أمام مسجد سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية حيث قُتل والده مع اثنين آخرين من المصلين على أيدي مراهقين، يجلس رمزي على غطاء سيارة، شاردا بنظره، عاجزا ككثير من المسلمين في الحي عن فهم مأساة تتعامل معها الشرطة على أنها اعتداء معاد للإسلام.
ويقول هذا الشاب الذي اكتفى بذكر اسمه الأول “إن الجميع في حالة صدمة فعلا، ومن الصعب تصديق أن ما حدث حقيقي”، ويضيف بصوت متهدج، عاجزا عن المتابعة “ما زلنا جميعا نحاول فهم ما يجري”.
كان والد رمزي زوج مدرّسة في المركز الإسلامي، الذي يضم مدرسة وأكبر مسجد في هذه المدينة الكاليفورنية البالغ عدد سكانها 1.4 مليون نسمة، وعندما سمع إطلاق النار يوم الاثنين الماضي، هرع لمحاولة حماية الأطفال في الفصول الدراسية، وفق ما يروي رمزي. وكان ذلك تصرفا كلفه حياته.
وقُتل أيضا حارس الأمن وحارس المبنى في المسجد على أيدي مراهقَين يبلغان 17 و18 عاما، لا تزال دوافعهما غامضة، وقد عرّفتهما الشرطة باسم كاين كلارك، وكاليب فاسكيز.
وكان كلارك يتابع دروسا عبر الإنترنت في مدرسة ثانوية تبعد 5 دقائق بالسيارة عن المسجد، بحسب وسائل إعلام محلية. وكانت والدته قد أبلغت الشرطة عنه صباح اليوم نفسه، موضحة أنه غادر بسيارتها ومعه أسلحة تملكها، برفقة صديقه الذي كان يرتدي زيا مموها.

صمت وبكاء
لماذا استهدف هذان الشابان، اللذان يبدو أنهما انتحرا قبل وصول الشرطة إلى المسجد؟ وإذا كانت الشرطة تتحدث عن “خطاب كراهية”، فما الذي كانا يحملانه ضد الإسلام؟
أمام هذه الأسئلة، لا يزال مسلمو سان دييغو في حالة ذهول وكثيرون يأتون بالزهور، لكنهم مصدومون إلى حد يعجزون معه عن الكلام، يبدؤون جملة قصيرة قبل أن يجهشوا بالبكاء أو يلتزموا الصمت.
وبأشجار النخيل المحيطة بالمئذنة، ومنازلها القريبة من الطريق السريعة، تبدو هذه الضاحية المتعددة الثقافات عادية. وكان المسجد يُستخدم أيضا مركزا للاقتراع، ويقصده مصلّون من الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتقول كايتلين فيسك، وهي جارة كانت تتنزه مع كلبها، إن “هذه الجالية المسلمة، أناس طيبون حقا، كما تعلمون، لا يعاملون أي شخص على أنه مختلف، حتى لو لم يكن يشاركهم معتقداتهم”.
وتقول أماني خطيب “كنا نشعر بالأمان هنا. لا أفهم لماذا استُهدفنا”. وتنفجر هذه المساعدة المدرسية البالغة 31 عاما بالبكاء، وهي تقف بحجابها أمام غرفة حارس الأمن الذي ضحى بحياته لتفادي وقوع مجزرة.

رسائل كراهية
ويقول الإمام طه حسّان إن حارس الأمن هو من تصدى للمهاجمَين ونبّه المدرسين عبر جهاز الاتصال اللاسلكي، طالبا منهم إغلاق الصفوف بإحكام. وكان أكثر من 100 طفل في الصفوف، بحسب الإمام. ومن دون شجاعة الحارس، “كان الوضع سيكون أسوأ بكثير”.
وكما هي حال كثير من أماكن العبادة في الولايات المتحدة، تعرّض المسجد من حين إلى آخر لأعمال معادية للإسلام، ولا سيما منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001، وفق ما يروي الإمام.
وأدت الحرب في غزة ولاحقا في إيران إلى ورود رسائل عدائية جديدة، من دون أن يثير ذلك قلقا كبيرا.
ويقول حسّان “تلقينا في الماضي رسائل كراهية وبريدا يحض على الكراهية، وكان أشخاص يمرون بسياراتهم ليلعنونا ويشتمونا. لكن أن يأتينا مسلحون، فهو أمر لم يخطر ببالنا قط”.
ويحمّل الإمام، المذهول، المسؤولية لـ”نقص التثقيف” بشأن الإسلام، ولـ”المسؤولين السياسيين الذين ينزعون الصفة الإنسانية عن المسلمين وعن كل أقلية، سواء من السود أو اللاتينيين..”.
وهذا تفسير يتمسك به الجيران أيضا.
وتقول سيدة أخرى إنها غير قادرة على استيعاب أن الحارس الذي كانت تلقي عليه التحية كل صباح لم يعد موجودا “إنه جهل محض وكراهية من جانب شابين كانا ضائعين جدا”.
وتضيف “أحمّل وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت، مثل ريديت وتيك توك ، المسؤولية بالكامل”؛ فالشبان، مثل غيرهم، يصادفون هناك خطابات كراهية “ويجدون أنفسهم مدفوعين إليها مرارا بسبب الخوارزميات”.
المصدر: الجزيرة