يمسك شخص ورقة في يده لوقت طويل. قد تظنه يبحث عن سلة مهملات، لكن “مع شنغين ” يقلب التوقع: هو يبحث عن زاوية لا تراه فيها العيون كي يرميها على الأرض.
وفي مشهد آخر، يصل سائق إلى إشارة حمراء، فلا يبدأ بالسؤال إن كان الطريق آمنا أو إن كان عبوره قد يعرض أحدا للخطر. يبدأ بما يشبه “مسحا أمنيا ” للمكان: أين الكاميرا؟ هل يوجد شرطي؟ وإن لم يجد، تصبح الإشارة الحمراء، كما يقول شنغين مقدم البرنامج “زينة فقط “.
لا يتوقف الفيلم عند مخالفة مرورية أو ورقة ملقاة في الشارع، بل يفتح سؤالا عن العقد الاجتماعي اليومي: لماذا يتحول القانون عند بعض الناس من قاعدة تحمي الجميع إلى حاجز ينبغي التحايل عليه؟ ولماذا يبدو الملتزم أحيانا كأنه الخاسر الوحيد في لعبة الفهلوة؟
لمشاهدة الحلقة الكاملة من هنا

حين يكون القانون عينا تراقبك
يسمي الفيلم هذه الحالة “عقلية الانضباط الخارجي “: أن يلتزم الشخص ما دام هناك من يراه ويحاسبه، ثم تزول دوافع الالتزام مع غياب الرقيب.
الفكرة تبدو بسيطة، لكنها تظهر في عشرات التفاصيل: من يربط حزام الأمان قرب الحاجز فقط، أو من يرمي قمامته خارج البيت مع أنه لا يقبل سقوطها على أرض منزله، أو من يتجاوز طابورا ثم يدافع عن نفسه بجملة يعرفها الشارع السوري جيدا: “كل العالم عم تعمل هيك، وقفت علي أنا يعني؟ “
المشكلة هنا ليست في الجهل بالقاعدة. معظم الناس يعرفون أن قطع الإشارة خطر، وأن رمي النفايات يفسد المكان، وأن تجاوز الدور اعتداء على وقت غيرهم. لكن المعرفة وحدها لا تصنع سلوكا. حين يصبح معيار الفعل هو احتمال العقوبة فقط، يتحول القانون إلى خصم خارجي، لا إلى اتفاق يحمي الفرد نفسه قبل أن يحمي الآخرين.
ويعرض الفيلم، في هذا السياق، كيف يمكن أن ينظر بعض الناس إلى مخالفة القانون بوصفها “حربئة ” – الفهلوة والحربئة كلمتان معاصرتان تستخدمان للدلالة على الذكاء الممزوج بالاحتيال والمراوغة- بينما يبدو الالتزام سذاجة. عندها لا يعود السؤال: ما الصواب؟ بل: كيف أفلت من الكلفة؟

كيف يتحول الخطأ إلى قاعدة؟
لا تنتشر المخالفة دائما لأن أحدا خطط لها. لكن تكرار المشهد من دون كلفة يرسل رسالة صامتة إلى الآخرين: هذا مسموح، أو على الأقل لن يحاسب عليه أحد.
يستدعي الفيلم نظرية التعلم الاجتماعي لعالم النفس ألبرت باندورا لتفسير هذه الآلية: البشر يتعلمون كثيرا عبر الملاحظة والتقليد، ولا سيما حين يرون سلوكا يتكرر من دون عاقبة واضحة. وقد وضع باندورا نظريته في التعلم الاجتماعي عام 1977، وتقوم في جانب منها على أن الملاحظة والتعزيز يؤثران في اكتساب السلوك.
وهذا ما يجعل عبارة “كل العالم عم تعمل هيك ” أخطر من مجرد تبرير عابر. فهي تصف دورة كاملة:
- شخص يرى المخالفة.
- يشعر بالاستغراب في المرة الأولى.
- يتضايق في المرات التالية.
- ثم يعتادها.
- وفي النهاية، يبدو الملتزم هو الحالة الغريبة.
بهذه الطريقة، لا يصبح الخطأ خطأ فرديا فقط، بل قاعدة اجتماعية غير مكتوبة. ويصبح الشارع مكانا يتوقع فيه كل شخص أن يخالف الآخرون، فيفقد هو أيضا حافزه للالتزام.

البيت نظيف والشارع مباح
من أكثر مفارقات الفيلم قوة أن الشخص نفسه الذي يحرص على نظافة بيته قد يرمي نفاياته في الشارع. ليست القضية هنا نظافة فحسب، بل حدود المسؤولية كما يرسمها الفرد لنفسه.
ما داخل المنزل “لي “، ولذلك أعتني به. أما الشارع والحديقة والرصيف والطابور، فهي ملك مجهول أو مسؤولية جهة بعيدة. لكن الحقيقة أن إهمال المساحة العامة لا يقع على “الدولة ” بوصفها فكرة مجردة فقط، بل على الناس الذين يستخدمونها يوميا: الطفل الذي يمشي بين النفايات، والسائق الذي يدفع ثمن الفوضى، والمشاة الذين يخسرون حقهم في رصيف آمن.
وحين يفقد الناس إحساسهم بأن المكان العام يخصهم، يصبح استنزافه سهلا. هنا لا تكفي حملة نظافة موسمية، لأن المشكلة ليست في غياب كيس قمامة أو لوحة تحذير، بل في معنى العلاقة بين الفرد وما يشترك فيه مع الآخرين.

عندما يضعف الرادع
يستدعي فيلم “مع شنغين ” إضراب شرطة مونتريال في أكتوبر/تشرين الأول 1969 لتوسيع سؤاله: ماذا قد يحدث حين يختل فجأة الإحساس بأن القاعدة مطبقة وأن من يخرقها سيدفع كلفة فعله؟
خلال الإضراب، شهدت المدينة اضطرابا تخللته أعمال نهب وإحراق وتخريب، قبل أن تستعيد السلطات السيطرة. لا ينبغي قراءة الواقعة الكندية باعتبارها برهانا على أن الناس يتحولون تلقائيا إلى ناهبين كلما غاب الشرطي. لكنها تقدم مثالا واضحا على أن الفوضى، حين تترافق مع غياب الإنفاذ والفرصة، قد تتيح لبعض الأفراد استغلال اللحظة.
وتتكرر الفكرة نفسها، بسياقات مختلفة لا يجوز اختزالها، في وقائع أخرى. فقد وثقت الحكومة البريطانية 5175 جريمة مسجلة مرتبطة بالاضطرابات التي شهدتها مناطق من إنجلترا في أغسطس/آب 2011، بينها أعمال نهب وعنف، فيما أشار تقييم رسمي إلى التحديات التي واجهتها الشرطة في التعامل مع الاضطرابات.
وفي لوس أنجلوس عام 1992، اندلعت اضطرابات عقب تبرئة ضباط اتهموا بضرب رودني كينغ، وترافقت مع أضرار وحرائق ونهب في مناطق من المدينة. لكن هذا المثال لا يفسر فقط بضعف الإنفاذ، بل أيضا بسياق غضب واحتقان عرقي واجتماعي وسياسي لا يمكن محوه من القصة.
القاسم المشترك بين هذه الأمثلة ليس أن البشر ينهبون عند غياب الدولة، بل إن الردع حين يضعف أو يبدو مرتبكا، ويلتقي بالغضب والفرصة والعدوى الجماعية، قد يفتح بابا لسلوكات انتهازية.
والرادع هنا ليس شرطيا وحده. إنه قانون واضح يطبق على الجميع، ومؤسسات تستجيب، ومجتمع لا يمنح المخالف لقب “الشاطر “، ولا يترك الملتزم يشعر أنه يدفع الكلفة وحده.

سوريا.. ما بين إرث الخوف وفرصة البناء
في السياق السوري، يفتح الفيلم بابا حساسا لا ينبغي التعامل معه كجلد للناس أو كاتهام أخلاقي للمجتمع. فالسلوك العام لا ينشأ في فراغ، ولا يمكن فصل النقاش عن تجربة طويلة تداخل فيها الخوف من السلطة، والانتقائية، وتراجع الثقة بأن القاعدة تطبق على الجميع. لكن إرث العقود الماضية لا يفسر كل شيء، ولا يحكم على السوريين بالبقاء داخله. بل قد يكون فهمه هو الخطوة الأولى لتجاوزه.
المطلوب ليس أن ننتظر تحولا أخلاقيا مفاجئا، ولا أن نراهن على الكاميرات والغرامات وحدها. الغرامة ضرورية كي لا تصبح المخالفة سلوكا مربحا، وكي لا يشعر من يقف عند الإشارة أو يحترم الدور أو يحافظ على نظافة الحي أنه يخسر وحده. لكن لا يمكن وضع شرطي أمام كل حاوية قمامة، أو كاميرا عند كل زاوية، أو مراقب داخل كل سيارة.
تميز نظريات الدافعية، ومنها إطار إدوارد ديسي وريتشارد رايان، بين سلوك تحركه ضغوط أو مكافآت خارجية وسلوك يجري استبطانه بوصفه قيمة أو اختيارا شخصيا. وهذا يوضح أن الانتقال من الخوف من العقوبة إلى الاقتناع بالقاعدة ليس تفصيلا تربويا، بل مسار ضروري للاستدامة.
لذلك، تحتاج سوريا إلى مسارين يسيران معا:
- إنفاذ عادل وحقيقي للقانون، لا انتقائي ولا استعراضي.
- عمل ثقافي وتربوي طويل يبدأ من المدرسة والبيت والشارع، ويجعل الالتزام عادة محترمة لا مادة للسخرية.
في هذا المسار، لا تكون حملات التوعية بديلا من القانون، ولا يكون القانون بديلا من التربية. المطلوب أن تعمل العناصر كلها معا: معلم لا يتجاوز الدور، وأب لا يرمي القمامة من نافذة السيارة، وإدارة محلية تستجيب، وشرطة تطبق القاعدة بلا استثناءات، ومحتوى إعلامي يجعل احترام المجال العام قيمة اجتماعية.

من الخوف إلى المسؤولية
فيلم “مع شنغين ” لا يتحدث من برج أخلاقي. إنه يلتقط مشاهد يعرفها الناس: ورقة تنتظر زاوية عمياء، وحزام أمان يوضع أمام الشرطي، وإشارة حمراء تفقد معناها حين لا توجد كاميرا.
لكن السؤال الذي يتركه الفيلم أبعد من هذه التفاصيل: هل نريد مجتمعا لا يخطئ لأنه خائف، أم مجتمعا يحترم القانون لأنه فهم أن حقه مرتبط بحق الآخرين؟
لا أحد يدعي أن الطريق قصير، ولا أن حملات ثقافية قليلة تمحو ما تراكم عبر سنوات. لكن السلوك المكتسب يمكن تغييره، والقاعدة التي يراها الناس قيدا اليوم يمكن أن تصبح غدا حماية لهم. عندها فقط، لن تكون الإشارة الحمراء زينة في شارع بلا كاميرا، ولن تكون نظافة المكان العام مسؤولية شخص آخر.
المصدر: الجزيرة