شنغن بلا إسبانيا؟.. هل تدفع حكومة سانشيز ضريبة مواقفها؟

هل يمكن أن تتسبب “إشاعة مضللة” في استبعاد إسبانيا من قوانين السفر وحرية التنقل المنظمة لمنطقة شنغن؟ قد يبدو الأمر ممكنا من الناحية النظرية بعد تدفق مفاجئ لنحو 60 ألف مهاجر من المغرب خلال ساعات إلى مدينة سبتة الخاضعة للحكم الإسباني، مما أيقظ على الفور أصواتا يمينية داخل التكتل الأوروبي للمطالبة بإبعاد إسبانيا خارج شنغن.

تقول الرواية الإسبانية على لسان رئيس الوزراء بيدرو سانشيز حتى الآن إن تدفق المهاجرين إلى جيب سبتة مرتبط بتفسير مضلل روجت له “مافيات” الاتجار بالبشر، لحكم قضائي صدر مؤخرا عن المحكمة العليا، بشأن عدم إمكان إعادة المهاجرين الذين وصلوا بحرا إلى الحدود.

لكن التفسيرات الإسبانية لا تقف عند هذا العامل الدافع فحسب، فقد بدأ الحديث عن دور إسرائيلي محتمل فيما يجري يخرج إلى العلن بعد تبادل مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة داني دانون، ووزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي، انتقادات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على ضوء الفوضى السائدة في سبتة.

Spain's Prime minister Pedro Sanchez (C) and Minister of Interior Fernando Grande Marlaska (R) walk by the Tarajal border fence between Spain's north Africa's Ceuta enclave and Morocco during a visit to manage one the largest migrant crisis on the country's border as thousands of migrants crossed overnight from Morocco on July 31, 2026.
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز (يسار) يسير بجوار السياج الحدودي في تاراخال بمدينة سبتة (الفرنسية)

جاء في منشور دانون على منصة إكس: “إسبانيا، التي لا تفوّت فرصة لتقديم الدروس إلى إسرائيل، أعلنت حالة الطوارئ في سبتة عقب الأزمة المتعلقة بسياستها للهجرة. ربما قبل أن تستمر في توجيه اللوم إلينا، حان الوقت لتشرح للعالم سبب استمرارها في الاحتفاظ بجيوب استعمارية في أفريقيا”.

قبل أن يرد الوزير الإسباني بأن “كل شيء أصبح أكثر وضوحا”، في إشارة فُهم منها أن إسرائيل تقف وراء ما يجري حسب التفسير الإسباني.

حدث غير مسبوق

وفي كل الحالات، تثير موجة العبور الجماعي إلى سبتة (شمال المغرب على ساحل البحر المتوسط) ‌انقساما في أوروبا، إذ أعلنت إيطاليا تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا.

إعلان

وتمثل سبتة وكذلك مليلية (شمال المغرب) الحدود البرية الوحيدة للاتحاد الأوروبي مع أفريقيا. ويبلغ عدد سكان المدينتين نحو 85 ألف نسمة.

وتشهد المدينتان بشكل دوري موجات من محاولات عبور مهاجرين يسعون للوصول إلى أوروبا، لكن عبور نحو 60 ألف شخص خلال يومين يبدو حدثا غير مسبوق. وقد وصفت إسبانيا ذلك بأنه أكبر أزمة منذ عام 2021 على الأقل.

والهجرة بشكل عام تعد قضية حساسة في أنحاء أوروبا، التي شهدت صعودا للأحزاب اليمينية على مدار العقد الماضي منذ أزمة عام 2015، عندما عبر أكثر من مليون شخص القارة معظمهم سيرا على الأقدام طلبا للجوء. وكان كثير منهم يفرون من الحرب في سوريا.

انقسام أوروبي

وأيقظت التدفقات الحالية مخاوف لدى دول أوروبية من قدوم موجات مماثلة إلى أراضيها، مثل إيطاليا، الوجهة الرئيسية للمهاجرين وسط البحر الأبيض المتوسط، وفرنسا وبريطانيا اللتين تحاولان ضبط التدفقات في بحر المانش، ودول أخرى في الشمال الأوروبي.

FILE PHOTO: FILE PHOTO: Italian Prime Minister Giorgia Meloni looks on as she waits for the arrival of President of Cyprus Nikos Christodoulides, at Chigi Palace, in Rome, Italy, February 26, 2026. REUTERS/Remo Casilli/File Photo/File Photo
رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجيا ميلوني (رويترز)

وترشح ردود الفعل الأوربية حتى الآن بنبرة لا تخلو من القلق والضغط على الحكومة الاشتراكية في مدريد. ومن بينها حتى الآن:

  • رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين دعت إلى عمليات ترحيل سريعة للوافدين، معربة عن اعتراضها على عمليات قدوم مخالفة لقواعد الاتحاد الأوروبي.
  • رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام قال إن التدفقات على سبتة “مثيرة للقلق”، وإن حكومته في تواصل مع مدريد للدعم وفهم ما يحدث.
  • المستشار الألماني فريدريش ميرتس طالب إسبانيا بالسيطرة على الوضع في سبتة بأسرع وقت ممكن، وعدم السماح للوافدين بدخول البر الأوروبي.

لكن أبرز التصريحات المنتقدة جاءت من رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية جورجيا ميلوني التي أعلنت استعداد بلادها “للتدخل وفرض إجراءات استثنائية لحماية الحدود وسلامة المواطنين، بما في ذلك تعليق العمل باتفاقية شنغن مع إسبانيا”، قبل أن يعلن وزير خارجيتها، مساء اليوم الجمعة، اتخاذ هذه الخطوة بالفعل.

وانضمت لاحقا فنلندا والدانمارك لدعم مقترح ميلوني، بدعوى فشل الحكومة الإسبانية في حماية الحدود الخارجية لمنطقة شنغن، مما يفتح الباب لتهديد أمن أوروبا كافة.

ولا تتشارك إيطاليا أي حدود برية مع إسبانيا، لكن هذه الخطوة ستؤثر على المسافرين جوا وبحرا بين البلدين، إذ سيتعين عليهم إبراز جوازات السفر للسماح لهم بالدخول.

وفي الواقع فإن ردود الفعل الأوروبية تنطوي على مآخذ سابقة تجاه السياسة الإسبانية في تنظيم الهجرة غير النظامية على أراضيها، بالعودة الى المرسوم الذي أقر تسوية وضعية نحو نصف مليون مهاجر في خطوة لدعم الاقتصاد وسد النقص في اليد العاملة ودمج مئات الآلاف في المجتمع الإسباني، وهي مقاربة تتعارض مع السياسات المتحفظة لأغلب الحكومات الأوروبية الخاضعة لضغوط  أقصى اليمين، من بينها ما ذكره وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني عندما وصف الخطة الإسبانية بـ”الاتجار بالبشر”.

لكن هل يعني تجدد الانتقادات الأوروبية اليوم إمكانية الذهاب جديا إلى خيار الاستبعاد النهائي لإسبانيا من فضاء شنغن، وإلى أي مدى يمكن أن يستقيم هذا الخيار قانونيا؟

بين الانسحاب والإبعاد

جرى توقيع اتفاقية شنغن عام 1985 ودخلت حيز التنفيذ عام 1995، وهي تلغي الرقابة على الحدود بين دولها لتوفر حرية حركة واسعة داخل المنطقة. وتشمل الاتفاقية اليوم 29 دولة، أي جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي (باستثناء قبرص وأيرلندا) بالإضافة إلى آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا.

إعلان

بالنسبة لتعليق عضوية دولة أو استبعادها وإخراجها من منطقة شنغن، ليست هناك آلية لمثل هذا الإجراء في قانون حدود شنغن، يقضي باستبعاد دولة من الاتفاقية دون إرادتها.

وقد أوضحت الخبيرة ماري لور بازيليان غينش، أستاذة القانون في جامعة ليون 3، بوضوح هذه المسألة، حيث “لا يتضمن نظام شنغن مثل هذا البند، ويعني ذلك أنه لا يمكن لدولة أن تستبعد دولة أخرى من جانب واحد”.

لكن يمكن لأي عضو الانسحاب من الاتفاقية. وبالتالي فإن طلب إيطاليا باستبعاد إسبانيا من منطقة شنغن أو تعليق عضويتها، لا يمكن تنفيذه. وفي المقابل، يمكن لإيطاليا أن تفرض الرقابة والتفتيش على حدودها بحجة منع عبور المهاجرين غير النظاميين.

A newly installed sign pointing to Schengen transfer flights is pictured next to EU and Romanian flags, after Romania's official entry into the European area of free circulation at Otopeni's "Henri Coanda" international airport on March 31, 2024. - Bulgaria and Romania joined Europe's vast Schengen area of free movement on March 31, opening up travel by air and sea without border checks after a 13-year wait. A veto by Austria however means the new status will not apply to land routes, after Vienna expressed concerns over a potential influx of asylum seekers. Despite the partial membership, the lifting of controls at the two countries' air and sea borders is of significant symbolic value. (Photo by Daniel MIHAILESCU / AFP)
اتفاقية شنغن لحرية التنقل تضم 29 دولة (الفرنسية)

وبحسب المادة 25 من قانون حدود شنغن، يمكن لأي دولة عضو فرض ضوابط حدودية استثنائية ومؤقتة إذا وُجد “تهديد خطير للأمن الداخلي أو النظام العام”، ومن الأمثلة المذكورة الإرهاب والجريمة المنظمة، أو حالات الطوارئ الصحية العامة مثل جائحة كوفيد-19.

وبناءً على ذلك، طلب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من وزير الداخلية “تشديد الرقابة على الحدود مع إسبانيا”، وفقا لما أفاد به المقربون منه. كما فعّلت ألمانيا هذه المادة مؤقتا لمنع عبور مهاجرين غير نظاميين لحدودها من الدول المجاورة، خاصة بولندا.

ماذا لو تم الاستبعاد؟

لكن بغض النظر عن الاحتمالات الممكنة وغير الممكنة قانونيا في استبعاد إسبانيا عن منطقة شنغن، فإن النتائج المتوقعة لن يقتصر تأثيرها على الجانب الإسباني فحسب، إذ إن كلفتها يمكن أن تطال باقي المسافرين في المنطقة.

ويمكن حصر بعض النتائج العملية اعتمادا على ملاحظات الخبراء، في النقاط التالية:

  • مزيد من تعقيدات السفر إلى إسبانيا الوجهة السياحية الثانية في العالم، باتباع إجراءات منفصلة قد تفرض معها التأشيرة
  • الزيادة في زمن وكلفة السفر وتعطل التجارة وسلاسل الإمداد.
  • تعطل عبور الآلاف من العمال على الحدود الفرنسية والإسبانية بسبب الإجراءات الحدودية.

وبالإضافة إلى ذلك يرى خبراء داخل الدوائر الأوروبية أن قرارا بمثل هذا الحجم تجاه دولة مهمة مثل إسبانيا قد يوجه ضربة إلى التكامل الأوروبي، كما من شأنه أن يخلق أزمة ثقة بين مدريد ومؤسسات الاتحاد الأوروبي وباقي الدول الأعضاء.

 

المصدر: الجزيرة