أثار مصور بريطاني جدلا واسعا على منصة “إكس” بعد نشره صورة لسيدة منتقبة داخل وسيلة نقل عامة في لندن، في منشور حصد أكثر من 2.5 مليون مشاهدة.
وأشعل موجة انتقادات حادة واتهامات بالإسلاموفوبيا والتحرش الرقمي، مقابل دفاع محدود اعتبر الصورة جزءا من “النقاش العام” حول الهوية البريطانية.
اقرأ أيضا
list of 2 items
end of list
ففي خضم حالة من الاستقطاب السياسي الحاد، وتحت وطأة هتافات اليمين المتطرف في مسيرات ما يعرف بـ “توحيد المملكة” في شوارع لندن، لم تعد الكاميرا مجرد أداة للتوثيق، بل تحولت في أيدي البعض إلى سلاح للترهيب والتحرش الرقمي.

وبدأت القصة عندما نشر المصور البريطاني أليستر هيلتون صورة لسيدة ترتدي النقاب داخل حافلة عامة، وأرفقها بتعليق قال فيه إنه في طريقه إلى “مسيرة توحيد المملكة”، مضيفا أنه “جهز الكاميرات ومستعد ليوم رائع”.
ورغم أن المنشور لم يتضمن إساءة لفظية مباشرة، فإن صياغته وربط الصورة بالمسيرة السياسية أثارا غضبا واسعا، إذ اعتبر كثيرون أن نشر صورة امرأة محجبة أو منقبة دون إذنها يمثل استهدافا متعمدا وإذلالا علنيا.
وكانت من أبرز الردود تغريدة الصحفية والكاتبة خديجة خان، التي هاجمت المصور بشدة، وقالت إنه لا توجد أي ضرورة لالتقاط هذه الصورة، وليس من حقك الإساءة إلى النساء اللواتي يرتدينه بهذه الطريقة المقززة، واعتبرت أن الصورة تكشف الكثير عن صاحبها أكثر مما تكشف عن المرأة نفسها.
أما الناشطة إيما غالاغر فربطت الواقعة بخطاب اليمين البريطاني حول حماية النساء والأطفال، وكتبت ساخرة: تقولون إنكم تريدون حماية النساء والأطفال، لكنكم ترون أنه من المقبول تصوير نساء عشوائيات في المواصلات العامة؟ أنت شخص مخيف.
وفي السياق ذاته، وصفت الدكتورة رحمة العدوان ما حدث بأنه سلوك مشين، مؤكدة أن تصوير امرأة ونشر صورتها على الإنترنت بسبب طريقة لباسها أمر يجب أن يرفضه أي مجتمع يريد الحفاظ على الحد الأدنى من الأخلاق والمعايير الإنسانية.
وتواصلت موجة الانتقادات مع الناشطة شيرين، التي قالت إن السيدة كانت جالسة بهدوء دون أن تزعج أحدا، قبل أن يلتقط لها أشخاص مخيفون صورا وينشروها على الإنترنت، معتبرة أن أي امرأة لن تكون آمنة وسط هذا النوع من الأشخاص.
بينما ذهبت ناشطة أخرى تحمل اسم (Hashashin) إلى أبعد من ذلك، إذ قالت إن الواقعة دفعتها للتفكير أكثر في ارتداء النقاب، مضيفة “ماذا يعني أن تلتقط صورا عشوائية لنساء منشغلات بحياتهن ثم تنشرها على الإنترنت؟”.
ورغم الغضب الواسع، ظهرت بعض الأصوات التي حاولت الفصل بين رفض النقاب والدفاع عن الخصوصية الشخصية، ومن أبرزها الناشط ألبي أمانكونا، الذي قال إنه دعا مرارا إلى حظر البرقع والنقاب باعتبارهما غير بريطانيين، لكنه تساءل في الوقت نفسه: ماذا لو نشر ناشط مؤيد لفلسطين صورة لشخص يهودي واضح الهوية وقال إنه ذاهب إلى مسيرة مؤيدة لفلسطين؟ كيف سيكون رد الفعل؟
واعتبر كثيرون أن هذه المقارنة سلطت الضوء على ما وصفوه بازدواجية المعايير في التعامل مع المسلمين داخل الفضاء الرقمي البريطاني.
أما الباحثة البريطانية الحاصلة على وسام الإمبراطورية البريطانية أكيلة أحمد، فاختصرت موقفها بكلمات مباشرة قالت فيها: توقفوا لا تكونوا بهذا الصغر، أن تكون بريطانيا يعني أن تكون مهذباً وتحافظ على هدوئك. هذا تحرش.
وأعاد الجدل إلى الواجهة النقاش الدائر في بريطانيا وأوروبا حول حدود حرية التصوير في الأماكن العامة، والتداخل بين حرية التعبير وخطابات الكراهية، خاصة حين يتعلق الأمر بالمسلمين والرموز الدينية.
كما سلط التفاعل الواسع الضوء على تصاعد الجدل الرقمي المرتبط بالإسلاموفوبيا في أوروبا، في وقت تشهد فيه منصات التواصل توترات متزايدة بشأن قضايا الهوية والهجرة والاندماج، خصوصاً مع تنامي نشاط الجماعات اليمينية والشعبوية.
ويرى منتقدو المنشور أن القضية لا تتعلق فقط بصورة التقطت في مكان عام، بل بالسياق الذي وضعت فيه، والطريقة التي استخدمت بها المرأة المنقبة كرمز سياسي وثقافي لإثارة التفاعل والاستقطاب.

في المقابل، دافع بعض المستخدمين عن حق المصور في التقاط الصور بالأماكن العامة، معتبرين أن ما فعله يندرج ضمن حرية التصوير والتوثيق، إلا أن هذا الرأي بقي محدوداً مقارنة بحجم الانتقادات الواسعة التي طالت المنشور.
ومع استمرار تداول الصورة والتعليقات المرتبطة بها، تحولت الواقعة إلى نموذج جديد للصدام المتكرر على منصات التواصل بين حرية التعبير وحدود الخصوصية، وبين الخطاب السياسي والاتهامات بالتحريض ضد الأقليات الدينية في بريطانيا.
المصدر: الجزيرة