مع اقتراب انتهاء تفويض قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) يدخل ملف وجودها مرحلة حاسمة تعكس تداخل البعد الأمني مع اعتبارات عدة، إذ يأتي ذلك في ظل ضغوط أمريكية وإسرائيلية تدفع نحو إنهاء المهمة أو تعديلها بشكل جذري مقابل تمسك لبناني واضح باستمرار الوجود الدولي.
ومع ترقب تقديم الأمين العام للأمم المتحدة تقريرا إلى مجلس الأمن بحلول الأول من يونيو/حزيران، تزداد حساسية هذا الملف في وقت تستمر فيه الخروقات الإسرائيلية لوقف إطلاق النار في لبنان ويردّ حزب الله بهجمات على الاحتلال في ظل بقاء قوات إسرائيلية في مناطق حدودية ووجود مسار تفاوضي غير مكتمل.
وقد تأسست اليونيفيل عام 1978 وتوسعت مهامها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701 الذي كلفها مراقبة وقف إطلاق النار ودعم انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
وعلى امتداد عقود شكلت القوة الدولية آلية أساسية للحد من التصعيد عبر دوريات ميدانية وآلية اتصال ثلاثية مع الطرفين، غير أن وجودها لم يمنع اندلاع جولات متكررة من الحرب والصراع مما يعكس حدود فعاليتها في بيئة أمنية معقدة.

مظلة دولية
يسعى لبنان إلى إيجاد قوة دولية تحلّ مكان قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المنتشرة منذ عقود في جنوبه التي ينتهي تفويضها هذا العام، على وقع ضغوط أمريكية وإسرائيلية، في ظل الهجمات الإسرائيلية على لبنان والمواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
وقال مسؤول لبناني -لوكالة الصحافة الفرنسية- إن لبنان يفضّل، بعد انتهاء تفويض اليونيفيل في 31 ديسمبر/كانون الأول، الإبقاء على “وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة”.
ويتمحور الموقف اللبناني حول الحفاظ على وجود دولي تحت مظلة الأمم المتحدة باعتباره ركيزة أساسية للاستقرار، إذ ترى بيروت أن استمرار قوة شبيهة باليونيفيل حتى مع تقليص عددها أو تعديل مهامها يظل ضروريا لضمان تنفيذ القرار 1701 ومراقبة الالتزامات الميدانية.
كما يعتبر المسؤولون اللبنانيون أن غياب مثل هذه القوة يضعف إمكانية التحقق من أي تفاهمات مستقبلية ويقوض آليات ضبط التوتر على طول الخط الأزرق.
ويستند هذا الموقف أيضا إلى دور اليونيفيل في دعم الجيش اللبناني الذي يسعى إلى توسيع انتشاره في الجنوب. وقد حث مجلس الأمن في قراراته على تعزيز قدرات الجيش اللبناني لضمان توليه مسؤولية الأمن بشكل تدريجي وهو ما ينسجم مع الرؤية اللبنانية لمرحلة ما بعد القوة الدولية.

خيارات أممية
وضمن الإطار الأممي تدور النقاشات حول عدة سيناريوهات رئيسية، أولها الإبقاء على اليونيفيل بصيغة معدلة عبر خفض عدد القوات أو إعادة تعريف مهامها بما يتلاءم مع التطورات الميدانية.
ويتمثل الخيار الثاني في توسيع دور هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة لتضطلع بمهام أكبر في جنوب لبنان رغم محدودية انتشارها الحالي.
غير أن مثل هذه الخيارات تواجه تحديات سياسية داخل مجلس الأمن حيث تميل الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنهاء المهمة أو تقليصها بشكل كبير بينما تدعم دول أخرى استمرار وجود أممي.
كما يمثل التمويل عاملا ضاغطا بعد تقليص مخصصات عمليات حفظ السلام وهو ما انعكس بالفعل على اليونيفيل خلال الفترة الأخيرة.
ما البدائل؟
وفي حال تعذر التوافق على صيغة أممية جديدة تبرز خيارات بديلة خارج مظلة الأمم المتحدة، تشمل هذه الخيارات إنشاء قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية أو اعتماد ترتيبات عسكرية ثنائية بين لبنان ودول مشاركة حاليا في اليونيفيل مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا إضافة إلى دور محتمل لألمانيا.
ورغم أن هذه الدول أبدت استعدادا للاستمرار في نشر قوات داخل لبنان فإن هذا المسار يثير تحديات تتعلق بتعدد مراكز القرار وصعوبة التنسيق بين الأطراف المختلفة.
وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف فعالية المهمة مقارنة بالإطار الأممي الموحد الذي ربما كان يوفر مرجعية سياسية وعسكرية واضحة.
وفي فبراير/شباط الماضي طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من ألمانيا، التي تقود القوة البحرية التابعة لليونيفيل، أن تؤدي “دورا أساسيا” بعد مغادرة القوة الأممية.

سيناريو الفراغ
ويبقى السيناريو الأكثر خطورة هو انسحاب اليونيفيل دون إيجاد بديل منظم، وهذا الاحتمال ينذر بفراغ أمني قد يؤدي إلى تصاعد التوترات وارتفاع احتمالات تصاعد المواجهة المباشرة بين لبنان وإسرائيل.
كما سيؤدي غياب جهة دولية “محايدة” إلى صعوبة التحقق من الخروقات وتنامي ما يعرف بصراع الروايات حيث يسعى كل طرف إلى فرض تفسيره للأحداث.
ويؤكد هذا البعد أهمية الدور الرقابي الذي تؤديه اليونيفيل حاليا من خلال تقاريرها الميدانية التي يراها البعض تشكلمرجعا دوليا، وهي وظيفة لا تتوافر لأي جهة أخرى هناك في الوقت الراهن، على الرغم من الخروقات الإسرائيلية المتكررة التي أصابت اعتداءاتها القوة الأممية نفسها.
وتتزايد المخاوف أكثر من احتمال خروج قوة اليونيفيل من دون بديل، في وقت تحتل فيه إسرائيل مناطق حدودية بجنوب لبنان وتخلي القرى وتتوغل باستمرار في تقصف المناطق، في حين يُجري البلدان مفاوضات مباشرة.

تحديات ميدانية
وعلى المستوى الميداني، تواجه اليونيفيل تحديات متزايدة نتيجة تعرض مواقعها ودورياتها لإطلاق نار وقصف من الجانب الإسرائيلي خلال الأشهر الماضية، مما أدى إلى إصابات في صفوفها، في حين تؤكد الأمم المتحدة أن هذه الحوادث تمثل انتهاكا للقرار 1701 وتطالب بوقفها.
وتعكس هذه التطورات هشاشة الوضع الأمني لا سيما في الجنوب اللبناني وتزيد من الحاجة إلى وجود قوة مراقبة دولية قادرة على العمل في بيئة معقدة وتوثيق الانتهاكات بشكل محايد.
ضغوط دولية
ويتزامن هذا الملف مع نقاشات مكثفة داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل القوة الدولية، فقد طرحت مسودة فرنسية العام الماضي لتمديد الولاية لفترة إضافية مع بدء خفض تدريجي ينتهي بانسحاب منظم بحلول نهاية عام 2026.
في المقابل تمارس الولايات المتحدة ضغوطا لتقليص المهمة أو إنهائها مدعومة بموقف إسرائيلي مماثل، وتعزز هذا الاتجاه بقرارات مالية أمريكية سابقة خفضت تمويل عمليات حفظ السلام إضافة إلى مواقف معارضة لموازنات اليونيفيل، بينما يحظى استمرار القوة بدعم واسع من عدد كبير من الدول منها الصين التي شددت إلى جانب دول أخرى على أهمية الحفاظ على دور اليونيفيل وحماية عناصرها.

وسبق أن كرّس قرار مجلس الأمن رقم 2790 إطارا انتقاليا لمرحلة ما بعد اليونيفيل عبر تمديد ولايتها مرة أخيرة حتى نهاية عام 2026 يتبعه انسحاب تدريجي ومنظم خلال عام واحد، بالتوازي مع تعزيز دور الجيش اللبناني بوصفه جهة وحيدة مسؤولة عن الأمن في الجنوب.
ويجمع القرار بين الضغط لتنفيذ القرار 1701 وسحب القوات الإسرائيلية ووقف الانتهاكات، وبين دعوة المجتمع الدولي إلى دعم قدرات الدولة اللبنانية وجيشها، بما يعكس توجها دوليا نحو محاولة إنهاء المهمة الأممية تدريجيا من دون الإخلال بمتطلبات الاستقرار والأمن.
وأمام كل هذا، يقف لبنان أمام خيارات صعبة تتراوح بين الحفاظ على إطار أممي معدل يضمن استمرارية الدور الدولي، والانتقال إلى ترتيبات بديلة أقل تماسكا، أو حتى مواجهة فراغ أمني محفوف بالأخطار.
ويظل قرار مجلس الأمن والتوازنات الدولية العامل الحاسم في تحديد المسار النهائي لهذا الملف بما سيتركه من تداعيات مباشرة على استقرار جنوب لبنان وعلى معادلة المواجهة مع إسرائيل.
المصدر: الجزيرة