غزة- متنقلا بين مناطق قطاع غزة المدمرة، أمضى مدير مؤسسة “الجود” المختصة بالعمل الإغاثي “الزراعي”، أحمد ارْحِيم، أياما عديدة في البحث عن طيور السمان في قطاع غزة.
كان ارحيم يسأل عن مزارع قديمة، ويتتبع أخبار العائلات التي احتفظت ببضعة طيور، وينتقل من مكان إلى آخر كلما بلغه أن سمانا ما زال موجودا في زاوية من القطاع.
لم يكن ارحيم يبحث عن الطيور بغرض الزينة أو التربية المنزلية، بل عن نقطة بداية لتكوين قطيع من السمان، كاد يختفي خلال الحرب التي أدت إلى تدمير شبه كامل للثروة الزراعية والحيوانية.
وبدأت مؤسسة الجود، رحلة البحث عن السمان، مطلع يوليو/تموز الماضي، بغرض تفريخ أعداد كبيرة من هذه الطيور، ومن ثم توزيعها على أسر فقيرة في القطاع، لتمكينها من الحصول على مصدر دخل، ومصدر جيد للتغذية.
في بعض الأماكن، لم يجد ارحيم سوى صيصان صغيرة لا يتجاوز عمرها 10 أيام، وفي أماكن أخرى، عثر على أزواج قليلة احتفظ بها أصحابها رغم ظروف النزوح ونقص الغذاء.
كان يشتري ما يستطيع الحصول عليه، بمبالغ باهظة، حيث بلغ ثمن زوج الصيصان نحو 180 شيكلا، أي قرابة 60 دولارا، بعدما كان زوج السمان (البالغ) يُباع قبل الحرب بنحو دولارين فقط.
استمر ارحيم في جمع الطيور زوجا بعد آخر، حتى تمكن من الحصول على نحو 100 زوج من الصيصان.
لم تكن هذه الكمية قطيعا كبيرا بالمعنى التجاري، لكنها شكّلت نواة أولى لمحاولة استعادة طائر تراجع وجوده في غزة إلى حد يقترب من الانقراض.

نواة مبشرة للمشروع
اليوم، تظهر نتيجة تلك الرحلة في حظيرة صغيرة بحي الزيتون في مدينة غزة، إذ تتحرك عشرات أزواج السمان داخل أقفاص معدنية.
وما إن يرفع العامل الحاجز الحديدي حتى تقفز الطيور إلى الأرض الجافة أسفل الأقفاص.
تبدأ في الاستحمام بالتراب، وتقليب أجسادها ونفض أجنحتها، في سلوك غريزي مألوف للطيور.
لا يبدو المشهد طارئا على العامل؛ فلا يحاول منع الطيور من مغادرة القفص، فهو يعرف أن هذا السمان من النوع “الياباني” مُدجّن، ولا يملك القدرة على الطيران، على خلاف السمان “الأوروبي” البري.
يترك العامل الطيور تأخذ حمّامها الرملي لدقائق، ثم يجمعها واحدة تلو الأخرى ويعيدها إلى الأقفاص.
في هذه الحظيرة تسعى مؤسسة “الجود”، إلى تحويل تلك البداية الصغيرة إلى دورة إنتاج مستقرة، قبل نقل جزء من هذه القدرة إلى أسر متضررة ومحدودة الدخل.
لكن الوصول إلى هذه المرحلة لا يتوقف على العثور على الطيور، فبعد جمعها تبدأ مهمة أخرى أكثر تعقيدا: جعلها تتكاثر في مكان تفتقر فيه العملية إلى أبسط مدخلاتها.

البيضة معلقة بالكهرباء
بغرض إعادة نشر طيور السمان في القطاع، وتكوين قطعان كبيرة، لجأ الفريق إلى فقاسات منزلية صغيرة محلية الصنع، تُعرف باسم “فيتكو”، تتسع الواحدة منها لنحو 200 بيضة.
وتمتاز هذه الفقاسات بأنها موفرة للطاقة، وتعمل على نظام تيار مزدوج، مما يسمح بتوصيلها بالبطاريات بشكل مباشر، إلى جانب مصادر الكهرباء التقليدية أو أنظمة الطاقة الشمسية.
هذه الميزة مهمة في غزة، حيث لا توجد كهرباء عامة مستقرة منذ بداية الحرب قبل 3 سنوات، فيما أصبحت مصادر الطاقة البديلة نفسها تحت ضغط سنوات الحرب.
وتعود منظومة الطاقة الشمسية المستخدمة في المشروع إلى ما قبل الحرب، وتراجعت كفاءتها، بينما لم تعد البطاريات قادرة دائما على توفير تشغيل مستقر خلال ساعات الليل.
وتبلغ تكلفة البطارية الواحدة المستعملة متوسطة الكفاءة نحو 10 آلاف شيكل، أي أكثر من 3300 دولار، وهو مبلغ يجعل توفير منظومة طاقة مستقرة تحديا قائما بذاته.
وتحتاج عملية التفريخ إلى المحافظة على درجة حرارة ورطوبة ثابتتين طوال فترة التحضين، وأي انقطاع أو تغير كبير في الظروف داخل الفقاسة يمكن أن يؤدي إلى تلف الأجنة وفقدان البيض.
ولا تنتهي الحاجة إلى الطاقة بمجرد خروج الصيصان، فالطيور حديثة الفقس تحتاج إلى حرارة مستمرة في أيامها الأولى، تتراوح وفق ظروف التحضين بين نحو 37 و39 درجة مئوية، مما يضطر الفريق إلى استخدام مصابيح تدفئة تستهلك بدورها كميات من الطاقة.

لماذا السمان؟
اختيار السمان لم يكن عشوائيا، فالمشروع يبحث عن طائر يمكن إعادة إنتاجه في مساحة صغيرة، وبفترة زمنية قصيرة.
ويقول الطبيب البيطري سعود الشوّا، الخبير الزراعي والمشرف الفني على المبادرة، إن السمان يصل إلى مرحلة النضج الجنسي ووضع البيض في نحو 40 يوما، بينما يحتاج البيض إلى ما بين 17 و18 يوما في الفقاسة حتى يخرج منه الصوص.
ويوضح الشوّا للجزيرة نت أن هذه الدورة القصيرة تتيح، نظريا، الانتقال من عدد محدود من الطيور إلى أعداد أكبر خلال فترة زمنية قصيرة.
كذلك يمكن تربيته في أقفاص وبطاريات رأسية، مما يقلل المساحة المطلوبة ويجعل تربيته ممكنة في منشآت صغيرة، بل وفي بعض الحالات داخل المنازل أو الخيام إذا توفرت شروط التربية الأساسية.
وتكتسب هذه الخاصية أهمية إضافية في غزة، حيث تقلصت المساحات المتاحة للزراعة وتربية الحيوانات، وتعرضت منشآت كثيرة للتدمير.
كما أن طائر السمان -بحسب الشوّا- قوي المناعة، ولا يحتاج إلى كثير من الأدوية البيطرية والمضادات الحيوية كبقية أنواع حيوانات المزارع.

العلف.. مشكلة حاضرة
إذا كانت الكهرباء هي الشرط الذي يسمح للبيضة بأن تفقس، فإن العلف هو ما يسمح للطائر بأن يكبر ويستمر في الإنتاج.
ويقول الطبيب البيطري سعود الشوا إن السمان يمكن أن يمثل مصدرا سريعا للبروتين الحيواني، لكن تحويل التجربة إلى مشروع مستدام يتطلب توفير مدخلات الإنتاج الأساسية، وفي مقدمتها العلف.
فالسمان، خصوصا في مراحل النمو الأولى، يحتاج إلى علائق متوازنة وغنية بالبروتين، ولا يمكن الاعتماد على بقايا الطعام أو الحبوب المتوفرة عشوائيا لفترات طويلة، لأنها لا توفر بالضرورة الاحتياجات الغذائية اللازمة للنمو وإنتاج البيض.
وتعتمد المبادرة حاليا، على كميات محدودة من علف الدجاج اللاحم الذي يتوفر في الأسواق بصورة متقطعة، إلى جانب خلطات محلية من الحبوب.
وتظل هذه الكميات غير كافية إذا ارتفع عدد الطيور بصورة كبيرة. ويضاف إلى ذلك نقص اللقاحات والأدوية والمطهرات البيطرية.
ويرى الشوا أن التعامل مع هذا النقص يبدأ من الوقاية، من خلال تنظيف الأقفاص، وتقليل الكثافة العددية، وعزل الطيور التي تظهر عليها علامات المرض، والحفاظ على أكبر قدر ممكن من شروط النظافة.

من الحظيرة إلى البيوت
بعد تكوين القطيع المركزي، يعتزم القائمون على المشروع نقل جزء من التجربة إلى الأسر المتضررة والمحدودة الدخل.
الفكرة تقوم على توزيع أزواج منتجة أو صيصان، إلى جانب فقاسات منزلية صغيرة، على أسر تتوفر لديها مساحة مناسبة وقدرة على الالتزام بشروط التربية.
وبذلك لا تحصل الأسرة على كمية من اللحم أو البيض فحسب، وإنما على وسيلة إنتاج يمكنها الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها.
ويحتاج الوصول إلى هذه المرحلة، وفق تقديرات القائمين على المبادرة، إلى ما بين شهرين و4 أشهر من العمل، قبل أن يصبح القطيع المركزي قادرا على توفير أساس مستقر للتوسع.
المصدر: الجزيرة