يُخيّم شعور عام وثقيل في برلين بأن المفاجآت الانتخابية قد لا تتوقف عند ولاية سكسونيا أنهالت، وهو شعور لم تفنّده استطلاعات الرأي المتلاحقة قبل أيام من الانتخابات الإقليمية المقررة في العاصمة التاريخية.
ويتطلع الآن حزب “البديل من أجل ألمانيا” المنتشي بفوزه الساحق في سكسونيا أنهالت، إلى المضي قدما في تغيير الخارطة السياسية وعينه على مؤسسات الحكم الاتحادية في برلين، التي يشكل المهاجرون من الجيل الأول وأبناؤهم من الجيل الثاني نسبة 42% من تركيبتها السكانية.
قصص مقترحة
list of 2 items
end of list
ويخوض الحزب مع التحالف الحكومي وباقي الأحزاب منافسة محتدمة على المركز الأول، وإذا ما حقق الفوز مرة أخرى فإنه سيوجه صدمة للساسة الألمان أكثر عمقا من تلك التي هزت معقله في ولاية سكسونيا أنهالت.
وهناك ما يبرر بالفعل طموحات “البديل” في قدرته على اختراق برلين.
في صدارة استطلاعات
لقد نجح “البديل” في أن يكسب أراضي جديدة في برلين حتى قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع، فعلى مدى سنوات كان نفوذه مقتصرا على ضواحي برلين مثل ليشتنبرغ وشباندو ومارتسان-هيلرسدورف، حيث تقل أعداد المهاجرين ونادرا ما يزورها السياح.
لكن هذه المرة، وسع الحزب من قاعدته الانتخابية في برلين مستفيدا من صدى زخمه في سكسونيا أنهالت؛ إذ تشير نتائج استطلاعات رأي، نقلتها صحيفة “التايمز” ، إلى أن نسبة تأييده في برلين قد تضاعفت تقريبا، مرتفعة من 9% في الانتخابات السابقة عام 2023 لتتراوح اليوم بين 17% و19%.
ووحدها رئيسة حكومة ولاية مكلنبورج-فوربومرن الحالية بشمال شرق ألمانيا، مانويلا شفيزيج، تقدم نفسها في مستوى تحدي حزب “البديل” وقطع الطريق أمام طموحاته لتحقيق فوز ثانٍ.
وتظهر أحدث استطلاعات الرأي هناك تقدم “البديل” بنحو 37% من الأصوات، إلا أن الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تتزعمه شفيزيج ليس بعيدا عنه، إذ يحظى بنحو 34%، بعدما تمكن خلال الأسابيع الأخيرة من تقليص الفارق مع الحزب اليميني المتطرف.
وعلى خلاف حزبها الذي يعاني من تراجع التأييد له على مستوى البلاد، تحظى شفيزيج بنسب تأييد مرتفعة في ولايتها، وينظر إليها على أنها تملك فرصة جيدة للتغلب على حزب “البديل من أجل ألمانيا” في تصويت 20 سبتمبر/أيلول.
لكن هذا التفاؤل لا يلغي المخاطر على المستوى الاتحادي، حيث يشير أحدث استطلاع لمعهد “يوغوف” الألماني، بشأن نوايا التصويت، أنه في حال تنظيم انتخابات برلمانية على مستوى ألمانيا، سيحصل حزب “البديل من أجل ألمانيا” على تأييد 29% من الألمان، بزيادة نقطة مئوية واحدة مقارنة بأغسطس/آب الماضي.

في المقابل، تراجع الحزبان المسيحي الديمقراطي والمسيحي الاجتماعي البافاري إلى أدنى مستوى تاريخي لهما في الاستطلاع، حيث لن تتعدى نسبة تصويت الناخبين الألمان لهما 18%، بانخفاض نقطتين مئويتين مقارنة بأغسطس/آب الماضي.
ويجعل هذا التطور في نوايا التصويت على المستوى الاتحادي كل الاحتمالات واردة في مكاتب الاقتراع في برلين بالذات يوم الأحد.
ونقلت صحيفة “التايمز” عن رونالد غلاسر، أحد الأعضاء المؤسسين لفرع الحزب في برلين، أن التنبؤ بالنتيجة هو محاولة عقيمة تشبه “قراءة المستقبل في بقايا القهوة”. لكن في تقديره فإن هناك شعورا حقيقيا بأن المحظورات التي كانت تحيط بالحزب بدأت تتلاشى.
تكتيك التكيف
ومن الواضح أن الشعور بهذا التحول كان نتاج تكيّف سعى إليه الحزب بشكل ممنهج كما هو الحال في العاصمة برلين.
ويشير تحليل في صحيفة “التايمز” التايمز كيف أن الحزب توخى سياسة حذرة في خطابه الانتخابي الحاد دون أن يتخلى عن أزمة الهجرة وخطر “الاستبدال السكاني”، وكيف لعب على احتياجات العاصمة في مسعى لاستقطاب التيارات اليمينية الأكثر اعتدالا.
ويركز الحزب في حملته ببرلين بشكل كبير على القضايا المعيشية اليومية الملحة، مثل العنف والجرائم ونقص المساكن منخفضة التكلفة وتردي نظام المدارس. كما ركّز برنامجه على ديون برلين ومشاكل المتقاعدين والشباب والأسر التي تخلت عنها الحكومة الإقليمية في خضم الأزمة الاقتصادية.

وصرّحت كريستين برينكر، الوجه البارز للحملة الانتخابية للحزب، بأن معدلات التأييد الحالية في استطلاعات الرأي فاقت كل توقعاتها.
ومع ذلك، فإن احتمال تحقيق حزب “البديل من أجل ألمانيا” اختراقا في برلين يظل في تقدير الملاحظين بمثابة مفاجأة سياسية من العيار الثقيل.
فحتى الآن لا تزال غالبية المشاركين في استطلاع معهد “يوغوف” تعتبر حزب “البديل من أجل ألمانيا” حزبا يمينيا متطرفا، حيث أعرب 59% عن هذا الرأي، بينما عارضه 30%. ولم تتغير هذه النسبة تقريبا مقارنة بمايو/أيار 2025.
لكن الموقف مما يُسمى “الجدار العازل” تغير بشكل ملحوظ وفقا للاستطلاع، وهو ما يشكّل اختراقا حقيقيا في نظر الألمان للحزب عموما.
ويرى 51% الآن أن الأحزاب الأخرى لا ينبغي أن تستبعد التعاون مع حزب “البديل من أجل ألمانيا” من حيث المبدأ، وكانت النسبة بلغت 44% في أغسطس/آب الماضي.
في المقابل، أيد 40% الاستبعاد المبدئي للتعاون، بعد أن كانت نسبتهم 46% في الشهر السابق.
المصدر: الجزيرة