خلال السنوات الأخيرة، أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي قادرة على كتابة التعليمات البرمجية، واجتياز الامتحانات الجامعية، وحل المسائل الرياضية المعقدة، والنجاح في الاختبارات العلمية، إلى جانب التعامل مع الصور والفيديو والنصوص.
ولا يوجد إعلان يحظى بإجماع علمي بأن نظاما بعينه بلغ الذكاء الاصطناعي العام، الذي يفترض أن يضاهي القدرات المعرفية البشرية في معظم المهام أو جميعها، لأن المجتمع العلمي لا يملك نقطة وصول أو اختبارا موحدا متفقا عليه.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
ويمثل الوكيل الذكي اتجاها تقنيا مهما نحو أنظمة أكثر استقلالية، ومحاولة لعبور الفجوة التي تفصل النماذج الحالية عن الهدف المنشود، لكن خط النهاية المفترض يتحرك كلما اقتربت النماذج منه.

تعريف يتحرك كلما اقتربنا منه
لا يوجد الوقت الحالي تعريف علمي عالمي موحد متفق عليه للذكاء الاصطناعي العام، حيث تختلف التعريفات بين الشركات والمختبرات الأكاديمية، ويؤثر هذا الاختلاف مباشرة في كيفية تقييم التقدم.
ويشير تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي إلى افتقار الذكاء الاصطناعي العام إلى تعريف عالمي، لكنه يستخدم عادة للإشارة إلى نظام برمجي يساوي أو يتجاوز البشر في جميع المهام المعرفية أو معظمها.
في حين تعرفه “أوبن إيه آي” في ميثاقها بأنه أنظمة عالية الاستقلالية تتفوق على البشر في معظم الأعمال ذات القيمة الاقتصادية.
وبدلا من استخدام مصطلح الذكاء الاصطناعي العام، يفضل الرئيس التنفيذي لشركة “أنثروبيك” الحديث عن الذكاء الاصطناعي المتقدم، الذي يصفه داريو أمودي بأنه أذكى من حائز جائزة نوبل في معظم المجالات، وقادر على تنفيذ مهام لساعات وأيام وأسابيع بصورة مستقلة.

من يملك حق إعلان الوصول؟
غياب التعريف الموحد يؤدي إلى عدم وجود اختبار عالمي معتمد يعلن رسميا وصوله، على غرار ما تفعله الاختبارات المعيارية في مجالات أخرى.
ويفتح هذا الغياب المجال أمام الشركات والمختبرات لاستخدام تعريفات ومقاييس مختلفة عند تقييم مدى الاقتراب من الذكاء الاصطناعي العام.
ويوضح فريق “آرك برايز” أنه كلما ابتكر الباحثون مهمة يسهل على البشر حلها ويصعب على الآلة، سارعت النماذج إلى تجاوزها، فتضطر الاختبارات للتطور من جديد.
واقترح باحثو “غوغل ديب مايند” إطارا من 6 مستويات متدرجة بهدف التعامل مع الذكاء الاصطناعي العام كمسار تدريجي.
واقترح باحثون آخرون إطارا يعرف الذكاء الاصطناعي العام بأنه نظام يضاهي أو يتفوق على القدرات المعرفية المتعددة والمتعمقة لشخص بالغ متعلم جيدا.
وفي نسخته الحالية للإطار، حصل نموذج “جي بي تي فور” على تقييم قدره 27%، بينما حقق نموذج “جي بي تي فايف” تقييما بنسبة 57%ة.
ونظريا، قد تصل أنظمة إلى مستوى من القدرات يصفه بعض الباحثين بأنه الذكاء الاصطناعي العام قبل أن يحظى التعريف نفسه بإجماع.
وبحسب شركة “آي بي إم” فإن “اختبار تورينغ” -الذي كان يعتبر يوما ما الحد الفاصل- لم يعد كافيا اليوم عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي العام.
ومع كل تقدم جديد، يعيد الباحثون تعريف ما يعنيه الذكاء الاصطناعي العام، وهذا التحرك المستمر لخط النهاية يجعل الإعلان عن الوصول أمرا صعبا، حتى لو تحققت قدرات استثنائية.

لماذا لا يكفي مع أنه يتفوق على البشر؟
تتفوق النماذج المتقدمة على البشر في بعض الاختبارات والمجالات، لكن أداءها لا يزال متباينا بصورة حادة بين المهام والسياقات.
وأورد تقرير “مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي” مثالا يوثق وصول “جيميناي ديب ثينك” إلى مستوى الميدالية الذهبية في أولمبياد الرياضيات، مقابل نجاح أفضل نموذج في قراءة الساعات التناظرية بنحو 50.6%.
وقد يحل النموذج مسألة رياضية معقدة إذا كانت مشابهة لما تدرب عليه، لكنه يتعثر عندما تتغير الصياغة أو السياق بشكل جوهري، حيث لا تكفي النتيجة العالية وحدها لإثبات أن النظام استطاع استخدام الإستراتيجية نفسها في سياق مختلف جذريا.
وتتجلى الفجوات الحقيقية في عدة قدرات بشرية أساسية، مثل الاستدلال السببي العميق، والتعلم من تجارب قليلة جدا، والتكيف مع بيئات غير مألوفة، وهي فجوات يصعب على النماذج الحالية ردمها.
وعلى عكس البشر، تعاني النماذج صعوبة الحفاظ على الأهداف الطويلة الأمد وتصحيح المسار، حيث تستطيع النماذج كتابة أسطر من التعليمات البرمجية بسهولة، لكن صعوبة الحفاظ على الأهداف الطويلة الأمد وتصحيح المسار تظهر في تنفيذ مشروع برمجي كامل.
وهذا المشروع البرمجي الكامل يتطلب قرارات مترابطة، وفهم المتطلبات، وبناء الخطة، واختيار بنية البرنامج، واكتشاف الأخطاء، واختبارها، وتعديل الخطة، والعودة إلى البداية عند اكتشاف أن الافتراض الأساسي كان خاطئا.

ماذا يحدث عندما لا يجد النموذج الحل في ذاكرته؟
عندما يواجه النموذج مهمة جديدة تختلف بنيتها بصورة جوهرية عما تعرض له أثناء التدريب، قد يتراجع أداؤه، وهو ما يثير سؤالا أساسيا حول مدى قدرته على التعامل مع مشاكل جديدة لم يدرب عليها.
وطور الباحث فرانسوا شوليه اختبارا يعتمد على مهام بصرية ومنطقية تتطلب اكتشاف قواعد مجردة من أمثلة قليلة جدا، مع استخدامها في حالات جديدة لم تر من قبل من أجل التمييز بين القدرة على أداء المهام بنجاح عبر بيانات جديدة لم يسبق رؤيتها أثناء التدريب وبين استرجاع الأنماط السابقة.
وعلى مدى سنوات عديدة، ظل هذا الاختبار بلا حل يذكر، مع محدودية أداء الأنظمة مقارنة بالبشر الذين يحلون معظم المهام بسهولة نسبية.
ومع إطلاق النسخة الأولى من الاختبار عبر مسابقة “آرك برايز” عام 2024، ارتفعت أفضل نتيجة عبر مجموعة التقييم الخاصة من 33% إلى 55.5% خلال عام واحد.
ومطلع عام 2025، وصلت النسخة الثانية من الاختبار، ووصلت أفضل نتيجة عبر مجموعة التقييم الخاصة إلى 24.03%.
وخلال مارس/آذار من العام الحالي، جاءت النسخة الثالثة من الاختبار بمهام تفاعلية جديدة كليا، حيث سجلت الأنظمة المتقدمة أقل من 1%، مقابل 100% للبشر.

نقل المعرفة من مجال إلى آخر
من أبرز سمات الذكاء البشري القدرة على نقل مبدأ تعلمه في مجال إلى مجال بعيد، حيث يستطيع الإنسان الذي تعلم مبدأ ما في مجال محدد استخدام المنطق نفسه عند استكشاف مجال آخر عبر الاستدلال التناظري، في حين أن قدرة النماذج الحالية على النقل عبر المجالات البعيدة محدودة.
وحتى مع تقنيات التعلم المنقول والضبط الدقيق، يظل النموذج معتمدا إلى حد كبير على الأنماط الإحصائية المشتركة أكثر من الفهم المفاهيمي العميق، وهو ما يفسر جزئيا لماذا يبدو النظام ذكيا داخل نطاقه التدريبي، ويصبح ضعيفا خارجه.
وفي تجربة قارنت بين الأطفال والبالغين والنماذج في مهام تماثل ونقل معرفي، نجح البشر في نقل القاعدة إلى مجالات غير مألوفة بسهولة أكبر، بينما واجهت النماذج صعوبة في النقل البعيد.

الجسر الحقيقي للذكاء الاصطناعي العام
يرى باحثون ومطورون أن الوكلاء الذكيين قد يمثلون مسارا مهما نحو أنظمة أكثر عمومية واستقلالية، حيث لا يكتفي الوكيل بالرد، إنما يتلقى هدفا، ويبدأ تلقائيا بتفكيكه إلى مهام فرعية، ووضع خطة تنفيذية، والتفاعل مع البيئة عبر الأدوات البرمجية لتنفيذها.
وقدمت “أوبن إيه آي” وكيلا لاستخدام الحاسوب يتعامل مع واجهات المستخدم الرسومية وينفذ الخطوات المتعددة ويتكيف مع العقبات، موضحة أنه يستطيع تفكيك المهمة إلى خطوات متعددة والتكيف وتصحيح نفسه أثناء التفاعل مع واجهة المستخدم.
ولكن الدراسات الحديثة تكشف ظهور أنماط متكررة في تحليل شامل لفشل الوكلاء في مراجعة جمعت 27 دراسة و19 معيارا، ويشمل ذلك أخطاء في استدعاء الأدوات وفشل التخطيط والالتزام بالقيود وتراجع الأداء مع طول الأفق الزمني وصعوبات في التنسيق بين وكلاء متعددين.
ولا يزال مقدار التدخل البشري الضروري كبيرا، لأن الوكلاء غالبا ما يحتاجون إلى تدخل بشري متكرر لإعادة التوجيه أو تصحيح المسار، خاصة في المهام التي تمتد لساعات، مما يعني أن الاستقلالية الكاملة لا تزال هدفا بعيدا.

هل يعمل بمفرده لمدة زمنية طويلة؟
تعد القدرة على الحفاظ على الأداء -عبر المهام الطويلة والمعقدة دون إشراف بشري- من أبرز التحديات الحالية أمام الوكلاء.
ويتراجع الأداء بشكل حاد مع زيادة المدة، وتتراكم الأخطاء ويفقد السياق، ويميل الوكيل إما إلى الإصرار على الإستراتيجية الفاشلة أو التخلي المبكر عن الهدف.
ويؤكد تقرير السلامة الدولي للذكاء الاصطناعي أن الأنظمة الحالية تتعثر في المهام الطويلة، وتفقد تتبع تقدمها وتواجه صعوبة في التعامل مع العقبات، لكنه يشير أيضا إلى أن أفقها الزمني يتحسن بسرعة.
وتوثق الأوساط التقنية ظاهرة تشير إلى تكرار الأخطاء نفسها وتنفيذ تعديلات غير مفيدة دون أي تقدم فعلي، فيما يستمر هدر تكاليف الحوسبة دون أن يلاحظ أحد.
وفي المقابل، يستطيع الإنسان التعامل مع هذا الأمر من خلال التوقف، والمراجعة، وتغيير الخطة، والتعلم من الخطأ، أو طلب المساعدة. وتسعى شركات الذكاء الاصطناعي إلى بناء نهج مماثل للنهج البشري.
وعرضت “أنثروبيك” تسلسل عمل برمجي يمتد لعدة أيام ويعتمد على وكلاء متعددين وذاكرة مستمرة واختبارات آلية للتحقق بدلا من إبقاء الإنسان موجودا في كل خطوة، لكن هذا لا يعني أن الوكلاء أصبحوا مستقلين لعدة أيام بصورة موثوقة في العموم.

لماذا لا يتعلم الذكاء الاصطناعي من تجربته؟
يختلف التعلم المستمر عن استخدام أدوات أو ذاكرة خارجية، وينبغي التمييز بين استخدام الذاكرة الخارجية أو الأدوات، وبين آليات التكيف التي تغير سلوك النموذج استنادا إلى الخبرة، سواء عبر تحديث الأوزان أو عبر آليات أخرى.
ويمثل التعلم المستمر فارقا هاما بين الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري، حيث لا تزال معظم النماذج المنشورة لا تمتلك تعلما مستمرا مفتوح النهاية ومكافئا للتعلم البشري، رغم ظهور أساليب تجريبية للتكيف أثناء التشغيل.
ومن أبرز تحديات التعلم المستمر مشكلة النسيان الكارثي، إذ قد تفقد الشبكات العصبية قدرتها على تذكر المهام التي تعلمتها سابقا بعد تدريبها على بيانات جديدة. ورغم وجود أبحاث نشطة في هذا المجال، خاصة في سياق الوكلاء، لكن هذه المشكلة لا تزال مفتوحة.

عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي بتحسين نفسه
تعود جذور فكرة التحسين الذاتي المتكرر إلى نقاشات الستينيات حول انفجار الذكاء، خصوصا طرح عالم الرياضيات إرفين جون غود عام 1965 آلة فائقة الذكاء تستطيع تصميم آلات أفضل منها.
ومن الناحية التقنية، يعني التحسين الذاتي المتكرر قدرة النظام على كتابة التعليمات البرمجية المباشرة، وتعديل خوارزمياته، وتصميم نماذج أجيال لاحقة تفوقه ذكاء ودقة، دون أي تدخل بشري.
ولا يوجد الوقت الحالي تعريف متفق عليه للذكاء الاصطناعي العام يجعل التحسين الذاتي المتكرر شرطا لازما للوصول إليه، ولا يزال التحسين الذاتي المتكرر عبر مجالات واسعة فرضية أكثر منه واقعا ملموسا، مع أن بعض المؤشرات الأولية على هذا المسار بدأت بالظهور.
وقدمت “غوغل ديب مايند” مشروع “ألفا إيفولف” وهو وكيل برمجي يستخدم نماذج “جيميناي” مع آليات تقييم آلي للبحث عن الخوارزميات وتحسينها، موضحا انتقال الذكاء الاصطناعي من توليد الحل إلى البحث عن حلول أفضل من خلال الاختبار المستمر للأداء وتحليل الأخطاء وإدخال التحسينات.
لكن هذا التحسين الخوارزمي مؤتمت، وليس دليلا على أن نموذجا أعاد تصميم نفسه بصورة مفتوحة ومتكررة.
هل نقيس الذكاء بالطريقة الخطأ؟
لعدة سنوات، كان تقدم الذكاء الاصطناعي يقاس عبر اختبارات، مثل المعرفة العامة والرياضيات والبرمجة واللغة، لكن هذه الاختبارات تواجه مشكلة التشبع والتلوث.
ويعني التشبع عجز اختبار معين عن التمييز بين نموذج متفوق وآخر أقل كفاءة عند وصول النماذج إلى نتائج شبه مثالية في ذلك الاختبار.
ويوضح “مؤشر ستانفورد للذكاء الاصطناعي” أن الاختبارات التي كان يفترض أن تكون صعبة لسنوات أصبحت تتشبع خلال أشهر، كما تواجه بعض التقييمات مشكلات تتعلق بجودة الأسئلة ومعدل الخطأ فيها.
في حين يعني التلوث وجود أسئلة أو أمثلة الاختبار داخل بيانات تدريب النموذج بطريق الخطأ، مما يجعل من الصعب معرفة ما إذا كان النموذج فهم القاعدة أم واجه نسخة محفوظة منها.

ووجدت دراسة اعتمدت منهجية محددة إشارات تلوث في 29.1% من عناصر اختبار المعرفة العامة المعياري الشهير “فهم اللغة المتعدد المهام الشامل” ويعني ذلك أن موثوقية الاختبار تتراجع كلما ازدادت شهرته لأنه يتحول تدريجيا من امتحان استدلال إلى امتحان حفظ.
وتعد الاختبارات الأقوى للذكاء الاصطناعي العام المستقبلي تلك التي تصعب التلوث والتدرب المسبق، وتبقي جزءا من التقييم سريا أو متغيرا، وتقيس الأداء في مهام جديدة ومتعددة الخطوات.
ختاما، تعد رحلة البحث عن الذكاء الاصطناعي العام استكشافا تدريجيا لما قد تتعلمه الأنظمة التي حققت قفزات كبيرة في معالجة اللغة وتوليد المحتوى وحل المشكلات المنظمة، مع أنها لا تزال غير متسقة عبر مهام وأزمنة مختلفة، مع محدودية قدرتها على التعلم المستمر والعمل الطويل الأفق.
لكن قبل إعلان الاقتراب من خط النهاية، ينبغي تحديد هذا الخط بوضوح، كما نحتاج إلى تعريفات علمية صارمة واختبارات ديناميكية غير قابلة للتلاعب، ومقاييس متعددة الأبعاد تلتقط جوهر الذكاء البشري. وحتى ذلك الحين، يظل خط النهاية مفقودا.
المصدر: الجزيرة