“حرائق القرن” تزحف نحو المدن في فرنسا وإسبانيا

فوق هضبة الأكروبوليس في العاصمة اليونانية أثينا، كان سياح معبد “البارثينون” يتسابقون لتفادي أمطار غزيرة انهمرت بشكل مفاجئ في المنطقة بينما يضرب الحر أرجاء أوروبا الغربية، وهي صورة عكست تحولا في خارطة التغيرات المناخية وتداعياتها هذا العام، بعد أن اعتادت اليونان لسنوات طويلة تسخير طاقاتها في إخماد النيران.

وعلى عكس الأمطار التي نزلت على سياح “البارثينون”، كان الجيران الأوروبيون على الجانب الآخر من القارة، تحديدا فرنسا وإسبانيا، يعدون أنفاسهم خوفا من زحف حرائق غير مسبوقة التهمت آلاف الهكتارات وباتت على مداخل المدن والأحياء السكنية.

Firefighters battle a wildfire near Marcheprime, outside, Bordeaux, France, Sunday, July 26, 2026. (AP Photo/Emma Da Silva)
رجل إطفاء يكافح حريقا هائلا بالقرب من مارشبرايم خارج مدينة بوردو الفرنسية (أسوشيتد برس)

الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية

في فرنسا يكافح حوالي 1500 من رجال الإطفاء لمنع تقدم حريق كبير في جيروند على الساحل المطل على المحيط الأطلسي، بسرعة كبيرة خلال الليل، وأتى حتى يوم الأحد على مساحات تقدر بـ42 ألف هكتار، أي ما يعادل 7 أضعاف مساحة جزيرة مانهاتن وأكثر من 4 أضعاف مساحة باريس.

وفي مسعى للسيطرة على تمدد الحرائق، أقلعت ظهر اليوم الأحد طائرات عسكرية، معدلة لدعم مكافحة النيران، من قاعدة إيستر لتنفيذ عملية إطفاء ثانية في جيروند.

مع ذلك، تتزايد المخاوف من سيناريو أكثر خطورة، حيث بات الحريق على بعد 15 كيلومترا من المنطقة الحضرية، بالقرب من مارتينيا سور جال، وهي المنطقة الأكثر كثافة بالأشجار في الإقليم، وفق ما أعلنته السلطات اليوم الأحد.

ويكافح رجال الإطفاء لإبطاء تقدم ألسنة اللهب نحو بوردو، برا وجوا، حيث تقوم الطائرات بإسقاط المياه ومواد إخماد الحرائق. كما تم استدعاء قوات من الجيش لتعزيز الجهود المضنية التي تبذلها فرق الإطفاء على مدار الساعة.

وقال وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إن “الوضع لا يزال غير موات للغاية”، بعد إشارته لوجود ما وصفه “بليلة أخرى صعبة” لفرق الإطفاء.

إعلان

وفي منطقة بوردو التي تشتهر بكروم العنب، من المرجح جدا أن تكون عملية إجلاء المدنيين الأكبر في فرنسا في غير حالات الحرب، بحسب الحكومة. ويعد هذا الحريق من بين أكبر الحرائق المسجلة في فرنسا منذ الحرب العالمية الثانية.

وفي مواجهة الخطر، صدرت بالفعل أوامر بإجلاء 55 ألف شخص مساء السبت في بلدات تقع جنوب شرق حوض أركاشون أو بالقرب من مدينة بوردو، من بينها “سيستاس” التي تضم 17 ألف نسمة، حيث ذكر رئيس البلدية جيروم ستيف لقناة “بي إف إم تي في” أن “المنطقة باتت مهجورة”.

وإجمالا وصل عدد النازحين في المقاطعة إلى 220 ألف شخص، ما يجعل عملية الإجلاء هذه من بين الأكبر على الإطلاق في تاريخ حرائق الغابات في فرنسا.

epa13131832 Dozens of firefighters set up their equipment on a support line between the villages of Lacanau and Saint-Helene in the Bordeaux region, southwestern France, 25 July 2026. French Interior Minister Laurent Nunez confirmed that around 40,000 people are being evacuated from the Cap Ferret peninsula due to the wildfires following a total evacuation order issued by authorities for the southwestern region. EPA/Astrid Lagougne
رجال الإطفاء يعملون على منع تقدم الحرائق إلى المناطق الحضرية في منطقة بوردو الكبرى (الأوروبية)

وفي مقاطعة لاند المجاورة، أُجلي نحو 30 ألف شخص، بينما أعلنت السلطات في مقاطعة “فار” حيث التهمت النيران 4500 هكتار في 6 أيام، عن إمكانية صدور تعليمات جديدة بالإخلاء مع استمرار وجود جيوب من “الحرائق النشطة”.

وفي بيانات نقلتها تقارير محلية، ينتشر في المنطقة اليوم الأحد 1030 من رجال الإطفاء و275 مركبة على الأرض، مدعومين بـ3 مروحيات، وطائرة داش 8، وطائرتي إطفاء مياه من طراز كانادير.

“طوارئ مدنية”

الأوضاع ليست أقل خطورة في إسبانيا، فمع أن هذا البلد اكتسب خبرات في مواجهة الحرائق الموسمية في الصيف فإن ما حدث في يوليو/تموز الجاري من حرائق مدمرة في أعقاب موجات حر شديدة، أيقظ حالة من الخوف من تداعيات كارثية.

ووفق صحيفة “إل باييس” الإسبانية أجلي حتى اليوم الأحد، 121 ألف شخص حوصروا في منازلهم بسبب حرائق الغابات التي أتت على أكثر من 77 ألف هكتار في مدريد وأفيلا وطليطلة، بالإضافة إلى الحرائق التي اجتاحت وادي أويكسو في كاستيلون.

وقال ملك إسبانيا فيليب السادس الأحد إن حرائق الغابات تسببت في أضرار “لا تقدر” للتراث الطبيعي للبلاد.

وتسببت الحرائق في تدمير أكثر من 40 منزلا في منطقة مدريد، وإلحاق أضرار متفاوتة بنحو 300 منزل آخر، وفقا لأحدث إحصائية للحكومة الإقليمية التي تواصل تقييم الأضرار التي لحقت بالمباني والأراضي والبنية التحتية لتوفير المساعدات للمتضررين.

وتوقع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، في تصريحات له اليوم الأحد، “ساعات عمل شاقة” في الأيام المقبلة، مشيرا إلى مرسوم ملكي سيقره مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل، لإعلان المناطق المتضررة من الحرائق في حالة “طوارئ مدنية خطيرة”.

في غضون ذلك، ذكرت “إل باييس” أن نحو 300 من رجال الإطفاء وحراس الغابات من منطقة مدريد يعملون على مكافحة النيران، مدعومين بـ50 مركبة برية و3 مروحيات، مع إضافة المزيد من موارد مكافحة الحرائق تدريجيا.

Castilla-y-Leon district's firefighters battle a fire surrounding La Atalaya residential area in El Tiemblo, 80 kms west of Madrid, on July 25, 2026 amid wildfires that have burned up to 25,000 hectares.
رجال الإطفاء في مقاطعة “كاستيا وليون” بإسبانيا يكافحون حريقا يحيط بمنطقة “لا أتاليا” السكنية (الفرنسية)

ونقلت الصحيفة الإسبانية عن مركز القيادة لمكافحة الحرائق 3 سيناريوهات عمل ذات أولوية:

  • الجبهة الشرقية، التي تم تعزيزها بالفعل.
  • والجبهة الغربية، حيث لا يزال الهدف هو وقف تقدم النيران وحماية السكان.
  • والمنطقة الشمالية من خزان سان خوان، حيث يتركز جزء كبير من الجهود الآن لمنع انتشار النيران بشكل جديد.
Residents carry containers of water to put out the embers as a fire started in an industrial area of San Martin de Valdeiglesias, about 70km west of Madrid, on July 26, 2026.
سكان يحملون حاويات مياه لإخماد الجمر بعد اندلاع حريق غرب مدريد (الفرنسية)

ومنذ بداية عام 2026، دمرت الحرائق أكثر من 152 ألف هكتار في إسبانيا، أي 6 أضعاف ما دمرته في عام 2025 بأكمله.

إعلان

من جانبه، أشار البابا ليو الرابع عشر، في ختام صلاة اليوم الأحد، إلى “حرائق الغابات المدمرة” في فرنسا وإسبانيا، وقال: “أعرب عن تضامني، وأدعو الجميع إلى الصلاة من أجل المتضررين ومن أجل جهود عمال الإنقاذ”.

 

المصدر: الجزيرة