غزو الجرذان: لماذا تجتاح القوارض مدننا؟

في صباح أحد الأيام من العام الماضي، فتح جون غلادوين خزانة المطبخ أسفل الحوض، ليكتشف أن كيس التربة الذي كان يخزّنه هناك قد تمزّق إلى قطع صغيرة.

بعد أيام لاحظ أيضاً رائحة نفاذة. كانت عفنة وحامضة قليلاً، تشبه رائحة صناديق القمامة المشتركة في المبنى الذي تقع شقته فيه.

يقول: “عرفت ما هو الأمر فوراً… الجرذان”.

لقد اعتاد أن يراها تركض قرب صناديق القمامة، لكن الآن أصبحت داخل منزله أيضاً.

وكان هناك شعور آخر أيضاً: الخجل.

تعمل شركة “كلينكيل” لمكافحة الآفات، المكلّفة بمعالجة الغزو في مجمّع غلادوين السكني، في مختلف أنحاء جنوب إنجلترا. ويقول مؤسسها، كلايف بوري، إنه شهد زيادة “ملحوظة” في طلبات التدخّل لمكافحة نشاط الجرذان، مقدّراً الارتفاع بنسبة 20 بالمئة خلال العامين الماضيين.

تعيش الجرذان في قنوات الصرف والمجاري والجحور، وتخرج غالباً في الليل، ما يجعل من الصعب جداً إحصاؤها، لذلك تتفاوت التقديرات حول أعدادها بشكل كبير. ففي المملكة المتحدة، يمكن أن يتراوح العدد ما بين 10 ملايين و120 مليوناً.

لكن المعروف هو أنّه تم تسجيل أكثر من نصف مليون حالة غزو للجرذان لدى المجالس المحلية في المملكة المتحدة، بين عام 2023 ومنتصف هذا العام، وفقاً لطلبات حرية المعلومات التي جمعتها شركة الصيانة “درين ديتيكتيفز”.

وليس الأمر محصوراً بالمملكة المتحدة. فقد أُبلِغ عن ارتفاع أعداد الجرذان أيضاً في مدن أميركية عدة مثل واشنطن العاصمة، وسان فرانسيسكو، ونيويورك، إضافة إلى أمستردام وتورونتو.

ورغم أنّ الجرذان ليست حيوانات قذرة بطبيعتها، فإنها تقتات من المجاري وحاويات القمامة، ويمكن أن تنقل أمراضاً خطيرة إلى البشر. فداء البريميات (مرض ويل) يُنقل عبر بولها، في حين أنّ فيروس هانتا يمكن أن ينتشر عن طريق استنشاق فضلاتها المصابة.

إذن، وبما أنّ الجرذان أثبتت دهاءها في تجنّب الوقوع في المصائد، فما الذي يتطلّبه الأمر حقاً لوقفها؟ أم أنّ الوقت قد فات لمنعها من اجتياح مدننا؟

درجات الحرارة ترتفع… وكذلك نشاط الجرذان

بوبي كورّيغن يصف نفسه بأنّه “عالم قوارض حضرية”. بدأ عمله كمكافح للجرذان في مدينة نيويورك، وقضى حياته غارقاً في دراسة هذه الكائنات.

يقول: “انتهى بي المطاف داخل المجاري، محاولاً تعليق طُعم سام لقتل الجرذان.”

بعد سنوات، وأثناء دراسته الجامعية عن الجرذان، ذهب إلى أقصى الحدود لفهم سلوكها – حتى أنّه نام على أرضية حظيرة موبوءة بالجرذان ليعاين الأمر عن قرب.

كما كان مصمّماً على فهم أسباب هذا التزايد المستمر في أعدادها.

هناك العديد من الأسباب المحتملة لذلك. يقول نيل غالاغر، المدير الفني في رابطة مكافحة الآفات البريطانية، إن شهيتنا المتزايدة للأطعمة السريعة، وقيام بعض المجالس البلدية بجمع القمامة بوتيرة أقل، إضافة إلى أعمال الطرق والبناء التي تزعج شبكات الصرف الصحي، كلها عوامل تسهم في تفاقم المشكلة.

فالأدلة العلمية أظهرت أنّ أعداد الجرذان حسّاسة للتغيّرات الحرارية. وقد سعى الدكتور كوريغن الذي عمل سابقاً كعالِم باحث في وزارة الصحة في مدينة نيويورك، بالتعاون مع باحثين من جامعة ريتشموند في فيرجينيا، إلى معرفة ما إذا كان ازدياد نشاط الجرذان مرتبطاً بارتفاع درجات الحرارة.

وقد تناولت دراستهم 16 مدينة، معظمها في أميركا الشمالية، وكشفت نتائجها التي نُشرت مطلع هذا العام في دورية، أنّ 11 مدينة منها سجّلت ارتفاعاً ملحوظاً في نشاط الجرذان خلال فترة تراوحت بين 7 و17 عاماً.

في واشنطن العاصمة، بلغت الزيادة ما يقارب 400 بالمئة، وفي سان فرانسيسكو 300 بالمئة، وفي تورونتو 180 بالمئة، وفي نيويورك 160 بالمئة. ولم تُسجَّل تراجعات إلا في ثلاث مدن فقط، من بينها طوكيو ونيو أورلينز.

وخلصت الدراسة إلى أنّ: “المدن التي شهدت ارتفاعاً أكبر في درجات الحرارة مع مرور الوقت، سجّلت بدورها زيادات أكبر في أعداد الجرذان.” وقد اقتربت هذه الزيادات من درجتين مئويتين في بعض الأماكن خلال فترة الدراسة.

ويرى الدكتور كورّيغن أنه، طالما استمرت درجات الحرارة بالارتفاع، وخصوصاً إذا أصبحت الشتاءات أكثر دفئاً، فمن المرجّح أن يستمر تزايد أعداد الجرذان.

وبالفعل، من المتوقع أن ترتفع درجات الحرارة العالمية بما يتراوح بين 1.9 و2.7 درجة مئوية فوق المعدّل ما قبل الصناعي بحلول عام 2100، وفقاً لتقديرات “مُتتبّع العمل المناخي”، وهو مجموعة مستقلة من الباحثين في شؤون المناخ.

سرعة تكاثر استثنائية إلا في البرد

تتكاذر الجرذان بشكل استثنائي. فأنثى الجرذ تضع عادةً نحو ستة بطون في السنة، يحتوي كلّ منها على ما يصل إلى 12 من صغار الجرذان.

يقول الباحثون إن أعداد الجرذان مهيّأة بشكل خاص للارتفاع في المدن. ذلك لأن الأسفلت والمباني التي تحتجز الحرارة تميل إلى الاحترار بسرعة أكبر مقارنة بالمناطق الريفية.

كما أنّ نزعة انتقال الناس من الريف إلى المدن تلعب دوراً في ذلك أيضاً، وفقاً للدكتور كوريغن. إذ يقول: “الأراضي تختفي بشكل جنوني، ونحن نقيّم المباني، مما يقلّص موائلها [أي الجرذان] في البرية”.

والمزيد من المباني يعني المزيد من الزوايا والأنابيب والمجارير التي يمكن أن تعيش فيها الجرذان، وهو ما يضاعف التحدي المتعلق بكيفية السيطرة المثلى على أعدادها المتنامية.

إحدى الحقائق الغريبة عن الجرذان والتي تساعد على تفسير سبب فشل الطعوم السامّة في كثير من الأحيان، هي أنّها غير قادرة على التقيؤ.

نظرياً، هذا يعني أنّه بمجرد ابتلاع الجرذ للسمّ، لا يمكنه التخلّص منه. لكن الجرذان أيضاً نيُوفوبية، أي تخشى الأشياء الجديدة، بحسب البروفيسور ستيفن بيلمين، أستاذ علم البيئة في جامعة غرينيتش. ويرى أنّ هاتين النقطتين مرتبطتان ببعضهما.

ويقول إن ذلك يُعَدّ نوعاً من “القوة الخارقة”، إذ حين تعثر الجرذان على طعام محتمل لا تندفع لالتهامه فوراً.

“إنها تجرّب كمية صغيرة فقط. فإذا لم تشعر بالمرض، تستنتج: ‘حسناً، يمكنني أن آكل هذا’.”

ويضيف: “يمكن القول إن هذا النهج الحذِر في الحياة كان مصدر قوة لها.”

 

المصدر: BBC