سباق لا يربحه أحد.. لماذا نفشل في تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي؟

تجلس أمام شاشتك في ساعة مبكرة من صباح يوم عملك، تشرب قهوتك الصباحية، ثم تقرر أن تفتح المنصة التعليمية التي اشتركت بها قبل ثلاثة شهور. الدورة التي كنت تتابعها عن أداة توليد النصوص التي سمعت عنها في كل مقال وكل منشور على “لينكد إن” وقيل لك إن إتقانها شرط للحفاظ على مهنتك، توقفت فجأة.

تجد أمامك رسالة في أعلى الصفحة تعتذر بلباقة: “الأداة التي تدربت على استخدامها طرحت إصدارا جديدا، مختلفا في منطقه وواجهته، وعلى المنصة أن تُعيد بناء الدورة من الصفر. وإلى أن يحدث ذلك، يمكنك الاشتراك في دورة انتقالية مدفوعة، بسعر مخفض تقديراً لولائك”.

اقرأ أيضا

list of 2 items

  • list 1 of 2بالمساجد والبيرقدار.. كيف هزمت تركيا خصومها في أفريقيا؟
  • list 2 of 2هل يحل الذكاء الاصطناعي المعضلة الأهم للطب النفسي؟

end of list

تبقى عيناك على الشاشة لبضع ثوان، مندهشاً لما وصلت إليه الأمور، فهذه الدورة هي الثالثة التي تبدأها خلال عامين؛ الأولى والثانية، على الأرجح، لم تعد تعني شيئاً لأي صاحب عمل في السوق. وتحولت الشهادات التي حصلت عليها، أو تلك التي كنت في طريقك إلى الحصول عليها، إلى ملف لا قيمة له.

“الأدوات تتغير أسرع من قدرة أي منصة على تعليمك إياها، والمهارات المطلوبة اليوم قد تُصبح هامشية غدا”

أنت لست كسولا، فأنت لم تتوقف يوماً عن التعلم، استجابة لتلك الرسائل التي تصلك كل اتجاه، من تقارير شركات الاستشارات الكبرى إلى منشورات “لينكد إن” إلى نصائح المؤثرين في شؤون المهنة، والتي تخبرك أن وظيفتك في خطر، وعليك أن تتأقلم. حسنا، أنت تحاول التأقلم منذ عامين، فلماذا تشعر أن الهوة تتسع بدلا من أن تضيق؟

يكمن جزء من الإجابة في طبيعة النصيحة ذاتها، فحين يُقال لك “تعلم أدوات الذكاء الاصطناعي” أو “أعِد تأهيل نفسك” أو “عزز طلاقتك في التعامل مع الذكاء الاصطناعي”، فهي كلمات تبدو واثقة ومطمئنة حين تقرأها في تقرير أنيق صادر عن مؤسسة استشارية عالمية. غير أنك حين تحاول ترجمتها إلى خطوات فعلية، تصطدم بما يجعلك تستقبل صباحك على رسالة اعتذار من منصتك التعليمية. لأن الأدوات تتغير أسرع من قدرة أي منصة على تعليمك إياها، والمهارات المطلوبة اليوم قد تُصبح هامشية غدا، والدورة التي بدأتها قبل ستة أشهر قد تنتهي صلاحيتها قبل أن تنتهي منها.

إعلان

هنا يبرز سؤال بسيط ومنطقي، لن تجد له إجابة مقنعة في أي تقرير مهما بلغ عدد صفحاته على الأغلب: حين يُقال لك “تكيف”، فمع ماذا بالضبط يُطلب منك التكيف؟ مع أداة قد تختفي بعد أشهر؟ أم مهارة قد تتقادم قبل أن تُتقنها؟ أم سوق عمل لا يجرؤ أحد على رسم ملامحه بدقة، لأن أحدا لا يعرفها فعلا؟

النصيحة التي يتفق عليها الجميع

ارجع إلى مصدر الرسالة التي تصلك من كل اتجاه، تكتشف أنها تكاد تصدر من نطاق واحد. في نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي (2025)، نشر معهد ماكنزي العالمي، الذراع البحثية لأحد أكبر بيوت الاستشارات في العالم، تقريراً من ستين صفحة بعنوان “الوكلاء والروبوتات ونحن”، يقدم التقرير وعداً لصناع القرار في الشركات بخريطة واضحة لما ينتظرهم في السنوات القليلة القادمة.

“أشارت ماكينزي أن عمليات الأتمتة بالذكاء الاصطناعي قد تنتج قيمة اقتصادية تصل إلى 2.9 تريليون دولار بحلول عام 2030”

الأرقام التي يقدمها التقرير لافتة، وهي مصممة لتكون كذلك، إذ يذكر أن التكنولوجيا المتاحة اليوم قادرة نظريا على أتمتة نحو 57% من ساعات العمل في الاقتصاد الأمريكي، وعمليات الأتمتة بالذكاء الاصطناعي قد تنتج قيمة اقتصادية تصل إلى 2.9 تريليون دولار بحلول عام 2030. ومع ذلك، يُسارع التقرير إلى طمأنة قارئه: هذه الأرقام ليست توقعا بفقدان الوظائف، بل إعادة رسم لطبيعة العمل ذاتها، فنحو 72% من المهارات التي يطلبها أصحاب العمل اليوم ستظل مهمة، وإن اختلفت طريقة استخدامها. والمستقبل، كما يصفه التقرير، ليس مواجهة بين الإنسان والآلة، بل “شراكة” بين البشر والوكلاء الرقميين والروبوتات.

يمكننا اعتبار تلك المصطلحات، واللغة ذاتها، جزءاً من الرسالة، لأن مفردات مثل “شراكة” و”تعاون” و”طلاقة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي” تحمل وعدا هادئا بأن ما يحدث ليس إزاحة من سوق العمل، بل إعادة توزيع للأدوار بطريقة يستفيد منها الجميع، شرط أن يتأقلم كل فرد مع موقعه الجديد. وهنا تحديداً تتكرر النصيحة التي تصلك: أعِد تأهيل نفسك، وتعلم الأدوات الذكية، وطور مهاراتك الرقمية، وعلى الأرجح ستكون بخير.

لو فتحت تقريراً آخر، صادراً عن مؤسسة مختلفة تماماً، لعثرت على الرسالة نفسها بمفردات شبه متطابقة، فمثلاً تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، الصادر في مارس/آذار الماضي، عن مستقبل الوظائف يتوقع تغيراً في 39% من المهارات الأساسية للعمال حتى عام 2030، ويدعو إلى استثمار واسع في برامج إعادة التأهيل.

“تبشر مايكروسوفت بولادة الشركة الرائدة التي تعمل بفرق هجينة من البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي”

كما يقدم مسح أجرته شركة بي دبليو سي (pwc) الشرق الأوسط، عام 2025، الصورة نفسها من زاوية إقليمية هذه المرة، موضحا أن 49% من موظفي المنطقة يتوقعون أن تؤثر التغيرات التقنية، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة، على وظائفهم بدرجة ملحوظة أو ملحوظة جدا خلال السنوات الثلاث المقبلة، وأن 75% منهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي فعلاً. والتوصية ذاتها تتكرر: التعلم المستمر، وبناء المهارات، والتأقلم مع الأدوات الجديدة.

إعلان

وتنشر شركة ديلويت (Deloitte)، وهي واحدة من أكبر 4 شركات للخدمات المهنية والتدقيق المالي في العالم، تقريرها السنوي عن رأس المال البشري بالمفردات ذاتها. ففي تقريرها لعام 2025، تدعو ديلويت قادة الأعمال إلى موازنة “التوترات” بين الأتمتة وتعزيز أداء الموظفين. كما تصدر مايكروسوفت مؤشر اتجاهات العمل السنوي بالإطار ذاته، وتبشر بولادة “الشركة الرائدة” التي تعمل بفرق هجينة من البشر ووكلاء الذكاء الاصطناعي. بينما تطلق غوغل أبحاثها عن مكان العمل المعزز بالذكاء الاصطناعي بالاستنتاجات ذاتها. الاتساق اللافت بين هذه المؤسسات قد يبدو، للوهلة الأولى، دليلاً على أن الخطاب صحيح، إذ كيف يمكن أن تتفق مؤسسات مستقلة على الصورة ذاتها إن لم تكن تلك الصورة دقيقة؟

كل شيء في خرائط التعلم والعمل القائمة أصبح قابلا للتقادم (الجزيرة)

الجمهور المستهدف

إن دققت النظر أكثر، ستكتشف أن هذه المؤسسات ليست مستقلة بالقدر الذي توحيه، فهي تتقاسم الجمهور المستهدف ذاته، وهم المديرون التنفيذيون في الشركات الكبرى، وتبيع الخدمة ذاتها، وهي استشارات التحول الرقمي وإعادة هيكلة القوى العاملة، وتعتمد على أُطر مفاهيمية متشابهة تتدفق بين تقاريرها عبر سنوات.

وحين تُنتج مؤسسة استشارية تقريراً يُقنع الشركات بضرورة الاستثمار في تحول رقمي واسع، فهي في الوقت ذاته تعرض على هذه الشركات خدمات تنفيذ هذا التحول، لتصبح الأبحاث والتوصيات والخدمات، على الأغلب، حلقات في سلسلة منظومة واحدة.

“حين تُنتج مؤسسة استشارية تقريرا يُقنع الشركات بالاستثمار في التحول الرقمي، فهي في الوقت ذاته تعرض على هذه الشركات خدمات تنفيذ هذا التحول”

لاحظ هنا أمرا دقيقا حين تعيد قراءة تقرير ماكنزي بتمعن، فالتقرير يحلل نحو 800 مهنة أمريكية، ويربطها بنحو 6800 مهارة، ويستند إلى أكثر من 11 مليون إعلان وظيفة. لكنه، على مدار ستين صفحة، لا يقتبس كلمة واحدة من عامل، ولا يقدم تجربة شخصية واحدة لموظف يعيش هذا التحول. الأرقام كلها مستخرجة من بيانات سوق العمل الكلية، والأمثلة كلها مصاغة من منظور الشركة التي تُعيد تصميم سير العمل.

حتى الحالات التطبيقية الأربع التي يقدمها التقرير، في المبيعات وخدمة العملاء والصناعات الدوائية وتحديث البنية الرقمية، مكتوبة بلغة الإدارة: مكاسب في الإنتاجية، وخفض في التكاليف، وزيادة في هوامش الربح. أما ما حدث للموظفين الذين كانوا يؤدون هذا العمل قبل وصول “الوكيل الذكي”، فهو سؤال لا يطرحه التقرير، وبالطبع لا يُجيب عنه.

غالباً لا يكون هذا عيبا عرضيا، بل سمة أساسية لنوع التقارير ذاته، فحين تعمل المؤسسة على بيع خدماتها لمديري الموارد البشرية ومديري العمليات ورؤساء الشركات، فإن العامل أو الموظف الذي يقرأ التقرير بحثاً عن إجابة، لا عن خدمة يشتريها، يجد نفسه في موقع غير مقصود أصلاً. صحيح أنه يُسمح له بأن يسترق السمع، وأن يلتقط بعض التوصيات العامة، لكنه ليس الطرف الذي صُممت من أجله تلك الخريطة.

“حين تبيع المؤسسة الاستشارية خدماتها لمديري الموارد البشرية ورؤساء الشركات، فإن العامل أو الموظف الذي يقرأ تقاريرها بحثا عن إجابة، لا يكاد يجد ضالته”

إذا كان هذا هو الخطاب الذي يصلك، فإنه على الأرجح لم يُصمم لإجابة سؤالك، بل لإجابة سؤال مختلف تماماً: كيف تستطيع الشركة أن تتعامل مع هذا التحول؟ أما سؤال “كيف أستطيع أنا، بوصفي عاملا في المجال، أن أتعامل مع هذا التحول؟”، فهو سؤال آخر يحتاج إلى مصدر آخر، ولا يجيب عنه أحد بوضوح.

تبقى مع ذلك مشكلة أكبر من مسألة الجمهور، فحتى لو قبلنا الخطاب كما يقدم نفسه، وتعاملنا معه على أنه محاولة صادقة لرسم ملامح المستقبل، فإن ما يَعِد به على أرض الواقع لا يتحقق بالصورة التي يصفها. إذ تبشر تقارير الاستشارات بمكاسب إنتاجية لم تظهر بعد، وبشراكة هادئة بين الإنسان والآلة لا تعيشها الشركات فعلاً، وبـ”إعادة تأهيل” كشفت الأرقام أنها أقرب إلى وهم منها إلى خطة.

إعلان

حين تصطدم النصيحة بالواقع

دعنا نبدأ بأرقام الربع الأول من عام 2026، ففي الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام وحده، خسر قطاع التكنولوجيا الأمريكي أكثر من 52 ألف وظيفة، بزيادة 40% عن الفترة ذاتها من العام الذي سبقه. وفي مارس/آذار وحده، نسبت الشركات ربع هذه التسريحات صراحة إلى الذكاء الاصطناعي، صعوداً من 10% في فبراير/شباط الذي قبله.

مثلا، شركة بلوك للمدفوعات المالية الرقمية، التي يقودها جاك دورسي الرئيس التنفيذي السابق لتويتر  (إكس حاليا)، استغنت عن 40% من موظفيها في ضربة واحدة، وكتب مؤسسها أن ذلك لم يكن مدفوعاً بضائقة مالية، بل بالنضج المتسارع لأدوات الذكاء الاصطناعي. فيما أعلنت أمازون تسريح 16 ألف موظف من مستوى الإدارة، وشركة ميتا قررت تخفيض قوتها العاملة بنسبة 10% أي نحو 8000 موظف، بينما تخفض شركة أوراكل وظائفها وتتوسع في الوقت ذاته في بناء مراكز البيانات.

تلك الأرقام حقيقية، لكن هنا تحديدا تظهر الملاحظة الأولى التي قد تُربك قراءتك للمشهد.

السردية التي ترافق هذه التسريحات، وتقول إن الذكاء الاصطناعي يحل محل العامل، ليست على الأرجح السردية الدقيقة. محللو دويتشه بنك يصفون ما يحدث بمصطلح “الغسل بالذكاء الاصطناعي” (AI Washing)، أي لجوء الشركات إلى ربط تسريحاتها بالتكنولوجيا لإضفاء شرعية تقنية على قرار مالي محض.

“تلجأ الشركات إلى ربط تسريحاتها بالتكنولوجيا لإضفاء شرعية تقنية على قرار مالي محض”

يمضي تحليل سي إن إن أبعد من ذلك، ويخلص إلى أن كثيراً من التسريحات الكبرى ليس دافعه الحقيقي أن الذكاء الاصطناعي حل محل الموظف، بل أن الشركات بحاجة إلى تحرير أموال لتمويل بنية تحتية ضخمة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وأن خطاب “التحول” أجمل في نظر المستثمرين من خطاب “نحن أنفقنا أكثر مما يجب في زمن المال الرخيص ونصحح الوضع الآن”.

أما الرئيس التنفيذي لشركة راندستاد، أكبر شركة توظيف في العالم، فقد قال في منتدى دافوس إن نسبة كبيرة من هذه التسريحات ليست مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بل بحالة عامة من الغموض الاقتصادي، وإن الربط بينها وبين التكنولوجيا “متسرع”.

النتيجة الآن، بالنسبة لك، أنك تعيش في ضباب مزدوج؛ التهديد حقيقي، لكن مصادر المعلومات عنه غير موثوقة، لا الرواية المتفائلة (الذكاء الاصطناعي يشاركك التنفيذ) صادقة، ولا الرواية المتشائمة (الذكاء الاصطناعي يأخذ وظيفتك غداً) دقيقة. لذا، تحاول أن تقيّم مخاطر مهنتك وأنت تعتمد على أرقام لا تعرف حتى ما الذي تقيسه بالضبط.

الملاحظة الثانية تتعلق بما يُفترض أن يُحققه الذكاء الاصطناعي في المقابل، وهو مكاسب الإنتاجية التي تُبنى عليها كل تقارير ماكنزي وأخواتها. لو صح هذا الوعد، لظهر أثره على المستوى الكلي للاقتصاد. لكن محللي بنك غولدمان ساكس بعد سنوات من التبني الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، يخلصون إلى أنهم “لا يجدون علاقة ذات دلالة بين تبني الذكاء الاصطناعي والإنتاجية على المستوى الاقتصادي الكلي”. ويستعيد الاقتصاديون هنا مفارقة سولو (Solow Paradox)، وهي الملاحظة التي صاغها الاقتصادي روبرت سولو عام 1987 حين قال إن أثر الحاسوب يظهر في كل مكان إلا في إحصاءات الإنتاجية.

“تقول دراسة لجامعة كاليفورنيا بيركلي إن الذكاء الاصطناعي لا يُخفف حجم العمل، بل يكثفه. لأن الموظفين يتحملون مهاما إضافية بخلاف عبء الإشراف على مخرجات الأدوات”

بل إن الصورة، عند الاقتراب من تفاصيل العمل اليومي، تصبح أكثر إرباكاً؛ دراسة لجامعة كاليفورنيا بيركلي نُشرت في هارفارد بزنس ريفيو في فبراير/شباط الماضي، وأجراها باحثون تمركزوا داخل شركة تكنولوجية تضم مئتي موظف على مدى ثمانية أشهر، تخلص إلى استنتاج مضاد تماماً للخطاب السائد: الذكاء الاصطناعي لا يُخفف حجم العمل، بل يكثفه.

ذلك لأن الموظفين الذين اعتمدوا الأدوات الجديدة بدأوا يتحملون مهاماً كانت تخص أدواراً أخرى، وصارت الحدود بين وقت العمل وخارجه تتآكل، وزاد عبء الإشراف على مخرجات الأدوات إلى درجة استنزفت ما وفرته من وقت. صاغت دراسة أخرى من مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) مصطلح “الإنهاك من الذكاء الاصطناعي”، ورصدت أن 34% من الموظفين الذين يعانون هذا الإنهاك يخططون للاستقالة.

بالفحص، ستجد أن الصورة الأدق ليست أن الذكاء الاصطناعي يحرر الموظفين ليتفرغوا لما هو أعلى قيمة، بل أنه يُعاد توظيفه في أغلب الشركات لتحميل الموظف أعباء إضافية دون مقابل. ويرصد تقرير فورتشن عن مفارقة الإنتاجية هذا الأمر بصراحة قائلا: “الشركات التي وفرت على موظفيها ساعات بفضل الأدوات الجديدة لا تُعيد هذه الساعات إلى الموظفين في صورة وقت حر، بل تطلب إنتاجاً أكبر خلال الساعات ذاتها. كان الوعد أنك ستعمل بذكاء أكثر، لكن الواقع تحول لأنك تعمل أكثر فحسب”.

إعلان

تبقى الملاحظة الثالثة، وهي الأشد إحراجاً للخطاب السائد، لأنها تمس جوهر النصيحة التي يقدمها لك: أعِد تأهيل نفسك. هذه النصيحة تفترض أن هناك وجهة واضحة يمكنك أن تُعيد تأهيل نفسك نحوها، وأن المؤسسات التي تطلب منك هذا التأهيل مستعدة لتحمل جزء من العبء. كلا الافتراضَين، حين تتأمل الأرقام، أقرب إلى الوهم منه إلى الواقع.

“برامج إعادة التأهيل تُدرب الموظفين على وظائف معرضة للأتمتة، لأن منظمي تلك البرامج أنفسهم لا يعرفون أي الأدوار سينجو وأيها سيختفي”

سنبدأ من الجانب المؤسسي، إذ وجد مسح حديث يشمل شركات كبرى أن 89% من قادة الأعمال يعترفون بأن إعادة تأهيل القوى العاملة على الذكاء الاصطناعي أمر حاسم، لكن 6% فقط منهم بدأوا برامج فعلية لتنفيذ تلك المبادرات. الفجوة بين ما يُقال في التقارير وما يحدث داخل الشركات هائلة، ومردودها على الأرجح بسيط: المؤسسات تعرف أن الموظف الذي تستثمر في تأهيله قد يغادر، فتُفضل ألا تستثمر أصلاً، وتُلقي العبء عليه.

دعنا ننتقل إلى الجانب التدريبي، إذ يوثّق معهد بروكينغز ظاهرة مفصلية في مقال مطول: برامج إعادة التأهيل، على تنوعها، تُدرب الموظفين في كثير من الأحيان على وظائف معرضة بدورها للأتمتة، لأن منظمي تلك البرامج التعليمية أنفسهم لا يعرفون أي الأدوار سينجو وأيها سيختفي. أنت تدفع وتتعلم وتكمل الدورة، ثم تكتشف أن المهارة التي اكتسبتها أُضيفت إلى قائمة ما يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يؤديه بنجاح.

ثم هناك مسألة السرعة، ففي موجات تكنولوجية سابقة، كانت المهارة تحتفظ بقيمتها سنوات قبل أن تتقادم، بينما اليوم تتقادم في أشهر معدودة. الدورة التي تبدأها قد لا تعيش قيمتها حتى تنهيها، وإن أردت القفز إلى الوظائف الجديدة التي يَعدك بها الخطاب، وجدت نفسك أمام حاجز أكاديمي قد لا تستطيع تجاوزه، إذ تتطلب 77% من وظائف الذكاء الاصطناعي الجديدة شهادة ماجستير على الأقل.

خلقت الثورات الصناعية السابقة وظائف يمكن الانتقال إليها بمهارات القراءة والكتابة وبعض التدريب العملي، بينما تخلق هذه الموجة الحديثة وظائف بعتبة دخول أعلى كثيراً مما تستطيع برامج إعادة التأهيل أن تجهز له الموظف.

“تخلق هذه الموجة الحديثة وظائف بعتبة دخول أعلى كثيرا مما تستطيع برامج إعادة التأهيل أن تجهز له الموظف”

يظهر أثر ذلك بوضوح عند الموظفين حديثي العهد بالمهنة تحديدا، فتشير بيانات بنك غولدمان ساكس إلى أن معدل البطالة بين الفئة العمرية بين 20 و30 عاما في المهن المعرضة للذكاء الاصطناعي ارتفع بنحو 3% منذ مطلع عام 2025. ورصدت دراسة من جامعة ستانفورد انخفاضا بنسبة 16% في توظيف الخريجين الجدد في المهن الأكثر تعرضا للذكاء الاصطناعي، مقارنة بالمهن غير المعرضة لهذا الخطر، منذ ظهور شات جي بي تي.

الخريج الذي نصحه الجميع بدراسة البرمجة، ودفع الآلاف في دورات ومعسكرات تدريبية، يدخل السوق اليوم ليكتشف أن المستوى الأول من المهنة، المستوى الذي يفترض أن يبدأ منه، بدأ يختفي من تحته.

حين تجمع تلك الملاحظات الثلاث، يتضح أن الخطاب السائد يعاني ثلاث ثغرات متقاطعة؛ بيانات التهديد التي يُبنى عليها، على الأرجح، غامضة. ووعود الإنتاجية التي يبشر بها لم تتحقق، والنصيحة التي يقدمها، وهي إعادة التأهيل، محطمة من الداخل على مستوى السرعة والسوق والعبء معا. ومع ذلك يستمر هذا الخطاب بمفرداته ذاتها، ويُقدم لك في كل تقرير وكل منشور وكل ندوة، دون تغيير يُذكر، ليبقى السؤال: لماذا ولصالح من؟

السردية التي ترافق هذه التسريحات، وتقول إن الذكاء الاصطناعي يحلّ محل العامل، ليست على الأرجح السردية الدقيقة (شترستوك)
السردية التي ترافق التسريحات، وتقول إن الذكاء الاصطناعي يحل محل العامل، ليست على الأرجح السردية الدقيقة (شترستوك)

على هامش الخطاب

ثمة أمر لم نسمّه بعد، وهو على الأرجح الأهم في فهم لماذا يصلك الخطاب بهذه الصياغة بالذات. كل التقارير التي راجعناها حتى الآن، من ماكنزي إلى المنتدى الاقتصادي العالمي وديلويت ومايكروسوفت، تنطلق من سوق العمل الأمريكي، وتُكتب بالإنجليزية، وتستند إلى بيانات شركات تعمل في نيويورك ولندن وسان فرانسيسكو.

وحتى حين تُصدر هذه المؤسسات نسخاً إقليمية، كنسخة الشرق الأوسط من مسح بي دبليو سي، يظل الإطار المفاهيمي ذاته، والتوصيات ذاتها، والجمهور المُستهدف ذاته: مديرو الشركات في الاقتصادات الأكثر تصنيعا، وليس الموظف الذي يجلس أمام شاشته هذا الصباح في القاهرة أو الرياض أو عمّان أو الرباط.

لا يعني ذلك أن الأرقام التي تنتجها هذه التقارير مُختلقة، بل قد يعني ببساطة أن الأسئلة التي تطرحها ليست أسئلة تخصك، وأن الحلول التي تقترحها مصممة لسياق يختلف عن سياق مستقبلك.

“المشكلة هي أن المحلل المالي في عمّان، وكاتب المحتوى في القاهرة، والمترجم في بيروت، والمهندس المبتدئ في تونس، يواجهون هذا التحول العالمي بأدوات وموارد أقل بكثير”

والأرقام القليلة التي تصدر عن المنطقة نفسها تكشف وعيا ملحوظا بالتحول القادم، فكما ذكرنا أن مسح بي دبليو سي الشرق الأوسط، الذي شمل نحو 1300 موظف، يُشير إلى أن 49% من موظفي المنطقة يتوقعون أثراً كبيراً للتكنولوجيا على وظائفهم، وأن 75% منهم يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي فعلاً، بنسبة تفوق المتوسط العالمي، فالوعي حاضر، وربما يفوق ما نجده في أسواق أكثر نضجا تقنيا.

المشكلة هي أن المحلل المالي في عمّان، وكاتب المحتوى في القاهرة، والمترجم في بيروت، والمهندس المبتدئ في تونس، يواجهون هذا التحول العالمي بأدوات وموارد أقل بكثير، ويفعلون ذلك في غياب شبه تام للبحث المحلي. فمثلًا رصدت دراسة حديثة أن مصر، أكبر دولة عربية بأكثر من 104 ملايين نسمة ومتوسط عمر 24 عاما، “ما زالت غير مدروسة بصورة كافية” في مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على قوتها العاملة، وأن صانعي السياسات هناك “يفتقرون إلى الأدوات القائمة على البيانات لإدارة تحوّلات القوى العاملة”، فحتى لو أردت البحث عن إجابة محلية لسؤالك، قد لا تجد دراسة جادة تحاول تقديمها.

بعد هذا الحاجز الجغرافي، ثمة حاجز آخر أعمق، فحين يُقال لك إن المستقبل “شراكة بين الإنسان والآلة”، ثمة طرف لا يُذكر، وهم البشر الذين علموا الآلة في الأصل. إذ يقدّر معهد بروكينغز، نقلاً عن البنك الدولي، أن عدد عمال البيانات في الجنوب العالمي يتراوح بين 150 و430 مليوناً. هؤلاء، في الفلبين والهند وكينيا وفنزويلا، يصنفون الصور، ويوسمون النصوص، ويراجعون المحتوى السام، ليخرج الذكاء الاصطناعي في أيدينا “نظيفا” وقادراً على أداء ما يبدو أنه تفكير.

كشف تحقيق مجلة تايم، عام 2023، حول عمال شركة سما (Sama) الكينيين الذين شاركوا في تدريب شات جي بي تي، عن الصورة بتفاصيلها. العامل الذي كان يقرأ عشرات الفقرات يوميا عن الاعتداء الجنسي على الأطفال والانتحار والتعذيب، ليعلم النموذج تمييز هذا المحتوى وحجبه، كان يتقاضى بين 1.32 دولار ودولارين في الساعة، في حين تتقاضى الشركة الوسيطة 12.5 دولارا في الساعة من أوبن إيه آي. أحد هؤلاء العمال وصف ما يفعله بـ “التعذيب”، وانتهى المشروع قبل ثمانية أشهر من موعده لأن أثره النفسي تجاوز ما يحتمله البشر.

الصورة تكتمل على النحو التالي: الأدوات التي يُقال لك إنها ستحل محلك بُنيت على عمل بشر آخرين، في أسواق أكثر هشاشة من سوقك، وبأجور أدنى، وفي ظروف نفسية قاسية. وحين تصبح هذه الأدوات قادرة على أداء مهامها وحدها، يصير أول المُزاحين هم الذين بنَوها، ثم عامل المعرفة في الشركات المتوسطة، ثم أنت. الخطاب الذي يخاطبك اليوم بلغة “الشراكة” تجاهل قبلك، ولسنوات، ملايين الأشخاص الذين لا يظهرون في أي تقرير من تقارير مستقبل العمل.

“الأدوات التي يُقال لك إنها ستحل محلك بُنيت على عمل بشر آخرين، في أسواق أكثر هشاشة من سوقك، وبأجور أدنى، وفي ظروف نفسية قاسية”

حتى الوصفة التي يقدمها هذا الخطاب لك، والمتكررة في كل تقرير، لم تُصمم لسياقك، لأن نصيحة “أعِد تأهيل نفسك” تفترض وجود بنية تحتية تعليمية مرنة، وقطاعاً خاصاً يمول برامج التدريب، وسوق عمل قادرا على استيعاب المتدربين. افتراضات قد تصح جزئيا في كاليفورنيا أو لندن، لكنها أبعد ما تكون عن الواقع في معظم الأسواق العربية، حيث الفجوة المزمنة في المهارات الرقمية قائمة قبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي المعادلة أصلاً.

حين يُقال لك “تكيف”، فإن من يقولها لا يعرف، على الأرجح، أين تقف، ولا ما المتاح لك، ولا ما ينقصك، والخريطة التي يقدمها مرسومة لتضاريس غير تضاريسك. يبقى السؤال الأعمق: إن كانت الأدوات تتغير بهذه السرعة، والتوصيات مصممة لغيرك، والمصادر الموثوقة نادرة، فما الذي يبقى في يدك حقا؟

يجب أن يكون لك رأي خاص (شترستوك)
يجب أن يكون لك رأي خاص في مخرجات الذكاء الاصطناعي (شترستوك)

الأصل الذي لا يتقادم

ما وصلنا إليه حتى الآن يمكن أن يُلخص في جملة واحدة: كل شيء في هذا المشهد قابل للتقادم، الأدوات قابلة للتقادم، وقوائم المهارات، وبرامج التأهيل، والتقارير، والنصائح، وحتى بيانات التهديد ذاتها. إن سلّمنا بهذا، فإن السؤال ينتقل من “ماذا أتعلم؟” إلى سؤال أهم: ما الذي يستحق أن تبنيه في نفسك، إن كان كل ما عداه عرضة للذوبان؟

الجواب، على الأرجح، ليس مهارة تقنية بعينها، ولا أداة بذاتها، الجواب هو قدرة عقلية، يمكن وصفها بثلاث طبقات متداخلة، لا يستطيع أحد بيعها لك في دورة، ولا تلخيصها في شهادة، ولا تحويلها إلى مؤشر أداء.

الطبقة الأولى أن تفهم ما يحدث، لا أن تستخدمه؛ ثمة فارق واضح بين من يعرف كيف يكتب “برومبت” لأداة توليد النصوص، ومن يفهم أن النموذج الذي يعمل في خلفيتها يعتمد على الاحتمالات وليس المعنى، وأنه دُرب على بيانات محدودة لها تحيزاتها، وأن ما يُخرجه ليس “إجابات” بل تنبؤات نصية قابلة للخطأ. الشخص الأول يعمل مع الأداة، بينما الثاني يعمل من موقع أعلى منها. الأول يفقد قيمته حين تتغير الأداة، والثاني يلتقط الأداة الجديدة كما يلتقط الحرفيّ أداته الجديدة، يفهمها في دقائق لأنه يفهم ما تفعله في الأصل.

“ثمة فارق واضح بين من يعرف كيف يكتب أمرا لأداة توليد النصوص، ومن يفهم النموذج الذي يعمل في خلفيتها”

الطبقة الثانية أن تكوّن رأياً خاصا بك؛ الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم قادر على إخراج نص يبدو محكما، وتقرير يبدو متماسكا، وتحليل يبدو منطقيا. المفتاح في كلمة “يبدو”، فكثير مما يخرج من هذه الأدوات يحمل سمات الجودة الشكلية دون جوهرها. النص مرتب لكنه قد لا يقول شيئا، والتحليل مسلسل لكنه قد يُبنى على مقدمة خاطئة، والتقرير منظم لكنه قد يخلط المصدر الجيد بالسيئ. من يملك معيارا للجودة يُميز النص الذي يقول شيئا مفيدا من النص الذي يتشبه بمن يقول شيئا، ومن لا يملك ذلك يصير تدريجيا موظفا عند أداة لا يقدر على تقييم مخرجاتها.

الطبقة الثالثة، وربما الأصعب، أن تتخذ قرارا في هذا الغموض؛ المستقبل لن ينجلي فجأة في لحظة تعرف فيها بدقة أي المهن ستبقى وأيها ستختفي. الغموض هو الوضع الطبيعي الجديد، وليس مرحلة انتقالية تليها لحظة يقين. من ينتظر اليقين يخسر الوقت الذي كان يمكن أن يبني فيه شيئا، فيما يتقدم غيره رغم الضباب، فيختار تخصصاً، ويستثمر في مشروع، ويُعدل مساره حين يكتشف أنه أخطأ. الفرق بين الاثنين ليس أن الثاني يعرف أكثر، بل أنه تصالح مع ألا يعرف كل شيء قبل أن يتحرك.

قد يطرح قائل سؤالا منطقيا: لماذا لا تقترح تقارير الاستشارات هذه النصيحة إن كانت بتلك البساطة؟ والجواب مرتبط بطبيعة هذه التقارير، لأن “تعلم أن تفهم، وأن تكوّن رأيا، وأن تقرر في الغموض” لا يُباع في دورة، ولا يُقاس في شهادة، ولا يُحوّل إلى منتج تشتريه مؤسسة لموظفيها. وما لا يُباع ولا يُقاس، لا يظهر في خطاب يعتاش أصحابه على بيع المنتجات والمؤشرات.

قد يجادل قائل آخر إن هذا كلام نخبوي، لأن من يملك الوقت ليقرأ ويُراجع ويبني وجهة نظر قلة. الملاحظة وجيهة، وتحيلنا إلى عقدة حقيقية: الخطاب السائد يُلقي على كتف الفرد عبء تحول اقتصادي لا يملك أدوات مواجهته وحده. غير أن الفرق أن ما وصفناه هنا يُبنى تدريجياً، في أوقات قصيرة، دون منصة مدفوعة ودون شهادة. يُبنى بالقراءة، وبمراجعة ما تُخرجه الأداة بدل قبوله كما هو، وبالاستماع إلى من يفهم المجال أكثر منك، وبتجربة مشروع صغير لترى كيف ينقلب الكلام النظري في يدك. الأدوات تحتاج اشتراكات، ما نتحدث عنه هنا يحتاج انتباهاً، وصبراً، وقليلاً من الشجاعة لتعيد النظر في عملك بدل قبوله كما هو.

“الخطاب السائد يُلقي على كتف الفرد عبء تحول اقتصادي لا يملك أدوات مواجهته وحده”

هذا الكلام لا يقدم لك وعداً بالنجاة من التحولات الاقتصادية التي بدأت فعلاً، لا يستطيع أحد أن يعدك بذلك حقاً، لكنه يجعلك أقل عرضة للإزاحة، وأقدر على التفاوض، وأدرى بالفرق بين النصيحة التي تستحق وقتك والنصيحة التي لا تستحقّه. ليست خريطة، فالخريطة لا يملكها أحد في هذه اللحظة، ومن يبيعها لك على الأرجح يبيعك وهماً. لكن يمكنك اعتبارها بوصلة، والفرق بين من يملك بوصلة ومن لا يملك شيئاً، في أرض لا يعرف أحد ملامحها، أكبر مما يبدو.

الخطاب السائد يُلقي على كتف الفرد عبء تحول اقتصادي لا يملك أدوات مواجهته وحده (الجزيرة – مولدة بالذكاء الاصطناعي)

صباح آخر

لنعد إلى صباح يومك الذي بدأنا به، تجلس أمام شاشتك، ورسالة الاعتذار من المنصة لا تزال معلقة في أعلى الصفحة، وتُخيّرك بين دورة انتقالية مدفوعة والبقاء حيث أنت. لا شيء تغير في المشهد نفسه، غير أن ما تلاحظه في هذا المشهد ربما تغير قليلاً.

أصبحت تعرف الآن أن الرسالة التي تصلك مصممة لجمهور آخر، وأن الأرقام التي تخيفك قد تكون أقل دلالة مما بدت، وأن “إعادة التأهيل” التي قيل لك إنها الحل هي جزء من المشكلة أكثر مما هي جزء من الحل. تعرف أن السباق على الأدوات سباق لا يُربح بالتعرق، لأن خط النهاية يتحرك كل بضعة أشهر. وتعرف أن ما يبقى في يدك، حين يتبدل كل شيء آخر، ليس في قائمة منصتك التعليمية أصلاً.

“السباق على الأدوات سباق لا يُربح بالتعرق، لأن خط النهاية يتحرك كل بضعة أشهر”

هذه المعرفة لا تحل مشكلتك؛ الدورة لن تعود، والشهادة لن تُكمل، والسوق لن ينتظرك. لكنها تُغير سؤالك، بدلاً من أن تسأل “أي دورة أختار الآن؟”، يمكنك أن تسأل “كم من وقتي في العام الماضي ذهب إلى أدوات، وكم ذهب إلى محاولة فهم حقيقي؟”. بدلاً من أن تسأل “ما الأداة التي ستحافظ على مستقبلي المهني؟”، يمكنك أن تسأل “ماذا أعرف عن مجال عملي لا تعرفه تلك الأداة؟”. وبدلاً من أن تنتظر اليقين قبل أن تتحرك، يمكنك أن تتحرك وأنت تعلم أن اليقين لن يأتي.

التقارير الكبرى ستستمر في إصدار خرائطها، وسيواصل المؤثرون بيع دوراتهم، وسيستكمل الخطاب وعدك بشراكة لا تحدث. هذا ليس شيئا يمكنك تغييره بمفردك، لكن ما يمكنك تغييره هنا، في صباحك هذا، أن تتوقف عن معاملة كل ذلك بوصفه حقيقة، وأن تبدأ بمعاملته بوصفه خطاباً. الخطاب يحتمل النقد، لكن الحقيقة لا تحتمله.

وربما هذا هو كل ما يمكن قوله بصدق في زمن يتسارع أكثر مما نتحمل. لا توجد خريطة في يدك، لكنك لست كما كنت تظن، تركض في مكانك. على الأقل، أصبحت تدرك الآن إلى أين تنظر قبل أن تتحرك.

 

المصدر: الجزيرة