي الأوروبي.

وقد اتخذ كذلك الهدهد الأوراسي، المنتشر في أوروبا لكنه مهدد بالانقراض محلياً، من هذه المنطقة موطناً له. وقد أحصى فيليك ومتطوعوه، في المجمل، أكثر من 240 نوعاً مختلفاً من الحيوانات والنباتات منذ انطلاق المشروع عام 2021.

ويعترف فيليك بأن مشاريع علم المواطن لها نقاط ضعفها الخاصة، إذ يقول: “يميل الناس إلى ملاحظة الحيوانات الكبيرة التي تطير، لكنهم يُلاحظون أقل الكائنات الصغيرة”.

لمواجهة هذا، فإنهم يعملون مع طلاب جامعيين يُجرون أبحاثاً حول المناطق المهجورة، مثل المخلوقات الصغيرة التي تستعمر الخشب الميت، كجزء من مشروع أطروحتهم.

اشتهرت المقبرة البرية قبل وقت طويل من بدء فيليك في توثيقها، وهي مكان شهير لمراقبي الطيور، ومصوري الحياة البرية، ومحبي الطبيعة.

ولم تُشاهد غزلان أو ثعالب أو أرانب في هذه الزيارة، فهي تُفضل البقاء بمفردها وغالباً ما تلجأ إلى أقسام أكثر هدوءاً من المقبرة أثناء النهار.

يقول إنجو كواريك، عالم البيئة الحضرية والأستاذ المتقاعد في الجامعة التقنية في برلين، والذي قاد أحد أول المسوحات الشاملة عن التنوع البيولوجي في المقابر في مقبرة فايسينسي اليهودية في برلين عام 2016، إن المقابر “تمثل فسيفساء من مواطن مختلفة للحيوانات”.

ومع ذلك، فإن مثل تلك السمات قد تُسبب ارتباكاً للحيوانات أيضاً. إذ وجدت دراسة أُجريت عام 2007 في مقبرة مجرية أن شواهد القبور السوداء تجذب اليعاسيب، لأن سطحها العاكس يشبه الماء.

كما يمكن أن تكون المقابر التي تم التخطيط لها أو صيانتها بشكل سيئ مصدراً لتلوث التربة والمياه الجوفية، وخاصة في البلدان التي يكون فيها التحنيط والدفن في التوابيت أمراً شائعاً، في حين يُساهم حرق الجثث في تلوث الهواء.

في مقبرة فيينا المركزية، حُجزت رقعة مليئة بالعشب الأخضر بالقرب من مقر حيوان الهامستر لدفن الموتى بشكل طبيعي، بجوار صفوف القبور التقليدية المغطاة بألواح حجرية، وأزهار مزخرفة، وشموع لذيذة.

وتوجد في الجوار بقاع من الغابات الكثيفة، حيث توجد أماكن الراحة الأخيرة، التي تتميز بالأشجار الشاهقة، والتي ترتادها الغزلان في كثير من الأحيان.

ويقول كواريك: “هناك صدىً للماضي التاريخي”، في إشارة إلى قدرة المقابر بصفة عامة على الحفاظ على الحياة البرية ومواطن الحيوانات، حتى مع انتشار المدن حولها.

وبينما كان يعمل مدرساً مؤهلاً وحديث التخرج في علم الأحياء، قرر فيليك النظر عن كثب إلى الحياة البرية في مدينته.

ويضيف: “أردت أن أُظهر لطلابي ما يمكن فعله هنا”.

ولكن، في البداية، لم يتمكن فيليك من العثور على معلومات كثيرة حول فصائل الحيوانات التي كانت تسكن المقبرة المركزية.

لقد تغير ذلك بفضل حوار مع فلوريان إيفانيتش، وهو منسق مناظر طبيعية يعمل في المقبرة منذ عام 1982. وقد قاد إيفانيتش جهوداً لتحويل عشرة أفدنة (40 ألف متر مربع) من الأراضي غير المستخدمة في المقبرة إلى حديقة طبيعية في عام 2011.

هناك، تُترك النباتات والحيوانات لأجهزتها الخاصة قدر الإمكان، مع وجود الصخور، والبرك، وأكوام من الخشب الميت التي توفر مساكن صغيرة إضافية للحيوانات.

انبهر فيليك على الفور بالمعرفة التي يمتلكها إيفانيتش.

يقول فيليك: “إنه يعرف المقبرة عن ظهر قلب، ويُقدرها حق قدرها. أخبرته أن لديّ فكرة لمشروع يُسلط الضوء على المقابر كمراكز للتنوع البيولوجي، وكان داعماً جداً لهذه الفكرة”.

عمل فيليك مع موظفي المقبرة المركزية على توسيع التركيز على التنوع البيولوجي خارج حدود الحديقة الطبيعية.

وقد شمل ذلك تركيب صناديق تعشيش ومغذيات للطيور، بالإضافة إلى تحديد بعض المناطق للأخشاب الميتة والصخور.

وفي أماكن أخرى، تُترك مساحات من العشب لتنمو طويلاً وتُنتج بذوراً. ويقول فيليك إن هذه الإجراءات يمكن تطبيقها في أي مقبرة.

 

المصدر: BBC