ما الذي قد يجمع ملياردير من وادي السيليكون بفيلسوف فرنسي كاثوليكي؟
في قاعات جامعة ستانفورد في ثمانينيات القرن الماضي، كان طالب الفلسفة آنذاك، بيتر ثيل، يبحث عن فكرة كبرى تفسّر له العالم، كما سيقول لاحقاً.
هناك التقى برينيه جيرار، المفكّر والمؤرّخ الفرنسي الذي كان يُدرّس الأدب المقارن، فأعجب بأطروحته حول الرغبة، ومفادها باختصار أن الإنسان لا يرغب من تلقاء نفسه، بل يرغب بما يرغب به الآخرون.
منذ ذلك الحين، تبنّى ثيل الفكرة الجوهرية لجيرار: التقليد هو جذر السلوك الإنساني. فنحن، من حيث لا نشعر، نقلّد رغبات غيرنا: نريد المدارس التي يرتادونها، والوظائف التي يسعون إليها، والأسواق التي يتنافسون عليها. إنها العدوى الخفيّة للرغبة، أو ما يسمّيه جيرار بـ”الرغبة المحاكاتية”.
لكن تأثّر ثيل بجيرار لم يقتصر على الجانب الفكري فحسب، بل امتدّ إلى البعد الأيديولوجي والديني أيضاً. فمثل معلّمه، يتبنّى ثيل نزعة كاثوليكية محافظة ترى في الإيمان المسيحي ليس مجرّد منظومة روحية، بل إطاراً أنثروبولوجياً لفهم الإنسان وعنفه ورغباته.
مفاد هذه النظرية أن رغباتنا ليست ملكاً لنا بالكامل. فنحن لا نستيقظ من النوم فجأة راغبين في أشياء بشكلٍ عفوي، بل نرغب فيها لأن شخصاً آخر يرغب بها.
في كتابه “الخداع الرومانسي والحقيقة الروائية” (1961)، يقول جيرار: “تتكوّن رغبة الإنسان دائماً وفقاً لرغبة الآخر”.
مثل المنطق الذي تقوم عليه الإعلانات التجارية، حين تثير رغبتنا لأن آخرين يرغبون بالمنتج نفسه، تنشأ رغباتنا نحن أيضاً بتقليد رغبات الآخرين، حتى من دون قصد. فإذا رأينا أصدقاء يرسلون أبناءهم إلى مدرسة مرموقة، أردناها بدورنا لأطفالنا. كذلك تعمل اتجاهات الموضة السائدة، وصولاً إلى منطق “الترند” الذي يحكم المنصّات الرقمية.
انطلق جيرار من مفهوم المحاكاة عند الفلاسفة الإغريق (mimesis)، فبينما رآها أفلاطون وأرسطو وسيلة لتقليد الأفعال أو تمثيل الجمال، نقلها جيرار إلى بعدٍ إنساني وسياسي: من تقليد الأفعال إلى تقليد الرغبات ذاتها.
رأى جيرار هذا المنطق في كل مكان: في الأدب، والأساطير، والنصوص الدينية، والتاريخ. وهو ما يفسّر، برأيه، لماذا يتخاصم الأصدقاء والجيران، ولماذا تنفجر المجتمعات بالعنف وصولاً إلى الحروب الأهلية.
وعندما تتفاقم الرغبات المحاكاتية داخل مجتمعٍ بأكمله، تبحث الجماعة عن مخرجٍ واحد: ضحية. وهنا تظهر آلية “كبش الفداء” التي وصفها جيرار كتصريف للعدوان نحو شخصٍ واحد يلقى عليه اللوم في الفوضى، فيُطرد أو يُباد. هذه البنية الخفية كامنة في الأساطير والطقوس الدينية، بل وحتى في قصة الصلب المسيحية، حيث جرى احتواء العنف بالتضحية، برأي جيرار.
باختصار، الرغبة المحاكاتية ليست مجرّد غيرة بين شخصين، بل هي المحرّك الذي يدفع مجتمعات بأكملها نحو التنافس، والأزمات، وحتى الحروب.
“عدوى” الرغبة على وسائل التواصل
لم تكن دمية “لابوبو” سوى مثالاً مكثفاً على مستويات محاكاة الرغبة في عصر المنصّات. مخلوق صغير بعينين واسعتين وابتسامة مشوّهة اجتاح المتاجر وحسابات تيك توك في آسيا والعالم، ليتحوّل إلى غرضٍ ثمينٍ يباع أحياناً بأسعار خيالية.
ليست أهمية الدمية أو قيمتها الذاتية هو ما أغوى الناس، بل مجرّد كون الآخرين يريدونها.
وعلى تيك توك وإنستغرام، فجأة يتحوّل كوب ماء مثل “ستانلي كاب” إلى رمزٍ للهوية العصرية، يتهافت عليها الناس في طوابير طويلة، أو يصبح كريم تجميلي مثل “زيت ديور للشفاه” سلعة لا غنى عنها، فقط لأنّه ظهر في فيديوهات لمؤثّرات يحظين بملايين المتابعين.
في مقالة في مجلة “ذا نيويوركر” عام 2019، أشارت جيا تولنتينو إلى ما أسمته “وجه إنستغرام” كنموذج واحد مثاليّ مصنّع رقمياً يدفع النساء حول العالم إلى إجراءات التجميل للاقتراب منه: “شفاه ممتلئة، وعيون مرفوعة، وعظام خدّ بارزة، وأنوف صغيرة”.
كما أشار جرّاحو التجميل حول العالم إلى أنّ كثيرات من زبوناتهم يقدّمن صورهن المفلترة كنماذج للتغيير الذي يرغبن به، وهو ما سمّته المجلة الأمريكية لجمعية الطب عام 2018 بـ”اضطراب تشوّه سناب شات”.
يتّضح هذا المنطق بأشدّ صوره في ما يعرف بـ”المانوسفير”، الشبكة الواسعة من المنصّات واليوتيوبرز التي تبني جمهورها على تأجيج غضب الرجال ضدّ النساء، مستخدمةً الخطاب نفسه والرموز نفسها في كل مرة. يكفي أن ينتشر مقطع واحد لأحد رموز هذا التيار حتى تتكرّر الحجج والمواقف والعداوات عبر آلاف الحسابات، في ما يشبه عدوى جماعية للكراهية.
إنها نسخة رقمية حديثة من كبش الفداء الجيراري: جماعة تبحث عن تماسكها في عدوّ مشترك، وتجد في تكرار خطاب العداء طريقاً إلى الشعور بالانتماء.
توفي رينيه جيرار عام 2015، لعلّه لحق شيئاً من صعود وسائل التواصل الاجتماعي، ووجد فيها تجسيداً مكثّفاً لأطروحته. فما كان نظرية لدى جيرار، تحوّل في أيدي رجال وادي السيليكون إلى أداةٍ، بل وحتى لاهوتاً للاجتماع الرقمي، يضمن التعلّق الدائم بالمنصّات في محاكاة جماعية تدرّ إليهم أرباحاً لا تنتهي.