غضب بين جنود الاحتلال وقلق بواشنطن إزاء إرهاب المستوطنين بالضفة

تتسع دائرة الغضب والانتقادات داخل إسرائيل، لاعتداءات المستوطنين المتواصلة في الضفة الغربية المحتلة، لتطال الجيش والحكومة، وسط اتهامات بالتغاضي عن عنف ما وصفوه بـ”الإرهاب اليهودي” المتصاعد، وتحذيرات من فقدان السيطرة على الضفة.

جاء ذلك، بالتزامن مع عزلة كاملة تعيشها 3 عائلات فلسطينية داخل منازلها في قرية قصرة، جنوبي محافظة نابلس شمالي الضفة، لليوم الثالث على التوالي، بعدما أقام مستوطنون خياما وأغلقوا الطريق المؤدي إليها، في تحرك يقول أحد المحاصرين إنه يستهدف تهجيرهم والاستيلاء على منازلهم.

مئات الجنود: أوقفوا الإرهاب اليهودي

وطالب مئات الجنود الإسرائيليين، اليوم الأربعاء، قيادة الجيش باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف “الإرهاب اليهودي” في الضفة الغربية، في إشارة إلى اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، محذرين من أنها تعرض الجنود للخطر.

وقالت صحيفة يديعوت أحرونوت إن أكثر من 300 جندي احتياطي وقّعوا عريضة بعنوان رسالة جنود الاحتياط ضد الإرهاب اليهودي، ووجهوها إلى رئيس أركان الجيش إيال زامير.

واتهم الموقعون قادة الجيش بالتقصير في منح القوات الصلاحيات والأدوات اللازمة لمنع تكرار اعتداءات المستوطنين، مؤكدين أنهم يرسلون مرارا للفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فيما يصفه الجيش بـ”حوادث الاحتكاك”، دون امتلاك تفويض فعلي لمنع أعمال العنف قبل وقوعها.

وجاء في الرسالة “نحن جنود احتياط خدمنا مئات الأيام منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما في ذلك في الضفة الغربية، حيث خاطرنا بحياتنا من أجل أمن إسرائيل، لكننا نشعر أن قيادة الجيش تتخلى عنا في الميدان ولا تدعمنا”.

وأضاف الموقعون “يُطلب منا مرارا إخماد الحرائق، لكن لا أحد يضمن وقف قادة الإرهاب القومي واستئصاله”، في إشارة إلى إرهاب المستوطنين.

وحذّرت العريضة من أن تقاعس القيادة العسكرية، إلى جانب الدعم السياسي الذي يحظى به بعض المتورطين في هذه الاعتداءات، يعرّض الجنود للخطر.

إعلان

وأكد الجنود في رسالتهم أن غياب التوجيه الواضح والتغاضي عن الإرهاب اليهودي أدى إلى إصابة ومقتل جنود في حوادث مرتبطة بهذه الاضطرابات.

epa13163905 Israeli soldiers block a road as Israeli settlers besiege a Palestinian home for the fourth consecutive day in the town of Qusra, south of Nablus, 12 August 2026. According to the Wafa news agency, Israeli settlers raided the vicinity of three Palestinian houses in the Ras al-Ain area of Qusra, imposed a siege around them, prevented residents from reaching the properties and erected a tent nearby under the protection of Israeli forces. EPA/ALAA BADARNEH
جنود إسرائيليون يغلقون طريقا بينما يحاصر مستوطنون منازل الفلسطينيين في قصرة (الأوروبية)

عضو كنيست للجيش: كفى تغاضيا

إلى ذلك، وجَّه عضو الكنيست عن حزب الديمقراطيين المعارض جلعاد كاريف انتقادات حادة إلى الجيش بسبب غضه الطرف عن “إرهاب عصابات المستوطنين” ضد عائلات فلسطينية في قرية قصرة شمالي الضفة.

وزعم جيش الاحتلال الإسرائيلي -في بيان الأربعاء- أنه أزال بؤرة استيطانية أقامها مستوطنون في محيط منازل بالقرية، لكن مقاطع فيديو لاحقة أظهرت استمرار وجودهم.

وكتب كاريف، عبر منصة إكس، “انسحبت قوات الجيش. ولا يزال المستوطنون يحاصرون المنزل. لم يُقبض على أي مستوطن متطرف رغم المحاولة الواضحة لعرقلة عمل الجيش وانتهاك الأوامر”.

وقال عضو الكنيست إن على هيئة الأركان العامة للجيش إدراك أن التراجع عن إخلاء البؤرة الاستيطانية ورفع الحصار “يعطي دفعة قوية للإرهاب القومي” الاستيطاني في الأراضي المحتلة.

وأردف في رسالته إلى الجيش “كفى غض الطرف أمام هذه العصابات. أعيدوا السيطرة إلى أيديكم”.

ونشر كاريف مقطع فيديو لمستوطنين يضعون حجارة في الطريق المؤدي إلى البؤرة الاستيطانية التي أقاموها لمنع الجيش من الوصول إليها.

وفي منشور آخر عبر إكس، قال كاريف “لا يوجد قانون ولا أحد ينفذه.. لا يسع المرء إلا أن يتخيل ما سيحدث لو فعل شباب فلسطينيون الشيء نفسه”.

“عنف مقصود من نتنياهو”

والأربعاء، قال المحلل العسكري الإسرائيلي بصحيفة هآرتس، عاموس هارئيل، إن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يعتقد أن تصعيد التوتر الأمني في الضفة الغربية قبل الانتخابات العامة، المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يخدم مصالحه ويحول انتباه الرأي العام عن المسؤولية عن إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

وتابع أن المستوطنين يستولون، بتشجيع من الوزراء وأعضاء الكنيست في الائتلاف الحاكم، على المزيد من الأراضي الفلسطينية في المنطقة “ب”.

وبموجب اتفاقية أوسلو 2 لعام 1995، التي كان يُفترض أن تكون ترتيبا مؤقتا، قُسمت الضفة الغربية إلى 3 مناطق (أ، ب، ج)، حيث تخضع “أ” للسيطرة الفلسطينية الكاملة، فيما تخضع “ب” لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية، أما “ج” فتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.

وأضاف هارئيل أن عنف المستوطنين الممنهج هو ثمرة نظام يضم جناحا سياسيا يتمثل في الوزراء ورؤساء المجالس الإقليمية، وجناحا عسكريا يتمثل في “البلطجية على الأرض”.

وشدد على أن قوات الجيش والشرطة فقدت في الأشهر الأخيرة السيطرة تماما على الضفة الغربية.

وأوضح أن الجنود لا يعملون كممثلين لسيادة القانون، ففي نظرهم مهمتهم الرئيسية هي حماية المستوطنين، بل ومساعدتهم.

ووفق هارئيل، يعترف مسؤولون عسكريون كبار بانعدام القانون في الأراضي الفلسطينية، ويقولون إن السياسيين يدلون بتصريحات أكثر تطرفا على أمل كسب تأييد المستوطنين، لا سيما مع اقتراب الانتخابات التمهيدية لحزب الليكود الذي يقوده نتنياهو، الاثنين المقبل.

إعلان

وحول حادثة قرية قصرة، قال هارئيل “بدت قوة عسكرية صغيرة مؤلفة من جنود احتياط من قيادة الجبهة الداخلية وكأنها مجندة بالكامل لخدمة جهود المستوطنين”.

وأوضح أن القوة ساعدت “المستوطنين العنيفين” الذين كانوا يقيمون بؤرة استيطانية على أراض فلسطينية خاصة، كما حاولوا طرد أصحابها من منازلهم، ومنعوا صحفيي صحيفة هآرتس بالقوة من الاقتراب.

FILE PHOTO: Former Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu stands next to his wife Sara as they cast their ballots on the day of Israel's general election in a polling station in Jerusalem November 1, 2022. REUTERS/Ammar Awad/File Photo
محلل إسرائيلي: نتنياهو يعتقد أن تصعيد التوتر الأمني في الضفة قبل الانتخابات الإسرائيلية يخدم مصالحه (رويترز)

عجز إسرائيل يقلق واشنطن

وفي السياق ذاته، أثارت اعتداءات المستوطنين في قرية قصرة قلقا لدى الإدارة الأمريكية، وسط انتقادات لما وصفته هيئة البث الإسرائيلية بـ”عجز المؤسسة الأمنية” الإسرائيلية عن مواجهة المستوطنين في القرية.

وقالت الهيئة إن البيت الأبيض ناقش أحداث قصرة، بعدما خلص مقربون من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى أن إسرائيل لا تتخذ إجراءات ضد أعمال العنف في القرية.

وأضافت أن مسؤولا كبيرا في البيت الأبيض يعتزم إجراء اتصال مع مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بشأن القضية، مشيرة إلى أنه من المتوقع أن يطلب المسؤول توضيحات بشأن “المخاوف التي تعيق الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عن التعامل مع مثيري الشغب (المستوطنين)”.

epaselect epa13163897 Palestinian Refqa Hassan watches as Israeli settlers besiege her family home for the fourth consecutive day in the town of Qusra, south of Nablus, 12 August 2026. According to the Wafa news agency, Israeli settlers raided the vicinity of three Palestinian houses in the Ras al-Ain area of Qusra, imposed a siege around them, prevented residents from reaching the properties and erected a tent nearby under the protection of Israeli forces. EPA/ALAA BADARNEH
فلسطينية تراقب منزل عائلتها المحاصر من قبل المستوطنين في قرية قصرة لليوم الثالث على التوالي (الأوروبية)

حصار متواصل في قصرة

وتأتي حالة الغضب في الأوساط الإسرائيلية على عنف المستوطنين المتصاعد، بالتزامن مع استمرار تجمع مستوطنين متطرفين قرب بلدة قصرة جنوبي نابلس، حيث يقول فلسطينيون إن 3 عائلات تعيش تحت حصار فعلي.

وتفاقمت مخاوف العائلات، مع تجمع نحو 200 مستوطن في محيط المنازل وإغلاق الطريق بالحجارة، وسط خشية من اقتحامها أو مهاجمتها.

ويقول أحد المحاصَرين، الفلسطيني يوسف عبد السلام، إن عائلته المكونة من 4 أفراد، إلى جانب عائلات شقيقه ووالديه وأحد أقاربه، عالقون داخل المنازل لليوم الثالث دون تمكنهم من الحصول على مواد غذائية أو احتياجات أساسية.

وأوضح أن مستوطنين نصبوا خياما على الطريق المؤدي إلى المنازل، ما أدى إلى عزلها عن بقية قرية قصرة ومنع أفراد العائلات من الوصول إلى احتياجاتهم.

وأضاف أن الجيش الإسرائيلي فكك إحدى الخيام خلال ساعات الليل، قبل أن يصل نحو 200 مستوطن إلى الموقع ويغلقوا الطريق بالحجارة.

وأشار عبد السلام إلى أن ذلك أثار مخاوف العائلات من مهاجمة منازلها أو اقتحامها، مضيفا “المستوطنون يريدون طردنا من منازلنا والسيطرة عليها”.

ويقيم نحو 750 ألف مستوطن في 156 مستوطنة و360 بؤرة استيطانية بالضفة الغربية، بما فيها الشطر الشرقي لمدينة القدس المحتلة، ويرتكبون اعتداءات بهدف تهجير الفلسطينيين قسرا.

وتشمل اعتداءات الجيش والمستوطنين: قتل فلسطينيين، وهدم منازل ومنشآت، وإحراق مساجد وسيارات، وتجريف أراض زراعية، ومنع مزارعين من الوصول إلى مزارعهم، وتهجير فلسطينيين، والتوسع الاستيطاني في أراضيهم.

ويحذّر الفلسطينيون من أن إسرائيل تمهد عبر اعتداءات الجيش والمستوطنين لإعلان ضم الضفة الغربية إليها رسميا، ما يعني تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطين المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

 

المصدر: الجزيرة