تراجعت معدلات التضخم بشكل غير متوقع في الصين خلال الشهر الماضي، لكن الصينيين لا يزالون يلتزمون حذرا استهلاكيا يعزوه محللون إلى حالة عدم اليقين الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، وعجز بعض المصنعين عن تجاوز تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية.
ولأول مرة منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، تراجعت تكلفة الإنتاج بسبب تراجع أسعار الطاقة خلال الأسابيع الماضية.
وزاد التضخم في الصين بنسبة 3.5% على أساس سنوي خلال يوليو/تموز الماضي، وهي وتيرة أقل مما كان متوقعا في ظل الحرب، وأقل من معدلات يونيو/حزيران الماضي التي تجاوزت 4%، وفق بيانات المركز الصيني للإحصاء.
كما تراجع معدل التضخم بالنسبة للمستهلكين في يوليو/تموز الماضي بمعدل 0.5%، مقارنة بـ1% التي بلغها في يونيو/حزيران، مما يعطي مؤشرا على انحسار تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية واحتمال خروج ثاني أكبر اقتصاد في العالم من عنق الزجاجة.
ورغم ارتفاع معدل الصادرات، يشكل تراجع الاستهلاك الداخلي مشكلة للحكومة الصينية منذ سنوات لأنه يحد من قدرة المصانع على تغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة بسبب التزايد المستمر لأسعار النفط والرقائق والمعادن عالميا.
فحسب أحدث بيانات الإدارة العامة للجمارك الصادرة الأسبوع الماضي، ارتفعت صادرات الصين بنسبة 23.9% خلال يوليو/تموز الماضي نتيجة تزايد الطلب الخارجي على المنتجات التقنية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
استهلاك حذر
لكن المواطن الصيني لن يشعر بتراجع التضخم بين يوم وليلة، فضلا عن أن تراجع السلع الأساسية والوقود والمحروقات لن يدفع المواطن لزيادة استهلاكه بشكل سريع، كما تقول مديرة مكتب الجزيرة في بكين شيماء جو إي إي.
فالبيانات الصادرة عن الحكومة تشير إلى أن تباطؤ التضخم يقابله ضعف في الطلب المحلي مما يعني أن المواطن ما زال ينفق بحذر، ويتخوف من أزمة العقارات وحالة عدم اليقين التي أحدثها إغلاق مضيق هرمز، بحسب جو إي إي.
وعلى هذا، فإن تراجع التضخم بوتيرة هي الأعلى منذ يناير/كانون الثاني الماضي يثير ارتياحا في أوساط المواطنين لكنه لا يعني تعافيا مستداما في حركة الاستهلاك التي تشي الأرقام بأنها ما تزال ضعيفة حتى الآن، وتتطلب تدخلا حكوميا لتشجيع المواطنين على الإنفاق، وفق مديرة الجزيرة في بكين، التي قالت إن الاستهلاك الحذر بات سمة في الصينيين ولاسيما الشباب.
فهذه المؤشرات الجيدة الناجمة عن إجراءات حكومية تحفيزية لا تزال مصحوبة بتفاؤل حذر يمكن تلمسه في حالة الحذر الشرائية التي يمارسها الصينيون بشكل لافت، حسب شيماء.
ركود طارئ
هناك حالة من التعافي الكلي وتحسن متذبذب في مؤشرات الاستهلاك الأساسية مما يعني أن الصين لا تعيش ركودا تاما، وأن كثيرا من التراجع يتعلق بالوقود والغذاء، بحسب الخبير الاقتصادي جاو كوانغ بين، الذي قال للجزيرة إن تراجع التضخم في يوليو/تموز الماضي يعود بشكل أساسي إلى انخفاض أسعار البنزين.
وفيما يتعلق بالتبادل التجاري مع الدول العربية، توقع جاو، تحسن الأوضاع بشكل مستمر إذا بقيت الأوضاع كما هي عليه الآن، مشيرا إلى أن الأرقام الصادرة في يوليو/تموز الماضي، تؤكد أن التراجع الذي حدث في النصف الأول من العام كان طارئا.
كما أن ارتفاع كلفة السفر للخارج يعني إقبالا من المواطنين والعائلات على السفر، وكذلك تزايد الطلب على المنتجات التقنية والحواسيب والهواتف الذكية لا يزال مرتفعا، وبالتالي فإن وصف الاستهلاك الصيني بالضعيف “ليس دقيقا” بنظر الخبير جاو.
وبالنظر إلى البيانات الحكومية، يرى جاو، أن العملية الصناعية في الصين لم تتراجع بشكل كبير وإنما تأثرت بارتفاع أسعار النفط وتراجع معدلات الطلب وعدم قدرة بعض المصنعين على تجاوز هذه الأزمات وتحفيز الاستهلاك.
والصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، وهي الأولى عالميا من حيث القدرة الشرائية لكنها واجهت تراجعا في معدلات النمو وضعفا في الطلب المحلي، بينما تراهن الحكومة على التصنيع المتقدم والتقنيات الحديثة والاقتصاد الأخضر لتحريك النمو بشكل أفضل.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، نقلت منصة “إنفستنغ دوت كوم”، عن مؤسسة أبحاث “يارديني” أن الاقتصاد الصيني، الذي كان “مقاوما بشكل مدهش هذا العام في مواجهة الرياح الخارجية”، يتلقى الآن “ضربات من جميع الجهات”، مشيرة إلى تراجع الصادرات، وضعف طلبات المصانع، وهبوط مبيعات التجزئة، وانكماش مشتريات السيارات، إلى جانب تسجيل أضعف استثمار في الأصول الثابتة منذ أكثر من 5 سنوات.
وأوردت المؤسسة قائمة من نقاط الضعف، شملت: ضعف قطاع التصنيع، واستمرار الانكماش السعري، وإحجام بكين عن تخفيف السياسة النقدية بجرأة.
المصدر: الجزيرة