قبل 52 عاما، وضع البرتغاليون المتظاهرون ضد نظام “استادو نوفو” (الدولة الجديدة) السلطوي الأزهار على فوهات بنادق الجنود، وكان ذلك تعبيرا جماعيا عن رفض العنف بعد الانقلاب العسكري السلمي الذي قاده الضباط ضد سلطة مارسيلو كايتانو في العاصمة لشبونة عام 1974.
اليوم يدين البرتغاليون إلى الثورة السلمية في إنهاء الحكم الاستبدادي وإرساء حكم ديمقراطي تعددي بعد عقود من الترنح وعدم الاستقرار الحكومي. لكن هل يعني الاحتفاء السنوي بذكرى “ثورة القرنفل” نهاية الهواجس القديمة؟ وهل انتهى الثوار من حسم كل المعارك والمطالب التي قامت من أجلها الثورة؟
السياق العام.. استبداد وأزمة اقتصادية
في ساعات الصباح الأولى من يوم 25 أبريل/نيسان عام 1974، قادت مجموعة من الضباط تسمي نفسها “حركة القوات المسلحة” انقلابا منسقا على مقر الحكم في لشبونة، لينهوا بذلك النظام الاستبدادي (استادو نوفو) الذي أُسّس منذ عام 1933 في عهد أنطونيو أوليفيرا سالازار بشكل سلمي ودون إراقة دماء.
مهَّد الانقلاب السلمي انتقال البرتغال إلى الديمقراطية بإنهاء رقابة الحكومة على الحياة العامة واستعادة الحريات المدنية وإطلاق مسار سياسي لإنهاء الاحتلال في المستعمرات بأفريقيا.
قبل ذلك، وبحلول أوائل سبعينيات القرن العشرين، كانت الحرب الاستعمارية الطويلة في أنغولا وموزمبيق وغينيا بيساو قد استنزفت الموارد والمعنويات في البرتغال. وكان الركود الاقتصادي والسخط الاجتماعي يتفاقمان، إذ ساد شعور لدى كثير من الضباط العسكريين الشباب بأن البلاد عالقة في مأزق.
يقول المؤرخون إن الثورة لم تكن مجرد مناورة عسكرية، بل كانت انعكاسا لإحباط واسع النطاق في المجتمع البرتغالي ورغبة جامحة في الإصلاح السياسي.
ورغم وقوع حوادث مأساوية من بينها إطلاق نار من قِبل أفراد الشرطة السياسية أسفر عن سقوط ضحايا، فلا تزال الثورة تُصنَّف واحدة من أكثر عمليات تغيير الأنظمة سلمية في التاريخ الأوروبي الحديث.

دولة الرفاه.. حلم في مهب الريح
حتى اليوم، تمثل زهرة القرنفل رمزا قويا للديمقراطية في البرتغال، وتعكس هوية وطنية جامعة لكل البرتغاليين. لكنْ خلف مظاهر الاحتفالات السنوية التي تعم الشوارع والساحات، تتزايد مشاعر الإحباط الشعبية من ترنح النمو الاقتصادي (بين 1.5% و2%) والتأخر في تحسين ظروف العيش وزيادة الرواتب المتدنية مقارنة بالمعايير الأوروبية.
وهناك انطباع عام بأنه رغم مرور 52 عاما على سقوط الديكتاتورية، فإن المعارك التي أشعلتها الثورة لم تُحسم بعد، وهو ما ذهبت إليه عضوة البرلمان الأوروبي عن تحالف الاشتراكيين والديمقراطيين التقدميين مارتا تيميدو، حينما ركزت بشكل كامل على “معركة الفقر” التي تضرب عددا كبيرا من البرتغاليين حتى اليوم، بسبب ضعف الأجور وفشل الحكومة في حل أزمة السكن الاجتماعي.
وبحسب “بيانات الشبكة الأوروبية لمكافحة الفقر”، فإن نحو 2.1 مليون شخص معرَّضون لخطر الفقر أو الإقصاء الاجتماعي في البرتغال، أي ما يعادل نحو 20% من تعداد السكان، إلى جانب معدل بطالة يُقدَّر بنسبة 18.5% وفق آخر تحديث.
وبمعدل رواتب ظل أعواما يتراوح بين 900 و1300 يورو، تخاطر البرتغال بفقدان جاذبيتها لمئات الآلاف من الشباب الذين اختاروا المغادرة نحو دول الشمال الأوروبي ومن بينها فرنسا وألمانيا، وهو ما توقف المعهد الوطني للإحصاء عند تداعياته، محذرا من إمكانية خسارة البلاد 20% من سكانها حتى عام 2060، إذا استمر نزيف الهجرة بالوتيرة ذاتها.
وعلّقت على ذلك عضوة البرلمان الأوروبي عن كتلة اليسار كاتارينا مارتينز في إفادة لها، قائلة “نحتاج إلى أن تكون السياسة في مكانها الصحيح، وبدلا من الانقياد إلى نظام اقتصادي يفاقم الفقر وعدم المساواة والإحباط، يجب أن نضع قواعد تُمكّننا جميعا من التطلع إلى حياة أفضل وتحقيقها”.
لكنَّ الأمر لا يقف عند هذا الحد، إذ لا ترى قطاعات واسعة داخل الطبقة السياسية أهمية لإحياء ذكرى 25 أبريل/نيسان، مع استمرار البلاد في الانزلاق إلى ممارسات مناقضة لقيم “الثورة”.
وخلال جلسة رسمية في البرلمان، حذر رئيس الجمهورية أنطونيو خوسيه سيغورو في خطابه من الأخطار التي تهدد قيم الثورة، ومن بينها:
- خطر اختفاء تدريجي للحرية والديمقراطية.
- تفشي الفساد في مؤسسات الدولة وخطر تقويض سيادة القانون.
- التفاوت غير المبرر في الأجور بين النساء والرجال.

منعطف “تشيغا” الشعبوي
حتى وقت قريب، كان يُنظر إلى البرتغال على نطاق واسع بأنها آخر قلاع حكم الاشتراكيين داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما يفسر سياسة الأبواب المفتوحة التي اعتُمدت قبل نحو عقد في الهجرة، قبل أن يتغير الحال ويتبدل الخطاب مع انتخابات عام 2024 بصعود حزب اليمين المتطرف “تشيغا”، ليتحول اليوم إلى ثالث قوة سياسية في البلاد خلف التحالف الديمقراطي (يمين الوسط) والحزب الاشتراكي.
وأدى هذا التحول إلى تغيير مسار النقاش السياسي بقوة إلى ملف الهجرة وتداعياته على قطاعات السكن، وأولويات الإصلاح المرتبطة بمعاشات التقاعد الضعيفة وسوق العمل.
وفي دلالة على الفجوة القائمة بين ذكرى الثورة ورمزيتها مقابل ضغوط الحاضر، ردد زعيم حزب “تشيغا” أندريه فينتورا في يوم الاحتفال أن “البرتغاليين لا يريدون المزيد من الأزهار والقرنفل، بل يريدون أن يكون لهم صوت”. كما وجَّه انتقادات لاذعة للإنفاق الحكومي على مظاهر الاحتفال، بدلا من منح اهتمام أكبر إلى “المحاربين القدامى”.
ويرى زعيم حزب تشيغا أن “طبقة جديدة من المهمشين” قد وُلدت في البرتغال، موجها انتقادات متكررة لسياسات الحكومة في ملفات طالما مثلت محركا لخطابه، وهي:
- قطاع السكن
- الرعاية الصحية
- مكافحة الفساد
- إدارة ملف الهجرة
“قيم أبريل” على المحك
يثير خطاب “تشيغا” الذي يلقى رواجا بين فئات الشباب اليوم في البرتغال قلقا بين النخب السياسية المخضرمة في البرتغال، وهو ما يضع “قيم أبريل” فعليا على المحك وأمام خطر التلاشي.
وتعكس نتائج استطلاعات الرأي ميل الشباب بنسبة تفوق 40% إلى آراء “تشيغا”، بما يشير إلى تحوُّل في المزاج العام في البرتغال، كما يثير شكوكا بشأن المسار الذي تسلكه ثورة القرنفل مستقبلا.
وتقول عضوة البرلمان الأوروبي عن مجموعة “تجديد أوروبا/المبادرة الليبرالية” آنا فاسكونسيلوس “بشكل عام، قد تكون الأجيال الشابة التي لم تعش هذه الفترة قد فقدت إدراكها لمعنى العيش من دون الحريات التي نعُدها اليوم من المسلَّمات”.
وتابعت في تعليقها “لعل هذا هو السبب وراء تنامي الوعي بأن هذه الحريات لا يمكن اعتبارها من المسلَّمات، عندما نرى ما يحدث في الولايات المتحدة وفي دول أخرى مثل المجر، حيث سقطت أخيرا الحكومة التي كان يقودها أوربان بنزعة استبدادية”.
المصدر: الجزيرة