صفحة مفقودة من رسالة الغفران

زعموا أن أحد الباحثين وقف على نسخة مخطوطة غميسةٍ من نسخ رسالة الغفران لم تطَّلع عليها بنت الشاطئ (أ. د. عائشة عبدالرحمن) رحمها الله حين حققت الكتاب ونشرته عام 1955 ولا من نشر الكتاب بعدها!

فجعل يقلِّبها ويفحصها، ويبدي ويعيد في اكتشاف فروقها، بعد معارضتها بما لديه من نسخها، إلى أن بلغ لقاء المعري بالشاعر الجاهلي عبيد بن الأبرص، وهو لقاء سريع جاء فيه:

«ثم ينصرف أي أبو العلاء – إلى عبيدٍ فإذا هو قد أُعطي بقاء التأبيد، فيقول: السلام عليك يا أخا بني أسدٍ. فيقول: وعليك السلام، وأهل الجنّة أذكياء، لا يخالطهم الأغبياء، لعلَّك تريد أن تسألني بمَ غُفِر لي؟ فيقول: أجل، وإنّ في ذلك لعجبًا! أأَلْفيتَ حكمًا للمغفرة موجبًا، ولم يكن عن الرَّحمة محجَّبًا؟

فيقول عبيدٌ: أخبرك أنّي دخلت الهاوية، وكنت قلت في أيّام الحياة:

مَنْ يسأل الناسَ يحرمُوهُ وسائلُ اللهِ لا يخيبُ

وسار هذا البيت في آفاق البلاد، فلم يزل يُنشَد ويخفف عني العذاب حتى أطلقت من القيود والأصفاد، ثم كرّر إلى أن شملتني الرحمة ببركة ذلك البيت، وإن ربّنا لغفور رحيم».

فلما بلغ الباحث هذا الموضع رأى عنده إشارة استدراك، وهي إشارة توضع في المخطوطات لتؤذن بكلام ساقط من بعض النسخ فتقيّده على الهامش ليُستدرَك، فتتبّع الحاشية ليقرأ ما فيها، ويا لَهول ما لقي فيها، وهذا نصها:

ثم استدار – أي أبو العلاء – نحو بابٍ آخر من أبواب الجنة الثمانية، فإذا به يبصر عند الباب رجلًا هَرِمًا طوَّحت به السنون، فأحالته إلى ما يُشبه العَرْجون، وهو يضع فوق رأسه قُلنسوة غريبة، ألوانها مُريبة.

فقال له من أنت؟

قال: أنا آخر الشعراء، وأفصح الأدباء والأبْـيِـنَـاء، محمد مهدي الجواهري.

قال: عجبًا عجبًا! بمَ غُفِرَ لك؟ وما الذي عن النار أبعدَك، ومن الجنة قرَّبك؟ وأنت الماجِن العاجِن، والعربيد المداهِن، بل أنت من الشعراء الذين قال المولى سبحانه فيهم:

﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾.



قال: جَيرِ جَيرِ، ولكنَّ الله جلَّت حكمته غَفَر لي، ببيتين قلتهما قبل أن تُنتَزع مني الروح، ويسكن الجسد.

فقال المعري: وماذا قلت، رحمك الله.

قال: قلت:

جَحيمًا أيها الأسدُ خسِئتَ ويخْسَأُ الولدُ

وتحيا أمةٌ شهدَتْ بأنَّكَ شرُّ مَنْ تلِدُ

ثم ثنيت بالقول:

سلامًا أيها البلدُ وذلًّا أيها الأسدُ

يزول الظلم عنكَ غدًا ويبقى الواحدُ الأحدُ

فيقول الشيخ: أحسنتَ والله أحسنت، لو كنت الماءَ الراكدَ لما أسِنْت. أين هذا من ضلالِك القديم، ونفاقِك السقيم، في مدح أطغى الطاغين، وأظلم البغاة المجرمين، إذ قلتَ وبئس القولُ قولُ المنافقين:

سلامًا أيها الأسدُ سلِمْتَ ويسلمُ الولدُ

وتحيا أمةٌ شهدَتْ بأنَّكَ خيرُ مَنْ تلِدُ

الكويت 30 جمادى الآخرة 1446هـ

31 / 12 / 2024م أ. د. محمد حسان الطيان

 

المصدر: الجريدة