درعا تواجه شبح الجفاف.. مسؤولون يكشفون تفاصيل أزمة المياه بالأرقام

تؤرق أزمة المياه سكان محافظة درعا، في ظل تراجع غزارة الينابيع وانخفاض مخزون الأحواض الجوفية، بما يهدد أحد أهم مصادر المياه في جنوب سوريا، ويثير مخاوف من تفاقم مشكلة نقص مياه الشرب خلال السنوات المقبلة.

وتتزايد التحذيرات الرسمية والأهلية من مخاطر الاستنزاف الجائر للمياه، بالتزامن مع إجراءات لمواجهة العمليات المخالفة في استجرار المياه، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من الموارد المائية في المحافظة.

ما واقع الأزمة المائية في درعا؟

تراجعت غزارات الينابيع والمشاريع المائية التي تغذي كبرى مدن وبلدات المحافظة بمياه الشرب بشكل ملحوظ، إذ أوضح مدير مديرية المياه في درعا، رياض مسالمة، لـ”سوريا الآن ” أن هناك تراجعا كبيرا في غزارات المشاريع المقامة على نبع الأشعري قائلا: “هناك تراجع كبير في غزارة مشروع الثورة بمرحلته الأولى المغذية لمدينة درعا وعدد من البلدات المستفيدة منه، إذ كانت الغزارة تُقدر بـ1600 متر مكعب، وتراجعت اليوم إلى 600 متر مكعب فقط”.

وأضاف المسالمة موضحا واقع المشاريع الأخرى: “كذلك مشروع نوى في مرحلته الثالثة، والذي يغذي مدينة نوى وعددا من البلدات، كانت غزارته تبلغ 750 مترا مكعبا، بينما تُقدّر الغزارة اليوم بنحو 130 مترا مكعبا، وذلك بعد عمليات تجميع الينابيع التي قمنا بها العام الماضي ضمن حملة (أبشري حوران)، فضلا عن فقدان عدد من الآبار في المنطقة الشرقية للمحافظة”.

في السياق ذاته، كشف مدير الموارد المائية في درعا، المهندس هاني عبد الله، في تصريحات لـ”سوريا الآن “، عن أرقام تُظهر تضرر معظم مصادر المياه، مؤكدا أن “جميع ينابيع المحافظة جافة حاليا باستثناء ينابيع (وادي الهرير، الصافوقية، غزالة، وعين ذكر)، مع تسجيل انخفاض ملحوظ في غزارتها أيضا”.

وحول وضع التخزين في السدود، أشار عبد الله إلى أن “إجمالي التخزين الأعظمي في سدود المحافظة يبلغ حوالي 96 مليون متر مكعب، لكنّ التخزين لم يتجاوز في هذا الموسم نحو 13 مليون متر مكعب فقط، أي بنسبة امتلاء تبلغ 13% تقريبا، وسط جفاف عدد كبير من السدود بالكامل”.

إعلان

كما بيّن أن قياسات آبار المراقبة تُظهر “هبوطا سنويا في منسوب المياه الجوفية، بلغ هذا العام نحو 5 أمتار”.

الضياع يهدد الثروة المائية في درعا بعد جفاف أهم مصادرها – أكتوبر/تشرين الأول 2017
الضياع يهدد الثروة المائية في درعا بعد جفاف أهم مصادرها – أكتوبر/تشرين الأول 2017 (الجزيرة)

ولا تقتصر أزمة التخزين المائي على درعا وحدها، إذ يمتد النطاق الجغرافي للأزمة إلى المحافظات المجاورة في الجنوب السوري، حيث كشف مدير الموارد المائية في القنيطرة، المهندس ربيع ناصر العفاش، في تصريحات لـ”سوريا الآن “، أن “إجمالي التخزين الأعظمي في سدود القنيطرة يبلغ 83.38 مليون متر مكعب، ولم يتجاوز حجم التخزين هذا الموسم 18 مليون متر مكعب، أي بنسبة تُقدر بحوالي 22% نتيجة توالي سنوات الجفاف”.

من جانبه، أشار الخبير في الموارد المائية، عبد الحميد مسالمة، إلى حجم التراجع في المخزون المائي الجوفي في درعا بقوله: “كانت تقديرات المخزون المائي تُقدّر بـ7.5 مليارات متر مكعب، فقدنا منها نحو 3.5 مليارات بسبب الهبوط المائي”، مضيفا أن “هبوط المنسوب بمقدار 25 مترا رافقه جفاف 21 نبعا، وهو ما يعني أن الحامل المائي الأول بات في وضع مخيف جدا وآيل للجفاف ما لم تتخذ الإجراءات المناسبة”.

وتعليقا على السياق الوطني العام للأزمة، بيّن خبير السدود والموارد المائية، المهندس عبد الرزاق فرج العليوي، في حديث لـ”سوريا الآن” أن البلاد عموما ترزح تحت خط الفقر المائي المحدد بـ1000 متر مكعب للفرد سنويا، موضحا أن “نصيب الفرد السوري سنويا لا يتجاوز 700 متر مكعب، وهو ما يعني أننا أمام عجز مائي يتجاوز 8 مليارات متر مكعب سنويا”، مؤكدا أن هذا العجز الذي يمتد لأكثر من 4 عقود يتركز في أحواض رئيسة أبرزها حوض اليرموك جنوبي البلاد.

ما الأسباب التي أدت إلى الكارثة؟

تُعزى هذه الأزمة المائية إلى تراكمات استمرت عقودا وتفاقمت في السنوات الأخيرة، حيث دقّت محافظة درعا في بيان الشهر الماضي جرس الإنذار بشأن خطر متصاعد يهدد الأمن المائي، نتيجة “حفر آلاف الآبار المخالفة، والتوسع في التعديات على خطوط دفع وتوزيع المياه، والاستجرار غير المشروع، ما أدى إلى استنزاف متسارع للموارد المائية وإضعاف قدرة مصادر المياه العامة على تأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين”.

وحول أعداد الآبار المخالفة، أشار المهندس هاني عبد الله إلى أن “آخر إحصاء رسمي أجرته المديرية في عام 2022 أظهر وجود نحو 3600 بئر غير مرخصة، في حين لا يتوفر إحصاء دقيق ومحدث لأعدادها الحالية”.

وتأتي هذه الأرقام في وقت تشير فيه تقديرات محلية وتقارير ميدانية إلى احتمال تجاوز الآبار المخالفة حاجز عشرات الآلاف، ما تسبب بسحب مياه حوض اليرموك بأعلى من معدلات تغذيته.

وفي تقييمه لأسباب الأزمة وتوزيع المسؤوليات، أوضح عبد الله أن العوامل تتوزع بين المناخ والنشاط البشري، إذ تُعزى النسبة إلى “70% للتغير المناخي وتوالي سنوات الجفاف ونقص الهطولات المطرية، و30% للنشاطات البشرية المتزايدة الناجمة عن عودة المهجرين والضغط السكاني”.

وفي مقارنة مع وضع محافظة القنيطرة المجاورة، يرى مدير مواردها المائية، المهندس ربيع العفاش، أن “العامل الأبرز يعود للتغير المناخي ونقص معدلات الهطول المطري وتوالي سنوات الجفاف، ما يدفع للاعتماد على المياه الجوفية وبالتالي حدوث ضخ جائر واستخدام غير منظم يفاقم المشكلة”، إلا أن وتيرة الضخ والحفر المخالف جعلت الوضع المائي في درعا أشد تعقيدا وخطورة.

هل تكفي الأمطار الأخيرة لتعويض النقص؟

وفيما يتعلق بالتفاؤل حول الهطولات المطرية الوفيرة لموسم الشتاء الماضي، فنّد الخبير المائي عبد الرزاق العليوي هذا الاعتقاد مؤكدا أنه غير صحيح علميا، لأن جزءا كبيرا من الأمطار يذهب بالتبخر والسيلان في الأودية لقلة السدود، مضيفا أن “حجم الاستنزاف الكبير للخزانات الجوفية على مدى العقود الماضية لا يمكن تعويضه بهطول مطري جيد لعام واحد، إذ إننا بحاجة لعدة سنوات من الأمطار الغزيرة والممتدة لتستفيد منها الخزانات الجوفية”.

أبعاد أزمة الجفاف

وأكدت محافظة درعا في بيانها الشهر الماضي، أن “استمرار هذه الممارسات بالوتيرة الحالية لا يمثل مجرد مخالفة خدمية أو تجاوزا على شبكة عامة، بل بات يشكل تهديدا مباشرا للأمن المائي، واستنزافا متسارعا للأحواض المائية بما يهدد قدرتها على التجدد، الأمر الذي قد ينعكس على تأمين مياه الشرب، والنشاط الزراعي، واستقرار السكان في مناطقهم على المدى البعيد”.

إعلان

وعن المناطق الأكثر تأثرا بالخطر، حدد مدير الموارد المائية في درعا، هاني عبد الله، الخارطة الحالية للمناطق بقوله: “تُعد المنطقة الغربية من المحافظة (منطقة التصريف) هي الأشد خطورة مائيا في الوقت الحالي، حيث تعاني من نقص ملحوظ في مياه الشرب، إلى جانب بعض التجمعات السكانية في المنطقة الشرقية الجنوبية”.

من جانبه، حذر العليوي من الآثار الكارثية المترتبة على فقدان التوازن الطبيعي للحوض الجوفي جراء العجز، مشيرا إلى أن ذلك “أدى إلى ارتفاع معدلات التصحر والجفاف، وهجران المزارعين لأراضيهم جراء ارتفاع تكاليف السقاية والزراعة”، وصولا إلى خطر تدهور نوعية المياه أو بروز ظاهرة “المياه المهاجرة” نحو أحواض أخرى خارج الحدود، مشددا على أن “تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي لا يمكن أن يتم إلا عبر تحقيق الاكتفاء الذاتي المائي”.

ما الحلول والقرارات لمواجهة الأزمة؟

في إطار خطوات الحد من التعديات على الموارد المائية، صرّح عضو المكتب التنفيذي في محافظة درعا، أحمد خطاب، بشأن قرارات حظر الحفر بالقرب من مصادر المياه قائلا: “تنص القرارات على إغلاق جميع الآبار الواقعة ضمن شعاع كيلومتر واحد عن محطات الإرواء وينابيع المياه والآبار التابعة لمؤسسة المياه”.

كما أصدر محافظ درعا، أنور طه الزعبي، تعميما تضمن تشكيل لجان مختصة بتوثيق وإحصاء جميع الآبار المخالفة وغير المرخصة في المحافظة على أن “يبدأ تشميع الآبار المخالفة وغير المرخصة”، مع منح أصحاب الآبار المخالفة مهلة حتى 15 سبتمبر/أيلول للتصريح عن مخالفتهم خطيا لدى مديرية الموارد المائية للاستفادة من الانتفاع بمعدات البئر قبل تشميعها، وتحويل المخالفين بعد انقضاء المهلة إلى القضاء ومصادرة المعدات.

وفي تعميم لاحق، وجهت المحافظة دعوة لجميع المواطنين للمبادرة إلى التصريح عن الآبار المخالفة أو الإبلاغ عنها عبر الوحدات الإدارية والإرشادية ووحدات المياه، بهدف “حصر وتنظيم الآبار المخالفة ومعالجة واقعها وفق الإجراءات والأنظمة المعتمدة”.

وعن الآلية التنفيذية المقترحة لتطبيق الإغلاق ودعم المزارعين، أكد مدير الموارد المائية هاني عبد الله أنه “يتم التنسيق حاليا بين المحافظة والوزارة والمديريات المعنية لوضع الحلول المناسبة لتدارك الوضع المائي الحالي، وتحديد آليات تنفيذية متوازنة توفر حلولا عاجلة لتأمين المياه وتُوازن على المدى الطويل بين احتياجات السكان والمزارعين دون التسبب بكارثة معيشية”.

أما في القنيطرة، فيشير ربيع العفاش إلى أن الحلول تتجه نحو “دراسة إنشاء سدود مائية على المجاري الطبيعية للمياه التي تسمح طبيعتها بذلك، بهدف حصاد مياه الهطولات المطرية وتعزيز المخزون المائي لتحقيق استدامة الموارد”.

وتتقاطع هذه التحركات الرسمية مع مقترحات الخبراء، إذ يدعو المهندس العليوي إلى حزمة إجراءات إسعافية تشمل “العمل السريع على إنشاء شبكات مياه فعالة ومضبوطة تمنع التسربات، وتزويد المناطق الأشد تضررا بالصهاريج الصالحة للشرب، إضافة إلى إيقاف تراخيص الآبار الجديدة فورا وإعادة تقييم القديمة وإغلاق جزء كبير منها”.
ويشير العليوي إلى ضرورة إرساء إدارة مائية منضبطة تضع سلّما واضحا للأولويات بتقديم مياه الشرب أولا ثم الري، والتوقف عن زراعة المحاصيل الشرهة للمياه.

 

المصدر: الجزيرة