في خضم التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقطع فيديو ادعى ناشروه أنه يوثّق إصابة مباشرة لبارجة حربية أمريكية في عرض البحر إثر استهدافها بصواريخ إيرانية.
ويظهر في المقطع، الذي لا تتجاوز مدته 15 ثانية -ويبدو مصورا من قارب صغير- سفينة حربية كبيرة رمادية اللون، تطفو وسط مياه زرقاء وتحت سماء صافية، وتظهر على هيكلها الخارجي أضرار بالغة وخروق في هيكلها.
ورافقت المقطع تعليقات تجزم بأن السفينة الظاهرة هي حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن”، وأن الأضرار الظاهرة في مقطع الفيديو هي نتاج هجوم إيراني مباشر.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
وسرعان ما تحوّل المقطع إلى مادة جدل واسعة، إذ حصد ملايين المشاهدات خلال ساعات قليلة، وتناقلته حسابات موالية للسردية الحربية الإيرانية، في وقت لم تصدر فيه أي بيانات رسمية عسكرية أمريكية أو تقارير إعلامية تؤكد وقوع حادثة من هذا النوع.
مسار انتشار المقطع
وحدة المصادر المفتوحة في شبكة الجزيرة أجرت بحثا عن مسار انتشار الفيديو وتوصلت إلى أن حساب (Asif Ali) تصدر قائمة الحسابات التي نشرت الادعاء على منصة إكس.
وبتحليل نشاط الحساب، تبين أنه يعتمد على إعادة نشر مقاطع فيديو مضللة بعناوين ترويجية مثيرة، تجسد مشاهد فوضى وعمليات إجلاء وتحطم طائرات وغرق سفن وإسقاط مروحيات عسكرية.
وبدأ الحساب تداول المقطع (مؤرشف) مرفقا بعبارة “عاجل، إيران شنت هجوما ضخما على حاملة الطائرات أبراهام لينكولن، الأمر واضح في اللقطات”، داعيا منصة إكس إلى عدم حذف المقطع، إذ حصد المنشور وحده أكثر من مليون مشاهدة خلال 24 ساعة.
سردية واحدة بعدة لغات
وبعد ساعات من النشر الأول، تناقلت المقطع حسابات أخرى بصيغ لغوية مختلفة، من بينها حساب “أبو حمزة” الذي نشره باللغة الباشتونية، وحساب “نورة الحربي” الذي رافقه بتعليق يصف الصواريخ الإيرانية بأنها حولت الحاملة إلى “غربال”، إضافة إلى حساب باسم “Pascal” كرر الصياغة الأصلية للمنشور باللغة الفرنسية.
كما أعاد حساب (QPatriot) نشر المقطع بالصياغة الإنجليزية مع دعوة المتابعين لترقب “منشور صادم” لاحق، فيما تبنى حساب “Iran Army” على منصة إكس المقطع، ليتسع نطاق تداوله عبر شبكة من الحسابات ذات التوجه الموالي لإيران والمناهض للسياسات الأمريكية في المنطقة.
نتائج البحث العكسي
وأظهرت نتائج البحث العكسي أن المقطع المتداول حديث النشر، ويعود تاريخ تداوله إلى شهر يوليو/تموز الجاري، إذ لم يُعثر على أي نُسخ سابقة له متداولة قبل هذا التاريخ.
كما لم تظهر على الفيديو أي مؤشرات فنية تدل على أنه مُولَّد بتقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم قوة الضربات الظاهرة فيه، إذ تتطابق تفاصيل الحركة والحطام مع خصائص التصوير الحقيقي، مما يعزز فرضية أن المقطع واقعي.
التحليل البصري
لكن عند فحص السفينة الظاهرة في المقطع ومقارنتها بصور أرشيفية موثّقة لحاملة الطائرات أبراهام لينكولن، تتضح عدة فروق جوهرية في الشكل والهيكل تنفي أن تكون السفينة المستهدفة هي الحاملة الأمريكية.
وتظهر البنية العلوية للسفينة في الفيديو أصغر بكثير مقارنة بالبنية العلوية الضخمة التي تميز حاملة الطائرات المزودة بأنظمة رادار ثنائية وثلاثية الأبعاد، كما تخلو من النتوءات على جانبها، بالإضافة إلى أنها أبسط في التصميم ولم تظهر باللون نفسه، كما في المقطع.
ولا يظهر على سطح السفينة في المقطع أي طائرات مركونة، ولا يبدو عليها تصميم السطح المائل (Angled Flight Deck) الذي يُعَد سمة مميزة لا تُخطئها العين في حاملات الطائرات، وهو ما يتناقض تماما مع الافتراض القائل إن السفينة كانت حاملة طائرات عاملة في منطقة توصف بأنها متوترة عسكريا.
ويُستبعَد منطقيا أن تكون حاملة طائرات في وضعية تأهب أو انتشار خالية من مقاتلاتها وطائراتها، مما يعزز الشكوك حول صحة الادعاء المرتبط بالفيديو وبيئة تصويره الحقيقية.
سياق المقطع الأصلي
وبتعميق البحث عبر المصادر المفتوحة، وجدنا الفيديو القصير (15 ثانية) مقتطعا من فيديو منشور قبل ساعات على قناة “وكالة الإعلام الدفاعي” (Defense)، التي تؤرشف الصور والمقاطع المرئية والبيانات الصحفية الصادرة عن جميع أفرع الجيش الأمريكي (البحرية، سلاح الجو، الجيش، المارينز، وغيرها).
ويظهر المقطع نفسه من أول الثانية 37 في المقطع، ولكنه مرفق بعنوان يشير إلى أن اللقطات تعود لتدريبات إغراق ضمن مناورات “ريمباك 2026″، أكبر مناورة بحرية مشتركة في العالم، وتقام قبالة سواحل جزر هاواي الأمريكية من 24 يونيو/حزيران حتى 31 يوليو/تموز بمشاركة 30 دولة.
أول ناشر للفيديو
وعند البحث في موقع (Defense) يتبيّن أن اللقطات نُشرت للمرة الأولى بتاريخ 17 يوليو/تموز 2026، مما يؤكد أن المشاهد حديثة ولكن الحسابات استغلتها للنشر في سياق خاطئ تماما.
وتعود تفاصيل المقطع إلى مشاركة زوارق سطحية أمريكية في تدريب على إغراق السفن في المحيط الهادي، استهدف هيكل سفينة الإنزال البرمائي “يو إس إس بيليليو” (LHA 5)، والتي أخرجت من الخدمة بعد 35 عاما، في مياه يبلغ عمقها 15 ألف قدم على بعد أكثر من 50 ميلا بحريا شمال جزر هاواي.
زاوية أخرى تكشف لحظة الإصابة
كما حصلنا على مقطع من زاوية أخرى يظهر لحظة تعرض سفينة الهجوم البرمائي “يو إس إس بيليليو” للإصابة بصاروخي كروز مضادين للسفن من طراز “يو جي إم-84 هاربون” (UGM-84 Harpoon)، جرى إطلاقهما من غواصة الهجوم السريع “يو إس إس كولومبيا” خلال التدريب ضمن مناورات “ريمباك 2026”.
وتُعَد “بيليليو” سفينة إنزال برمائي من طراز “تاراوا”، دخلت الخدمة في 3 مايو/أيار 1980 وتشبه في هيئتها حاملة طائرات صغيرة، وشاركت في عمليتي “عاصفة الصحراء” و”حرية العراق”، وخرجت من الخدمة في مارس/آذار 2015.
وبناء على كل هذه المعطيات مجتمعة، من تطابق زوايا التصوير مع الفيديو الرسمي، وتأكيد جهة النشر الأولى، وتحديد نوع الصاروخ والمنصة التي أطلقته، يمكن الجزم بأن الفيديو المتداول لا يوثّق بأي حال استهداف حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” بل يعود بشكل مؤكّد إلى تدريب عسكري مُعلَن ضمن مناورات “ريمباك”.
آخر ظهور للحاملة
وتتبعت وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة عبر صور الأقمار الصناعية الأوروبية “سنتينال” آخر ظهور لحاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن”، والتي رُصدت قبالة الساحل الشرقي لسلطنة عُمان يومي 10 و12 يوليو/تموز الجاري.

وظهرت الحاملة في الرصد الأول داخل خليج عُمان، قرب الحد الفاصل مع بحر العرب وعلى بُعد يقدر بنحو 62 كيلومترا من رأس الحد العمانية، قبل أن ترصد بعد يومين جنوب شرقي موقعها السابق داخل بحر العرب، على بُعد نحو 80 كيلومترا من رأس الحد أيضا.
كما نشرت الشؤون العامة لقيادة القوات البحرية الأمريكية المركزية (NAVCENT) بتاريخ 21 يوليو/تموز 2026 مقطع فيديو بعنوان “حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن (CVN-72) تنفذ عمليات طيران”.
ويوثّق المقطع الحاملة وهي تباشر عملياتها الاعتيادية لإقلاع وهبوط الطائرات، ورغم عدم الإفصاح عن موقعها الدقيق لأسباب أمنية، فإنها منتشرة ضمن نطاق مسؤولية الأسطول الخامس الأمريكي، الذي يغطي منطقة الشرق الأوسط، وذلك دعما لأمن واستقرار الملاحة البحرية في المنطقة، وفقا للبحرية.
ويؤكد التوثيق الرسمي، الصادر بعد أيام فقط من تاريخ تصوير الفيديو المتداول أن حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” كانت في وضعية تشغيلية طبيعية، وتباشر مهامها المعتادة في المنطقة بعيدا عن مسرح مناورات “ريمباك 2026” في المحيط الهادي.
المصدر: الجزيرة