يسترجع الفنان سامي محمد ذكرياته منذ نحو ستة عقود، عندما كان يافعاً يمني النفس بتشييد متحف خاص به، يجمع أعماله الفنية المتنوعة التي تتجاوز ألف عمل، في مجالات الرسم والنحت والخزف، متسلحاً بالصبر وقوة الإرادة والجلد والمثابرة لتحقيق الأهداف، مبيناً أنه لم تخر عزيمته يوماً أو يكل ساعده على مدى الأعوام الطويلة، بل كان مع مرور الوقت يدرك أنه يقترب من تحقيق الحلم، بالرغم من الصعوبات التي يواجهها، سواء على الصعيد الشخصي أو العقبات التي كانت تسيطر على المشهد العربي العام.
ويسرد الثمانيني سامي محمد، الخبير في استخدام الإزميل، أن أي عمل ينجزه ويشعر بأن رسالته غير واضحة للمتلقي أو غير مفهومة، كان يعمد إلى تحطيمه، ويبدأ الرحلة من جديد ليشيد عملاً آخر مفرداته سهلة الفهم وتأثيره كبير على المتلقي.
نذرت نفسي للفن السامي الذي يقدس كرامة الإنسان
وعن متحفه الذي أنجزه مؤخراً يقول: «متحفي دار مريم، الذي أطلقت عليه اسم والدتي، كان بمنزلة الحلم الذي تحقق أخيراً، فقد لازمني هذا الحلم نحو 65 عاماً، ومع مرور الوقت كان إصراري على تحقيقه يتضاعف، لأنني كنت أود أن يرى هذا الصرح النور قبل وفاتي، والحمد لله تكللت جهودي بالنجاح ولم يخب ظني، فقد بذلت ما بوسعي لأرى هذا المبنى، وبفضل الله أنجزت هذا الحلم معتمداً على ذاتي ومتسلحاً بالإرادة القوية والهمة العالية».
وعن الجهات التي دعمت هذا المشروع ذكر سامي محمد: «لم أحصل على أي دعم من أي جهة لتنفيذ هذا المشروع الضخم، فقد اشتريت الأرض أولا ثم انتظرت طويلاً للبدء في عمليات البناء، فقد كنت أدخر أي مبلغ من المال أحصل عليه نظير بيع أحد أعمالي التشكيلية أو النحتية أو اللوحات أو المجسمات، حيث كنت أضع هذه النقود، سواء كثرت أو قلت، في البنك رغبة في المضي ضمن اتجاه تحقيق الحلم، واستمررت على هذا المنوال سنوات عديدة، وكنت أبذل قصارى جهدي لادخار أي مبلغ مالي».

وحول قيمة الأرض وتكلفة بناء المتحف، أوضح سامي محمد: «اشتريت الأرض بقيمة 375 ألف دينار، وكلفتني أعمال البناء نحو 280 ألفاً، وقمت بتأمين هذا المبلغ من أعمالي التي بعتها على مدار السنوات الماضية، حيث وصلت تكلفة المتحف نحو 655 ألفاً، وهي تعتبر مبلغاً كبيراً جداً، لكن الله عز وجل سهّل لي ذلك، لاسيما بعد تحقيق الشهرة عربياً، حيث بدأت القيمة السعرية لأعمالي ترتفع، وأصبحت تباع بأسعار كبيرة، تختلف عن قيمتها في الستينيات والسبعينيات، وهذا المتحف ثمرة عمل متواصل وجهد كبير ممتد على 65 عاماً».
وأضاف: «لا تصدق إن قلت لك إن الـ65 عاماً مرت كالبرق، وأنا الآن في الثمانين من عمري، وقد مررت بالكثير من الظروف والأحداث، وتجرعت مرارة المعاناة، لكن بفضل الله، وإصراري، حزمت أمري بأن أمضي في تحقيق الحلم غير مكترث لما أواجهه من صعوبات، في سبيل تكوين اسم، لأنني نذرت نفسي للفن السامي الذي يقدس كرامة الإنسان ويمجدها، فالإنسان بلا كرامة بمنزلة كائن ناقص، الله عز وجل منحنا العقل الذي نفكر به وننجز بفضله ما لا يستطيع إدراكه البعض، فالعقل هو الذي ابتكر هذه الأمور التي تسهل علينا حياتنا، وننعم بفضلها بحياة هانئة».
أطلقت على المتحف «دار مريم» لأن القوانين تمنع إقامة متاحف شخصية
وأكد: «أستطيع القول إنني أصهر نفسي، وأبذل جهدي ليستمتع المتلقي، ومن خلال أحد أعمالي عبرت عن مأساة الإنسان ضد الإنسان نفسه، وربما أشد أعداء الإنسان شراسة هو الإنسان، وهنا أهاجم الظلم الذي يقع على الإنسان، وهذه دعوة إلى الصفاء والنقاء».
يوم من عمري
وعن عدد الأعمال التي أنجزها خلال مشواره، قال سامي محمد إنها أكثر من ألف عمل، والمتحف يضم تقريباً هذا العدد، إضافة إلى أعمال أخرى قمت ببيعها، ويضم المتحف الأعمال التالية: لوحات، اسكتشات، مجسمات، تماثيل، خزفيات صغيرة، ومنحوتات صغيرة، «وأنا بفضل الله لم يمر يوم من عمري إلا وكنت منجزاً لعملي، فلم أجلس بلا عمل يوماً، وإن قلت عدد ساعاته».
وحول الفترة التي يستغرقها تنفيذ العمل، أوضح أن «لكل عمل تعاملاً مختلفاً وفترة زمنية مختلفة وفقاً لفكرته، فالعمل النحتي الصغير يحتاج بضعة أشهر، وإن كان كبيراً يحتاج نحو عام ونصف العام تقريباً، وربما يتساءل البعض لماذا يستغرق تنفيذ العمل كل هذه المدة؟ لأني وبصراحة أدقق كثيراً على فكرة العمل، وإن لم تتبلور بشكل واضح أحطم العمل، وأنا أعتبر أن العمل الفني يحمل رسالة، وكل أعمالي فيها قصص وحكايات أستقيها من الواقع، فأنا أود أن أنجز العمل بنفس المشاعر والأحاسيس التي عشتها أثناء مشاهدة مجزرة صبرا وشاتيلا، وأود أن يشعر المتلقي بهذه المشاعر».
وتابع سامي محمد: «آمل أن ينظر إلى المتحف على أنه جزء من دولة الكويت، لأنه يروي حدثاً تاريخياً للثقافة الكويتية في الفنون التشكيلية، فمحتويات المتحف إرث وطني آمل أن يتم الانتباه إليه وتقديره من الدولة، لأنني بصراحة لا أعرف أين سيؤول هذا المتحف بكامله عقب عشرات السنين؟ فهل الورثة سيحتفظون به؟ وهل أحفاد الأحفاد سيكونون كذلك أم سيتصارعون على الأرض والأعمال؟ كل هذه الأمور في علم الغيب، لكن آمل أن تضع الدولة حمايتها على المتحف وتقوم برعايته، كما قامت الدول الأخرى بتشييد متاحف لمشاهيرها، وهنا يختلف الأمر، فأنا قمت بتجهيز المتحف، وفقط يحتاج إلى الرعاية».
بنيت المتحف في ديرتي لا على القمر فلماذا لا يحق لي تسميته باسمي؟!
وشدد على أهمية رعاية الدولة للمتحف، مضيفاً: «أنا قمت بإنشاء المتحف حباً لوطني، وتقديراً له، لأنه أعطاني الكثير، وأرى أن هذا المتحف بكل ما فيه مجرد تعبير عن وطنيتي وتقديري لبلدي، وأنا عشت فترة شظف العيش، ثم رأيت دولة الرفاه، لذلك من عاش في الأربعينيات والخمسينيات يعرف ويقدر جيداً ما الذي منحتني إياه ديرتي الحبيبة لتأمين العيش الكريم لمواطنيها، لذلك آمل أن يحظى بالتقدير في حياتي، هذا ما أطلبه، وأود أن ترعى الدولة هذا المتحف، ويكون معلماً وصرحاً ثقافياً يزوره المسؤولون وضيوف الكويت، ويعترف به بشكل رسمي».
القضية الفلسطينية
وحول دور الكويت في مساندة الدول العربية في الأزمات التي تعانيها، قال سامي محمد: «عُرفت الكويت بدورها الكبير في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ودعمها للشعب الفلسطيني المقاوم للاحتلال، وكذلك الحال ساندت الكويت الجزائر إبان الاحتلال الفرنسي، ودعمت الثورة هناك، للتخلص من نير العدو المحتل».
وأضاف: «عملت تماثيل كثيرة عن فلسطين، وكذلك عن غزة وصراع الشعب البطل ضد المحتل الغاصب، وهذه الأعمال قيد الإنجاز في بريطانيا، وصرفت عليها الكثير من الجهد والمال، وتحتاج نحو 7 أشهر لتكون جاهزة، وسأشارك بها ضمن معارض تشكيلية مقبلة إن شاء الله».
بناء المتحف في الكويت حلم لازمني منذ نحو 65 عاماً
وتابع: «قدمت أعمالاً تحاكي فترة احتلال الكويت عام 1990، ومن أبرزها تمثال الشهيد، وحرصت منذ البداية على أن أتناول موضوع الإنسان في أعمالي، وكل أعمالي تقريباً تركز على الإنسانية والاضطهاد والظلم والقهر الذي يعانيه الإنسان أينما وجد، وهذا الأفق المتسع ينضوي تحته أي صراع في الوطن العربي».
وعن كيفية إنجاز العمل النحتي، أوضح أن النحت يحتاج إلى صبر ودقة متناهية في العمل، والنحات يحتاج إلى مطرقة وإزميل للبناء في مراحل عديدة قبل ظهور العمل بشكله النهائي، وهي مراحل صعبة جداً تحتاج إلى مهارة ودراية كبيرة.
متاحف شخصية
وبشأن تسمية المتحف بدار مريم أوضح سامي محمد أن «القوانين في الكويت تمنع إقامة متاحف شخصية، وحاولت من خلال المجلس البلدي، والمجلس الوطني للثقافة والفنون الآداب ووسائل الإعلام، أن أسمي المتحف باسمي، ولم يسمح لي، لماذا لا يجوز؟ أنا اشتريت الأرض وبنيت المتحف عليها في ديرتي لا على القمر؟!». واستدرك: «آمل أن يتم الاعتراف بهذا المتحف وباسمه الذي منعت من إطلاقه عليه، وعندي ثقة بأن الفترة المقبلة ستكون أفضل، وسيكون هناك اهتمام بالثقافة من خلال الشباب الواعي، وأنا لا أدعي أنني الوحيد، بل هناك الكثير من الفنانين الذين يستحقون التقدير، ومنهم أيوب حسين وخليفة القطان وخزعل عوض، وكذلك الشعراء والأدباء في الكويت».