“ديتوكس رقمي” قد يمحو 10 أعوام من أضرار وسائل التواصل الاجتماعي

في وقت تتسارع فيه وتيرة الحياة الرقمية، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل، بل تحولت إلى جزء لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية، فهي تزاحم الانتباه وتعيد تشكيل العادات والسلوكيات.

ومع هذا الحضور الكثيف، تتزايد التساؤلات بشأن تأثيراتها العميقة على الدماغ والصحة النفسية، خصوصا مع الاستخدام المطول عبر الهواتف الذكية.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2هل يريحنا البكاء فعلا؟ دراسة واسعة تفكك “أسطورة” الدموع المهدئة
  • list 2 of 2عادات تواصل تزعج زملاءك في العمل.. هل تمارسها دون أن تدرك؟

end of list

تجربة واقعية تقيس التأثير

كشفت دراسة علمية نشرت في مجلة أعمال الأكاديمية الوطنية للعلوم – نكسس (PNAS Nexus) أن تقليل استخدام الإنترنت عبر الهاتف المحمول لمدة أسبوعين فقط يؤدي إلى تحسن ملحوظ في الانتباه والصحة النفسية، وفق ما نقلته صحيفة واشنطن بوست.

وشملت الدراسة، التي أجراها باحثون من جامعتي ألبرتا وجورجتاون الأمريكيتين، 467 مشاركا من البالغين. ، وطلب منهم الباحثون تثبيت تطبيق على هواتفهم يقيد الوصول إلى الإنترنت لمدة أسبوعين، مع الإبقاء على إمكانية إجراء المكالمات وإرسال الرسائل النصية فقط.

Friends group having fun using mobile smart phone chat - Detail of people hands phubbing content on social media network with smartphone - Genz technology concept with milenials online - Bright filter
تجربة علمية لمدة أسبوعين تظهر تحسنا واضحا في الانتباه والتركيز (شترستوك)

واعتمد الباحثون على مقارنة نتائج المشاركين قبل التجربة وبعدها، من خلال اختبارات معيارية لقياس الانتباه والتركيز، إلى جانب استبيانات نفسية تقيس مستويات القلق والاكتئاب والرضا العام عن الحياة. كما جرى تتبع وقت استخدام الهاتف بدقة لرصد أي تغيرات سلوكية خلال فترة الدراسة.

استعادة التركيز

وأظهرت البيانات أن متوسط استخدام الهاتف تراجع بشكل ملحوظ خلال فترة التجربة، إذ انخفض من نحو 314 دقيقة يوميا إلى قرابة 161 دقيقة فقط.

وهذا الانخفاض لم يكن مجرد رقم، بل انعكس مباشرة على سلوك المشاركين، الذين أفاد كثير منهم بأنهم استعادوا القدرة على التركيز في مهام كانت تتشتت سابقا بسبب الإشعارات المستمرة والتصفح اللانهائي.

تحسن في الانتباه

النتيجة الأبرز تمثلت في التحسن الكبير في مستوى الانتباه، إذ سجل المشاركون أداء أفضل في اختبارات الإدراك بعد انتهاء فترة التوقف عن الإنترنت.

إعلان

ووفق الباحثين، يعادل هذا التحسن استعادة قدرات ذهنية قد تتدهور تدريجيا على مدار نحو 10 سنوات من التقدم في العمر، في إشارة إلى التأثير العميق للاستخدام الرقمي المكثف على وظائف الدماغ.

Brain damage from using mobile phone radiation in a long time. Medical illustration - العقل - الجوال - الموبايل - دماغ
نتائج التجربة تعكس قدرة الدماغ على استعادة جزء من تركيزه المفقود (غيتي)

ويرى القائمون على الدراسة أن الدماغ، عند تعرضه المستمر للمحفزات السريعة والمتقطعة التي توفرها منصات التواصل، يفقد تدريجيا قدرته على التركيز العميق، وهو ما يمكن عكسه جزئيا عند تقليل هذا التعرض.

انعكاسات نفسية تتجاوز التوقعات

لم تقتصر النتائج على الجانب المعرفي، بل امتدت إلى الصحة النفسية، إذ أظهرت الاستبيانات انخفاضا واضحا في أعراض القلق والاكتئاب لدى المشاركين.

كما أبلغ كثير منهم عن شعور متزايد بالراحة والهدوء، وتحسن في جودة النوم، وانخفاض في مستويات التوتر اليومي.

وبحسب الباحثين، فإن هذا التحسن قد يكون مرتبطا بتراجع التعرض للمقارنات الاجتماعية المستمرة، وضغط متابعة الأخبار والمحتوى، إضافة إلى تقليل الشعور بالإرهاق الناتج عن تدفق المعلومات بلا توقف.

نتائج تضاهي تدخلات علاجية

ومن بين النتائج اللافتة، أن حجم التحسن في أعراض الاكتئاب كان كبيرا إلى درجة تقاربه مع نتائج بعض العلاجات النفسية المعتمدة، مثل العلاج السلوكي المعرفي، بل وتفوقه في بعض الحالات على تأثيرات أدوية مضادة للاكتئاب.

نتائج البحث تشير إلى انخفاض ملحوظ في أعراض القلق والاكتئاب (شترستوك)

ورغم أن الباحثين يحذرون من المبالغة في تفسير هذه المقارنة، فإنها تعكس الإمكانات الكبيرة لتغيير العادات الرقمية كأداة داعمة للصحة النفسية.

الالتزام الجزئي.. فائدة قائمة

ورغم أن بعض المشاركين لم يلتزموا بالكامل بحجب الإنترنت طوال فترة الأسبوعين، فإن النتائج أظهرت أن حتى الالتزام الجزئي أدى إلى تحسن ملحوظ.

وهذا يشير إلى أن الفائدة لا تتطلب انقطاعا تاما، بل يمكن تحقيقها من خلال تقليل الاستخدام بشكل تدريجي ومنظم.

ويؤكد الباحثون أن هذه النتيجة تمنح الدراسة بعدا عمليا، وتجعل تطبيقها أكثر واقعية بالنسبة للأشخاص الذين يصعب عليهم الانفصال الكامل عن أجهزتهم بسبب متطلبات العمل أو الدراسة.

لماذا تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الشكل؟

يفسر الخبراء هذه التأثيرات بعدة عوامل متداخلة، أبرزها أن منصات التواصل مصممة بطريقة تعزز الاستهلاك المستمر، من خلال الإشعارات الفورية والتحديثات اللانهائية والمحتوى المخصص الذي يجذب الانتباه بشكل دائم.

المقارنة الاجتماعية تلعب دورا مهما بالتأثير في الصحة النفسية إذ يتعرض المستخدمون باستمرار لصور مثالية لحياة الآخرين (شترستوك)

هذا النمط من التحفيز المستمر يضع الدماغ في حالة من اليقظة المتقطعة، ما يضعف القدرة على التركيز العميق ويزيد من الشعور بالتشتت.

كما تلعب المقارنة الاجتماعية دورا مهما، إذ يتعرض المستخدمون باستمرار لصور مثالية لحياة الآخرين، ما قد يؤدي إلى الشعور بعدم الرضا أو القلق.

ويضاف إلى ذلك تأثير الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات، والذي قد يؤثر في جودة النوم ويزيد من الإرهاق.

فروق فردية وسياقات مختلفة

ورغم هذه النتائج، يشدد الباحثون على أن التأثيرات ليست موحدة بين جميع الأفراد، بل تختلف باختلاف أنماط الاستخدام، وطبيعة المحتوى، والظروف الشخصية.

إعلان

كما أشاروا إلى أن معظم المشاركين ينتمون إلى بيئات ثقافية محددة، ما قد يحد من تعميم النتائج على جميع المجتمعات.

الباحثون يؤكدون ارتباط تقليل الإنترنت بتحسن الصحة النفسية (شترستوك)

وفي هذا الإطار، يجري العمل على دراسات أوسع تشمل مشاركين من دول متعددة، بهدف فهم الفروق الثقافية في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وتحديد ما إذا كانت بعض المجتمعات أكثر عرضة لهذه التأثيرات من غيرها.

استعادة السيطرة في عالم متصل

تخلص الدراسة إلى أن تقليل استخدام الإنترنت عبر الهاتف -ولو لفترة قصيرة- يمكن أن يكون أداة فعالة لتحسين الانتباه والصحة النفسية.

وفي عالم بات فيه الاتصال الدائم هو القاعدة، تبدو هذه النتيجة بمثابة دعوة لإعادة التفكير في العلاقة مع التكنولوجيا، والسعي إلى تحقيق توازن يتيح الاستفادة منها دون الوقوع في فخ الاستخدام المفرط.

وبينما لا يبدو الانفصال الكامل عن العالم الرقمي خيارا واقعيا لكثيرين، فإن الخطوات الصغيرة -مثل تقليل وقت الاستخدام، أو تخصيص فترات خالية من الشاشات- قد تكون بداية كافية لاستعادة جزء من التركيز والهدوء، وربما إعادة اكتشاف مساحات من الحياة كانت غائبة خلف وهج الشاشة.

 

المصدر: الجزيرة